للعملات الورقية وظائف أيديولوجية أيضاً

عندما ننظر إلى الصور في الأوراق النقدية، فنحن لا يهمنا مدى ارتباطها بالواقع وصدق تمثيلها له، إنما ما يعنينا هو المؤسسات والجهات التي تستخدم مضمونها.

مذ كنت طفلاً، استهوتني العملات الورقية. ليس لقيمتها (مثل الآن) ولكنها كانت تذكرني برسوم الكتب والقصص المصورة، لأن الرسوم والرموز تكلمت، وتاريخ من في الصور كان كفيلاً بمنحي فكرة ولو بسيطة يسرح فيها عقلي، عن تلك البلاد البعيدة، والأزمنة الغابرة. أما الآن، فمعاينتها، والنظر الى تفاصيلها، ليسا مسألة متعة وحسب، بل أيضاً رغبة في التحري ومحاولة لفهم العوامل الثقافية والفنية التي تقف خلفها. فالعملات الورقية وثائق حضارية وقطع أثرية تخبرنا عن هوية الناس والبلاد. 

حصلت على مجموعة من العملات الورقية القديمة التي تعود لأكثر من دولة في القرن العشرين، كانت تحررت لتوها من الاستعمار، أو تحولت إلى الاشتراكية، وددتُِ نشرها، وفهم دلالاتها وعلاقة السياق الاجتماعي والسياسي فيها، لأن الرسوم الفنية المنقوشة عليها ليست وظيفية ومتعلقة بقيمة أو ماهية النقود، وحسب، بل هي وسيلة مهمة لنشر الرسائل والايديولوجيات المختلفة في أوقات السلم والحرب.

في الدول الاشتراكية، حيث الاقتصاد مغلق، كانت النقود تكتسب قيمتها الفعلية فقط في الداخل، ونظراً إلى ضعف التجارة مع الخارج، اكتسبت العملات وجهاً آخر يضيف الى أهميتها داخلياً وإلى الرسائل التي يمكن أن تدمج فيها. ويمكن النظر إليها كمحاولة لتكريس مبدأ عدم الاهتمام بالمال، فبدلاً من القضاء على الأموال تماماً، والتي ربما تسببت بفوضى اقتصادية، اتبعت الدول الشيوعية نهجاً مختلفاً: تم تخفيض قيمة العملة بشكل رمزي، لإعطاء المواطنين إشارة إلى أنه لا ينبغي عليهم تقدير الثروة النقدية، ولكن أشياء أخرى مثل التفاعل الاجتماعي والوصول إلى الفن والثقافة. 

)

الزعيم السوفيياتي جوزيف ستالين حاول يائساً قبل موته قصر قيمة المال في النظام الاشتراكي على بعدها الرمزي، فقال: “تداول السلع يعني أنه يجب أن يكون هناك مال. في البلدان الرأسمالية، تساهم المؤسسات المالية، بما في ذلك المصارف، في إفقار العمال، وتثبيط الشعب وإثراء المستغلين. تعمل النقود والمصارف في الرأسمالية كوسيلة للاستغلال. إن اقتصادنا النقدي ليس نموذجياً، ولكنه يختلف عن اقتصاد المال الرأسمالي. هنا يعمل المال والاقتصاد النقدي المحدود في تعزيز الاقتصاد الاشتراكي. بالنسبة إلينا، يعد اقتصاد المال أداة نأخذها ونستخدمها لمصلحة الاشتراكية”.   

عندما ننظر إلى الصور في الأوراق النقدية مثلثة الشكل، فنحن لا يهمنا مدى ارتباطها بالواقع وصدق تمثيلها له، إنما ما يعنينا هو المؤسسات والجهات التي تستخدم مضمونها. وبهذا تصبح أدوات صناعة العملات والفن الذي ينضوي تحتها أداة أيديولوجية تساهم في تحديد شكل أمة ومواقفها أمام الخارج والشعب. في هذا السياق ينفع تصنيف المفكر الفرنسي ميشال فوكو لخصائص التمثيل، بين خصائص للزينة او لدلالات أمنية، وأخرى للتمثيل التاريخي أو المثالي، كصور لقطع أثرية، معالم البلد الجميلة، او لأشخاص مهمّين دخلوا التاريخ. 

هذه التمثيلات تساهم في زيادة المجال الأيديولوجي والدلالي للنقود الورقية غنى، وهنا من الواضح والبدهي أن ليست الدول الاشتراكية وحدها التي تقوم بهذا، ولكن على الأرجح أن الرموز على العملات أكثر صراحةً، وارتباطاً بإيديولوجيات الدولة، وذلك لقلة قيمة النقود في الداخل في هذه الدول. اللافت هو جمال الأعمال الفنية عليها ونظرتها المستقبلية اليوتوبية الملهمة والتي تعد بتغيير الواقع والسير نحو الأفضل. تعتبر هذه المؤسسات أن الواقع الاستعماري والرأسمالي قد حقق نقيض هذه الأحلام باستغلاله الشعب والأرض، وتكريسه منظومة الاقتصاد التي أنهكت الناس، فتأتي الرسائل على العملات تذكيراً بان هناك بديلاً، وهو دافئ واكثر عدلاً ويعد بمستقبل أكثر اشراقاً. 

  • في هذه الصورة، نرى عملة صدرت في ألبانيا عام 1964، وتظهر رجلاً يضع يدا ًعلى كتف فتى، ويمد يده الأخرى باتجاه سد كهرومائي في الخلفية. 

تم تصميم هذه الورقة النقدية من الصومال لتمكين المرأة وإظهار ما يمكنها تحقيقه من خلال الشيوعية، مثل العثور على عمل وكونها جزءاً من الجيش. “قد تكون صورة المرأة التي تحمل مجرفة وبندقية وطفلاً في الوقت نفسه متفائلة جداً.

حققت شعوب كثيرة، إن لم يكن كلها، السلطة بـ”صراع بطولي”. تقدم جوانب النضال توضيحات دقيقة حول بعض الأوراق النقدية. تظهر عملة كمبودية من عام 1975 حقلاً يطلق فيه الكثير من الأشخاص البازوكا المحمولة على الكتف. كان عام 1975 هو العام الذي بدأ فيه بول بوت وخميره روج هجومهما والإبادة الجماعية على الشعب الكمبودي.

في ما يلي عملات أخرى تمكن عنونتها بالعامل المثالي والتي تتمحور مواضيعها حول العمال وأهمية الإنتاج الصناعي والزراعي والتكافل الاجتماعي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد الحسيني -كاتب عراقي
بعد سلسلة اغتيالات متطرفة حدثت عام 2020، وامتدت نيرانها لغاية أواخر 2021، تولّدت موجة هجرة كبيرة لعراقيين غارقين في اليأس، قرروا قلع جذورهم من الناصرية والديوانية والعمارة وبغداد والكوت والسماوة وكربلاء والنجف، وزُرعوا من جديد في جبال بيلاروسيا وليتوانيا وكردستان وإسطنبول وبيروت. 
Play Video
كما باقي المؤسسات الرسمية، تمر المؤسسة العسكرية اللبنانية بأزمات عدة فرضها واقع الاستقطاب والانقسام السياسي. ويخوض الجيش تحدي استخدامه من قبل السلطة أو أطراف فيها كوسيلة ضغط أمني وسياسي أو وسيلة ملاحقة لناشطين وقمع للمتظاهرين كما تكرر في السنتين الأخيرتين. ما يضاعف من من مأزق المؤسسة العسكرية ضغوط الأزمة الاقتصادية الحالية التي انعكست تدنياً هائلا في دخل العسكريين من جنود وضباط ورتباء . هذا الفيديو يعرض للضغوط الاقتصادية على المؤسسة العسكرية استنادا الى ورقة بحثية أعدها مركز “تراينغل” للأبحاث والسياسات والإعلام

3:52

Play Video
خلال الأشهر الـ19 الفائتة من وباء “كورونا”، نمت ثروات المليارديرات في جميع أنحاء العالم بمقدار 5 تريليونات دولار أميركي وهو رقم قياسي غير مسبوق، تم تسليط الضوء عليه في تقرير “أوكسفام” الجديد حول عدم المساواة العالمية.

4:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني