تركيا … والكردي المستباح

ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.

أقدم مجموعة من الشبان الأتراك الذين لم تتجاوز أعمارهم العشرين سنة، على قتل شاب كردي في سنهم، وتمزيق بطنه بالسكاكين فقط لأنه كان يستمع لأغنية كردية. 

بارش جاكان هو الضحية الكردية الجديدة للفاشية التركية.

حاول مسؤولون أتراك وبتغطية من مؤسسات إعلامية محسوبة على الحكومة، التشويش على القضية، والقول إن “سبب الشجار أن الشاب الكردي كان يستمع للأغاني بصوت عالٍ أثناء الأذان ونشب الشجار لأن الشباب الأتراك طلبوا منه أن يخفض صوت الأغنية، احتراماً للأذان”. 

هذه الجريمة تختصر تراكمات قرن كامل من السياسات العنصرية للحكومات التركية المتعاقبة تجاه الكرد، ولن نجد عجباً في أن تأتي الحكومة التركية بشهود يثبتون سرديتها للحادثة، فالدولة التي ترسل جثامين مواطنيها لأمهاتهم في طرد بريدي، لن تجد غضاضة في تحويل الضحايا إلى مذنبين.

من أساليب الفاشية التركية في استهداف الوجود الكردي، اعتبار الموسيقى الكردية ركناً من أركان هذا الوجود، وأعدت العدة لطمس هذه الأداة التي تمسك بها الكرد لحماية وجودهم

“الإنسان المستباح”

استعان البولندي زيغموند باومن في محاولته تفسير الهولوكوست بمفهوم الإنسان المستباح للفيلسوف الإيطالي جورجيو أجامبين. يقول باومن، “الإنسان المستباح”، وهو مفهوم الهومو ساشر (Homo sacer) استحدثه القانون الروماني القديم، ويشير إلى إنسان يمكن قتله من دون عقاب، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى كائن آخر غريب يختلف عنا تماماً، غريب وبالطبع غير إنساني، كائن يمكن استباحة دمه في الشعائر والطقوس الدينية… ويرى أن حياة الكائن المستباح «عارية» أي مجردة من كل السمات الاجتماعية والحقوق السياسية ومن ثم فهي بلا حماية، هي صيد سهل لكل شخص سادي محبط أو قاتل فاشل بل إنها هدف لكل من يريد أن يتمثل إلى واجبه المدني ويتدرب عليه.

أعاد قتل الضابط الأميركي “الأبيض” المواطن الأميركي جورج فلويد “الأفرو- أميركي”، نقاش العنصرية في الولايات المتحدة الأميركية، وأصبح اليوم موضوع النقاش في العالم كله، بخاصة أنها ليست الحادثة الأولى من نوعها في الولايات المتحدة الأميركية وليست الولايات المتحدة الأميركية الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي في مدينة أنقرة، لأنه كان يستمع لأغنية كردية.

لكن، إن كانت واشنطن تستحي وإن ظاهرياً من فاشييها، فإن تركيا تحمي وتتباهى بهؤلاء على أراضيها، فهم مخلدون في كتب التاريخ التي تلقن لأطفال الأتراك على أنهم أبطال، وآباء مؤسسون للدولة التركية الحديثة، صاحبة الموقع الأهم في العالم، والقوى العسكرية الأعتى، واللغة الأصفى، والدم الأنقى.
وإن كانت للفاشية والعنصرية وجوه تشبه في نظرتها إلى الآخر الأدنى و«المستباح» كما يقول جورجيو أغامبين، وحدة حال في العالم كله، إلا أن معاناة الكرد مع هذه الفاشية تجاوزت قدرة المنطق على فهمها وشرحها.

أتراك الجبال الذين تجاوزوا أصلهم التركي، كانت هذه رواية رسمية لهم لوصف الكرد سابقاً، وبذلك منع الكرد من التحدث بلغتهم ليس في المؤسسات الرسمية وحسب كما فعل “حزب البعث العربي الاشتراكي” في سوريا، بل حتى في الشوارع والمقاهي والمنازل، الأسماء الكردية ممنوعة، وأي إشارة لوجود القومية الكردية في البلاد كانت كفيلة بأن يقدم الفاعل للمحاكمة والسجن.

ومن أساليب الفاشية التركية في استهداف الوجود الكردي، اعتبار الموسيقى الكردية ركناً من أركان هذا الوجود، وأعدت العدة لطمس هذه الأداة التي تمسك بها الكرد لحماية وجودهم، فالدولة التركية عمدت إلى تشكيل لجان وتسخير طاقات بعض المؤسسات لتتريك الأغاني الكردية، بالألحان ذاتها، وترجمة الكلمات بشكل حرفي، وحتى دفع مغنين كرد لتأديتها باللغة التركية.

إذاً، “لا وجود لشيء اسمه كرد”، هكذا تربت أجيال من الأتراك على يد مؤسسات الدولة التركية، و”أي شيء تصادفونه تشكون بأنه كردي فهو مباح لكم افعلوا به ما شئتم”. وعليه على رغم محاولة “حزب العدالة والتنمية” الحاكم بزعامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتقديم نفسه كحزب تجديدي منفتح يعترف بوجود الكرد في البلاد، وحتى مع إطلاق قناة تلفزيونية رسمية باسم الكرد، والسماح للنوادي والمراكز الثقافية الكردية بالعمل، إلا أن ذلك كله لم يستطع أن يتغلب على المساحة الفاشية المترسخة في الحزب.

فالحزب الحاكم (المنفتح على الآخر) لم يستطع مقاومة النزعة الفاشية، لا بتدميره المدن الكردية في شمال كردستان، وحسب، فالدبابات التركية وفي عهد الحزب الحاكم المنفتح سوّت مدينة نصيبين بالأرض واستهدفت سور آمد وغيرها من المدن الكردية. ولم يستحِ الحزب مما أعلنه من انفتاح حين زج بمئات البرلمانيين والنشطاء وحتى الفنانين الكرد والأتراك المتعاطفين مع الكرد في السجون، ولم يستحِ حين أغلق النوادي الثقافية الكردية، حتى أنه تغلب على الآباء المؤسسين للفاشية التركية بتجاوزه الحدود، فلم يستطع أيضاً منع النزعة الفاشية التي تتلبسه في قتل وتشريد مئات آلاف الكرد في كردستان سوريا في مدن عفرين وسري كانيه/ رأس العين وتل أبيض.

لم تكن جريمة قتل الشاب بارش جريمة فردية بل هي امتداد لثقافة تمييز واضطهاد تمتد لأكثر من قرن.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني