الجزائر: السلطة تستغل “كورونا” لفرض الحجر السياسي

كان الوباء فرصة للسلطة في الجزائر لعزل كل ما اعتقدت أنه خلايا جرثومية يشكل تكاثرها خطراً على المنظومة القمعية، ولم تتوان عن استغلال الحجر الصحي لمواصلة تحييد الأصوات "النشاز"، بتشديد الرقابة...

  • هذا الموضوع تم إعداده بالتعاون مع Pulitzer Center

كان الوباء فرصة للسلطة في الجزائر لعزل كل ما اعتقدت أنه خلايا جرثومية يشكل تكاثرها خطراً على المنظومة القمعية، ولم تتوان عن استغلال الحجر الصحي لمواصلة تحييد الأصوات “النشاز”.

جرى تشديد الرقابة على الصحف الإلكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي.  

علق الجزائريون التظاهرات المناهضة للنظام والتي تواصلت على مدار أكثر من سنة، بسبب جائحة “كورونا” ابتداء من 20 آذار/ مارس الماضي. وفرضت الحكومة الحجر الصحي يوم 5 نيسان/ أبريل. لكن هذا لم يمنع السلطة من معاقبة المعارضين بسجن من تعتقد أنهم رموز للحراك الشعبي. 

لم تبدأ الاعتقالات مع الحجر الصحي ولكنها طاولت كثيرين خلال هذا الحجر، وتزامنت مع تعديلات في قانون العقوبات. فقد استحدثت السلطة وسائل قانونية لم تكن متوفرة، من أجل تحييد الأصوات التي تغرد خارج سربها وتراها نشازاً. وشابهت هذه الاعتقالات في “بيداغوجيتها” ما كان يشغل تفكير سعيد مقبل الذي كان يبحث في أسباب اغتيالات المثقفين والصحافيين قبل أن تطاوله يد الغدر عام 1994. لم يعد هناك من يهدد الصحافيين والمثقفين والسياسيين بالقتل. ونتمنى أن لا يعود ذلك يوماً. لكن العنف لم يختف. فقط تغيرت أدواته.

في تصريح لقناة “الحدث الجزائري” يوم 21 ايار/ مايو الماضي، حذر المحامي عبد الغني بادي، وهو مختص بالدفاع عن معظم سجناء الرأي، من مغبة هذه الانتهاكات التي تهدد الدولة في كينونتها. وأسف بادي لارتفاع وتيرة الممارسات القمعية: “هذه الممارسات كانت موجودة في زمن بوتفليقة بدرجة أقل من هذا”. ودعا القضاة إلى وضع مصلحة الدولة نصب أعينهم: “نحن نقول للقضاة أنهم يجب ألا يدافعوا عن منظومة الحكم وإنما عن الدولة. الدولة ليست النظام وليست من مصلحتها أن تداس الحريات أو تنتهك الحقوق”. 

جاء تصريح بادي عقب سلسلة محاكمات طاولت مجموعة من النشطاء عبر ولايات البلد، بسبب منشورات يعبرون فيها عن مواقفهم وآرائهم في شبكات التواصل الاجتماعي، واتخاذ إجراءات إدارية  تعسفية بحق صحف إلكترونية، ما أكد رغبة السلطة في فرض الرقابة على مختلف الوسائط التي لا تتحكم فيها. فإذ تتحكم في وسائل الإعلام التقليدية، يبقى الإنترنت فضاء متاحاً للجميع. ولعل ما ساهم في تبلور الأفكار المناهضة للنظام في السنوات الأخيرة هو دمقرطة الانترنت، التي تضاعف انتشارها تقريباً أربع مرات في الخمس سنوات الماضية. كما فتح ذلك المجال لاستخدام وسائط التواصل الاجتماعي كوسيلة إعلام بديلة ساهمت بقوة في الحراك الشعبي. وهذا ما برر تعديل قانون العقوبات واستهداف نشطاء لزرع الرعب بين مستعملي الشبكة.   

مظاهرة ضد الاعتقالات في كانون الثاني/ يناير 2020

المنشار يتوقف عن النشر 

كان توقف جريدة “المنشار” الإلكترونية الساخرة عن الصدور، فيما الجزائريون في الحجر الصحي،  مفاجئاً، حتى أن كثراً من قرائها لم يتفهموا أسباب ذلك وعبروا عنه عبر وسائط التواصل الاجتماعي، فالجريدة لم تتعرض لضغط مباشر من طرف السلطة، وقد اعتاد الجزائريون على غلق الصحف إما لأسباب اقتصادية أو لتعسف من السلطة. وإذ يستوقفنا هذا بالخوض في أسباب دهشة البعض، يستلزم ذلك الغوص عميقاً في ذاكرة الصحافة الجزائرية لنجد موقفاً مماثلاً.

يروي قدامى المهنة أن الجريدة الجهوية الناطقة بالفرنسية “أخبار الشرق” (Les nouvelles de l’est) التي كان يديرها الصحافي بوبكر حميدشي، توقفت عن الصدور بسبب اغتيال الرئيس محمد بوضياف عام 1992. وقد ارتأى أصحابها أن لا جدوى من نشر جريدة في بلد يُغتال فيه رئيس الدولة على الهواء مباشرة. ليس الخوف ما دفع حميدشي إلى تعليق صدور جريدته فقد واصل العمل الصحافي طيلة سنوات الرعب ويواصل كتابة عمود في جريدة “لوسوار دالجيري” (Le Soir D’Algérie)، وهو من ألذع ما يُكتب في نقد النظام السياسي وخفاياه.

فتح قانون الإعلام لعام 1990 المجال أمام المبادرة الخاصة في مجال الإعلام ونشأت مئات الصحف واندثرت أخرى. لم تُوثق هذه الأحداث المتناثرة بدقة كما يكتمها من عايشوها لأسباب مختلفة ويستحضرونها من وقت إلى آخر بسبب تكرر الآلام ولو لم يكن ذلك دائما بالحدة ذاتها. كما أطر المشرع الحديث عن بعض أوجهها بقوانين قامعة تمنع الخوض فيها بحرية كمآسي سنوات التسعينات من القرن الماضي وهي الفترة التي دفع فيها الصحافيون والمثقفون والسياسيون والمناضلون على اختلاف مشاربهم الثمن غالياً. 

كان الحصار على الإعلام شاملاً بموجب النصوص المُؤطّرة لمكافحة الإرهاب، فقد توبع صحافيون قضائياً وأغلقت جرائد. كما اغتيل العشرات من طرف الجماعات الإرهابية. وتميزت تلك الفترة بالاختفاءات القسرية ومن بين المختفين صحافي اسمه جميل فحاص. كما نُسف مقر جريدة “لوسوار دالجيري” بسيارة مفخخة عام 1996 وراح ضحية الاعتداء ثلاثة من صحافييها. 

نشرت الصحافية الألمانية مونيكا بورغمان حوارات أجرتها مع سعيد مقبل قبل اغتياله في 1994 في كتاب صدر عام 2008 عن داري  Téraèdre (باريس) والجديد (بيروت) عنوانه: “سعيد مقبل: موت بالحرف (Said Mekbel: Mort à la lettre)” أبرزت من خلالها مفهومه لـ”الاغتيالات البيداغوجية”. 

كان مقبل مدير جريدة Le Matin من القلائل الذين يحملون الشهادات العليا من بني جيله من الصحافيين، عُذب في سجون النظام أيام “الحزب الواحد”، وهو حاصل على دكتوراه دولة في الفيزياء وأحد مثقفي زمانه. لم يستسلم للخوف الذي كان يعايشه وواصل عمله الصحافي منتظراً دوره في طابور الموت فيما شن الظلاميون الحرب على المثقفين والصحافيين وكانت تشغل باله أسباب قتلهم.

نظرية مقبل

افترض مقبل مفكراً أن ذلك لم يكن عشوائياً، وأن من خطط لاغتيالاتهم أراد تمرير رسالة صادمة، فوقع ذلك على النفوس كوقع تخريب المدرسة أو المصنع وما يتركه في الأذهان. وكان هدف هذه الجرائم “بيداغوجياً”، لزرع الخوف في النفوس بغض النظر عن هوية القاتل. كما نقلت الصحافية عن مقبل اعتقاده بأن من دبر لاغتيال هؤلاء المثقفين اختارهم بدقة والسبب هو أن “لهم ما ينقلون من المعرفة للآخرين”. 

استمرت جريدة Le Matin لعشرية بعد اغتيال مقبل وتوقفت عن الصدور، بعد سجن مديرها محمد بن شيكو عقاباً له بعد تأليفه كتاباً في 2004 عن سيرة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ولو أن الجنحة التي بررت سجنه هي جنحة اقتصادية واهية في قضية ليست لها علاقة مباشرة بالرئيس.

لم يخل زمن بوتفليقة من المتابعات القضائية ضد صحافيين، وإن لم يكن ذلك متواتراً. وتعددت الأطراف الشاكية، إلا أن الرئيس المخلوع قدم قضية واحدة ضد صحافي جريدة “لوسوار دالجيري” كمال عمارني بسبب مقال حول استعماله وسائل الدولة في حملته الانتخابية. وأصدر بوتفليقة عفواً مس 200 صحفي ومالك جريدة عام 2005 منها قضايا سابقة لعهده قبل أن يوجه استراتيجية الرقابة على وسائل الإعلام بتجفيف مصادر دخلها وخنقها اقتصادياً عبر الضغط على المعلنين. وترسخ في وقته إقصاء الصحف الناقدة من الإعلانات العامة والخاصة. فحتى الخواص لا ينشرون إعلاناتهم في الصحف التي لا ترضى عنها السلطة.  

لا الصعوبات الاقتصادية ولا التهديدات بالقتل هي ما دفعت بالقائمين على جريدة “المنشار” الساخرة إلى التوقف عن الإصدار وإنما الرقابة الذاتية التي زرعها الخوف في صفوف الصحافيين والفاعلين في المجتمع المدني، بعد سلسلة اعتقالات طاولت صحفيين ومناضلين، وزادت حدتها في ظل الحجر الصحي بسبب “كورونا”. 

جاء في إعلان تعليق صدور الصحيفة ما يلي: “لم يتم حجبنا أو مورست علينا الرقابة من طرف السلطات. القرار اتخذه فريق التحرير.  قمع الحريات واعتقالات المواطنين بسبب نشاطاتهم على وسائط التواصل الاجتماعي هو ما دفعنا للتفكير في المخاطر التي قد تعترضنا. لقد عشنا لحظات من الخوف وقاومنا لمدة خمس سنوات حاولنا خلالها المساهمة بطريقتنا، من طريق السخرية، في تجاوز الصعوبات التي يجتازها بلدنا. لم نكن نعتقد أننا سنصل يوماً إلى هذا الحد. نلتقي بكم في جزائر أفضل. جزائر لا مكان فيها للخوف تتيح لكل واحد فرصة تفجير طاقاته الخلاقة”.  

عدّلت الحكومة قانون العقوبات بأيام قبل توقف صدور “المنشار” بحجة محاربة نشر الأخبار الكاذبة عبر وسائط التواصل الاجتماعي. ومن الواضح أن الهدف هو تضييق فضاءات التعبير الحر، لأن محاربة الأخبار المغلوطة تكون بتهيئة الظروف لبناء وسائل إعلامية قوية وبالتربية الإعلامية التي تمكن المواطنين من التعامل مع ما تبثه وسائل الإعلام. وهو ما لم تعتزم السلطة فعله على ما يبدو. ودليل ذلك سجن شباب ذنبهم أنهم يتقنون التعبير بأدوات عصرهم.

بيداغوجيا الاعتقالات 

بنى النظام شموليته على الفكر الأحادي وعمل منذ نشأته على فرضه على الجميع بالعنف. وبما أن السجون لا تسع الجميع، وجب استهداف أشخاص لزرع الرعب. وبما أن الرقابة على ما يُبث من أفكار لا تكفي، وجب أن يستمر الخوف وبالتالي اتخاذ إجراءات قانونية مباشرة في حق البعض، حتى ولو كانت تعسفية وإصدار أحكام اجتماعية في حق آخرين أو الاثنين معاً. فسُجن البعض بسبب منشورات على “فايسبوك” ووُصم البعض الآخر بالعار عبر اتهامات بالتخابر مع جهات أجنبية للسبب ذاته: التفكير بطريقة مختلفة.

فعلاً، فقد اعتقل وليد كشيدة (25 سنة)، بتهمة “المساس بالوحدة الوطنية” بسبب استعماله  “memes”كطريقة ساخرة لنقد واقعه. وسُجن الصحافي خالد درارني مدير موقع Casbah Tribune بتهمة “التحريض على التجمهر” وشن مجهولون حملة دنيئة ضده لم تستوقف القائمين على محاربة الجريمة الإلكترونية.

قال خالد درارني عقب استنطاقه بأسابيع قبل سجنه أن ما حز في نفسه كان التشكيك في وطنيته في مركز أمني غير بعيد من شارع يحمل اسم عمه “محمد شهيد الثورة التحريرية”. وكتب والده الذي كان جندياً في جيش التحرير الوطني رسالة مفتوحة موجهة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ندد فيها بما يتعرض له خالد وعائلته من تشهير وظلم. لم يغير ذلك شيئاً. فبعد ذلك بأيام، سُخّر التلفزيون العمومي لتبرير سجن الصحافيين القابعين في السجون وكان عددهم أربعة في برنامج أتاح لوكلاء الجمهورية محاكمتهم على الهواء في اعتداء صريح على قرينة البراءة ومن دون فسحة لدرء الاتهامات من طرف محاميهم. 

وتكلم رئيس الجمهورية في لقاء آخر مع ممثلين لوسائل إعلامية أخرى عن صحافي لم يذكر اسمه وفُهم ذلك على أنه يتعلق بخالد درارني. قدم بحسب قوله “عرض حال لسفارة بلد معين” عن استنطاقه من طرف جهة أمنية لم يذكرها. 

نعت الرئيس تبون خالد درارني بـ”الخبرجي” من دون أن يذكر اسمه ولم ينزعج من استنطاقه، وإنما كان يريد أن يكون ذلك بعيداً من أعين الرأي العام الوطني والدولي. كما كان تصريحه بعيداً كل البعد من محتوى ملفه القضائي وهو الذي تم توقيفه أثناء تغطيته للتظاهرات ولا تمت التهم الموجهة إليه بصلة إلى الوقائع التي أشار إليها الرئيس. وكأنه كان يشرح للرأي العام أنه عوقب بسبب إعلامه الرأي العام بالإنذار الذي قُدّم له في المركز الأمني المذكور قبل أن يكون هناك إجراء قضائي في حقه.

يتابع خالد درارني ووليد كشيدة الكثير من الناس على وسائط التواصل الاجتماعي لنجاحهم في ما يقومون به واتقانهم الوسائط التي ينشرون عليها. لكن حملة الاعتقالات لم تطل أشخاصاً معروفين على الساحة الوطنية والدولية فقط، بل مست حتى أشخاصاً مغمورين لا يؤثرون حتى في جيرانهم. ومثال ذلك أحمد سيدي موسى وياسر قاديري من مدينة تيميمون الصحراوية (1220 كلم جنوب الجزائر العاصمة). 

أحمد سيدي موسى بائع متجول للشاي والمكسرات في ساحة المدينة أما ياسر قاديري فهو بطال ويحمل إجازة في العلوم الحية. يقومان ببث مشاركتهما في الحراك كل يوم جمعة عبر “فايسبوك”، قبل تعليقه بسبب جائحة “كورونا”، وهما يمشيان برفقة شخص آخر وطفل صغير في مسيرة من أربعة أشخاص. فعلى رغم طابع المشهد الرمزي، فهم أربعة أشخاص في مدينة يعيش فيها 40000 نسمة، إلا أن يد النظام ضربت بقوة وأودعتهم السجن بتهمة “المساس بالوحدة الوطنية”. فالعقل الأمني لا يتحمل وجود مثل هذه الخلايا القابلة للتكاثر وتهديد النظام. وهذا من محض البيداغوجيا. 

تطبيق فضفاض للنصوص القانونية

لا يسع هذا المقال ذكر جميع المعتقلين المحسوبين على الحراك الشعبي، إلا أن ما يجمعهم هو أنهم سجنوا بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية المعبر عنها غالباً بمنشورات على “فايسبوك”. كما أن اللافت للانتباه بحسب تصريح المحامي عبد الغني بادي لقناة “الحدث الجزائري” هو التطبيق الفضفاض للنصوص القانونية.  

أوضح بادي أن محكمة الأبيض سيدي الشيخ أصدرت في حق رئيس مكتب الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان في الأبيض (525 كلم جنوب غرب الجزائر العاصمة) العربي الطاهر والناشط بضياف بوسيف محمد، أحكاماً بالسجن 18 شهراً، بسبب منشورات على “فايسبوك”. الأول بتهمتي “الإساءة لرئيس الجمهورية” و”عرض منشورات من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية”، والثاني بتهمتي “إهانة هيئة نظامية” و”نشر معلومات مغرضة من شأنها الإضرار بالنظام العام”. هذه التهمة الأخيرة تضمنها التعديل الأخير لقانون العقوبات. 

ما يجدر التنويه به هو مضمون المنشورين. الأول تكلم عن شرعية الرئيس تبون والثاني ندد باعتقال أحمد سيدي موسى وياسر قاديري من تيميمون معتبراً أن القضاء كان ظالماً. وهذا ما قال فيه المحامي بادي: “كيف تمكن إدانة أشخاص يطالبون باستقلالية القضاء أو برئيس شرعي في مرحلة كالمرحلة التي نعيشها من مخاض سياسي؟ المؤسف أنه في غضون العشرة أيام الماضية صدرت أحكام مماثلة عن محاكم الشلف، عين تيموشنت، الب

الأبيض، تبسة والشراقة. هذا حجر حقيقي على حرية الرأي وحرية الممارسة السياسية والتفكير”. 

أردف بادي شارحاً أن على القضاة “البحث عن تطبيق النصوص القانونية تطبيقاً صحيحاً، لأنهم عادة ما يطبقونها تطبيقاً فضفاضاً كما حصل في قضايا الراية الأمازيغية”. ورأى أن توظيف النصوص القانونية يصب في مصلحة السلطة: “لا يوجد في القانون الجزائري أي نص يعاقب على حمل راية غير الراية الوطنية ومع هذا أُدين الكثير من الجزائريين بتهمة المساس بالوحدة الوطنية لأنهم حملوا الراية الأمازيغية. وهذا توظيف للنصوص القانونية لمصلحة السلطة وليس لمصلحة الدولة”.   

في سياق آخر، حجبت السلطة الكثير من المواقع الإلكترونية مثل “مغرب إيمرغن” Maghreb Emergent و”راديو ام”  Radio M وlematindalgerie.com. حاول وزير الاتصال عمار بلحيمر تبرير ذلك تارة بحجة تلقي هذه المواقع تمويلاً من الخارج ملمحاً جزافاً إلى خدمتها أجندات أجنبية، وتارة بسبب إهانتها رئيس الجمهورية. إلا أن تخبطه جعله يقول في تصريح آخر آنه “لا رقابة على هذه الصحف لتوفر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) التي تسمح بتصفحها”. 

من الواضح أن الوزير لم يدرك البعد الساخر في تصريحه فهو إذ يؤكد النية القامعة للسلطة، يعترف بفشل منهجها في فرض الرقابة معتقداً أن ذلك يسمح له بالقول إن لا رقابة على الصحف الإلكترونية.  

باختصار، يريد النظام إزالة كل تردد وله من الهوس ما يجعله يرى في كل حدث على صغره كما هي مسيرات تيميمون الميكروسكوبية خلايا جرثومية وجب القضاء عليها، لأنها من منظوره قد تتكاثر وتؤرق أحادية الفكر لديه.وبهذا يكون اعتقال بائع الشاي أحمد سيدي موسى والبطال ياسر قاديري بيداغوجياً بامتياز. يسجل أعوانه كل شيء ويعاقبون كل شيء يمكن أن يلمحوا فيه علامة من علامات الاختلاف ويبتدعون قواعد قانونية تؤطر السلوكات التي يعتقدون بضرورة محاربتها كما كان الحال مع الجنح المحدثة بحجة محاربة الأخبار المغلوطة. 

لا يتوانى النظام عن اتخاذ إجراءات مباشرة كالسجن، بعضها قانوني وآخر تعسفي وإصدار أحكام اجتماعية لوصم المعارضين بالعار كالتخابر أو فرض الاثنين معاً كحالة خالد درارني. ولم تثنه جائحة “كورونا” عن تسخير وسائل العنف لإضعاف المعارضة، بل استغل ذلك في زيادة وتيرة القمع. يهدف هذا العنف إلى زرع الخوف لأن العنف بمنطق النظام يبقي على خوف المعارضين ويحفظ استمراريته. تغيرت أدوات العنف على مر السنين ومختلف مراحل تجديد واجهة النظام السياسية ولكنه باق كأسلوب حكم في البلد. ولا يبدو أن هذا سيتغير في المدى القريب حتى يُؤمن الجميع بأن الأمور تغيرت، على رغم أن الواقع يقول عكس ذلك.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني