تجربتي مع حكومة لا تمثلني وأخرى تكرهني

"اللبنانيون يكرهوننا، نحن السوريين، أنا آسفة للغاية لأنك مضطرة لمواجهة ذلك". لم تنجح هذه الكلمات قط في مواساتي. من هم هؤلاء اللبنانيون والسوريون المبهمون الذين يحاربون بعضهم بعضاً، وأين مكاني في هذه الثنائية؟

عندما رأيت مقر المديرية العامة للأمن العام من زجاج سيارة الأجرة، أدركت أن استعداداتي الذهنية والنفسية المسبقة، لن تنقذني. أعرف هذه البوابات وهذه الأسلاك الشائكة أكثر مما أعرف منازل أصدقائي؛ فهذه الأكياس الرملية المرصوصة محفورة في ذهني بوضوح، إذ أراها في الذكريات الصادمة التي تعاودني.

يوجه الجنود الذين يرتدون الزي العسكري الموحد نظراتهم المشمئزة نحوي حالما أقع في مجال رؤيتهم، وتبدأ حواسهم المفترسة في التحفز عندما أقترب أنا- امرأة شابة سورية- من المدخل.

كنت قدَّمت أوراقي قبل هذه الزيارة بخمسة أشهر، وكذلك كنت أتحقق من إجراءات الإقامة كل أسبوع طوال الشهور القليلة الماضية. شهدت الإدارة العامة في هذه البلاد توقفاً كبيراً لعملها القليل من البداية، نتيجة لاجتياح فايروس “كورونا” البلاد، لكن الوضع لم يختلف كثيراً بالنسبة إلي، فلم أكن أتمكن من إنهاء إجراءات الإقامة بسرعة في السنوات السابقة. في كل زيارة إلى هذا المجمع، يعاودني القلق إذ أدرك أني أعرف مكان أوراق إقامتي أكثر من هؤلاء الجنود الذين يجلسون خلف الطاولة ويتعاملون مع أوراقي. ويصل قلقي وانزعاجي إلى أقصى مدى عندما يبحثون في أكوام بطاقات الهوية الموجودة أمامهم ويقلِّبون أربع بطاقات في المرة الواحدة من دون تركيز شديد ليظهروا وكأنهم يؤدون واجبهم على أتم وجه. قررت أن أكون عنيدة هذه المرة وأن أطرح مزيداً من الأسئلة عندما يخبرونني، للمرة الثامنة على التوالي، أن أعود إليهم بعد أسبوع.

ماذا يجب أن تفعل لي هذه الكلمات، في مواجهة السياسات العنصرية التي تتحكم في مصيري والتي تصادف أنها رد فعل على التدابير الاستبدادية الدكتاتورية التي سنتها حكومة بلدي، قبل أن أبلغ من العمر 10 سنوات؟

إن شعور القلق الذي يصاحب تجربة التعامل مع الأمن العام هو في الغالب نتاج للشعور الذي ينتابك هنا بأن مستقبلك غير مضمون، فكل نقطة في هذه الجدران تنطق بأن البيروقراطية تتعلق بجشع الأفراد أكثر من كونها إجراءات ورقية فعالة. وفي هذا الموقف يفرض القلق نفسه نظراً لغموض مستقبلك، إذ يمكن أن تتسبب كلمة واحدة تقولها في دفع الإجراءات قدماً أو العكس.

وفي هذه المرة، دفعت أسئلتي الجنود إلى القيام بمزيد من البحث غير الجاد قبل أن يرسلوني إلى مكتب شخص آخر مجهول. وبعد رحلة في أرجاء المبنى الشاغر، والتنقل من جندي غير مهتم إلى آخر وهم يتنافسون على تجنب النظر في عيني، تركوني من دون أي تفسير في المكان الذي قدّمت فيه أوراقي منذ خمسة أشهر. من الواضح أنني سأعيد الكَرّة من جديد، وعندما كنت أسأل لماذا، لم أجد سوى الصمت التام. وأخيراً، أجابتني المرأة التي تعيد تسجيل بصمات أصابعي وهي تضحك ساخرةً: “لا أحد يعرف لماذا تعيدين العملية من جديد. في كل حال، أنت عالقة هنا خلال الفترة الحالية، ليس عليك الاهتمام بالإقامة”.

“بالتأكيد أهتم بها. لقد أوشك العيد واقترب الصيف. أرغب في أن أغتنم أي فرصة في الذهاب إلى والديَّ. لم أرهم منذ أشهر. وماذا لو فتحوا الحدود؟”.

 “لن يفتحوها، لا تقلقي”.

لقد كان من المؤلم أن أسمعها تطلب مني أن أعود إليهم لأحصل على أوراقي بعد 20 يوماً، ولم أندهش كثيراً عندما أخبرني جندي في مكتب آخر للتحقق من الأوراق بأن أعود بعد 25 يوماً.

شعور القلق الذي يصاحب تجربة التعامل مع الأمن العام هو في الغالب نتاج للشعور الذي ينتابك هنا بأن مستقبلك غير مضمون، فكل نقطة في هذه الجدران تنطق بأن البيروقراطية تتعلق بجشع الأفراد أكثر من كونها إجراءات ورقية فعالة.

هذه السنة هي الثامنة لي في لبنان، فقد وصلت إلى هنا في صيف 2012. تركت أسرتي خلفي وأتيت للدراسة في الجامعة، وهي قصة معتادة للكثير من السوريين في هذه السنوات المهمة. لحسن الحظ، لم تكن الأمور دوماً بهذا التعقيد. لا أعرف، هل إذا كنت الآن مثلما كنت في السابعة عشرة من عمري سأكون قادرة على تحمل القيام بهذه الرحلة المعقدة والمرهقة في أرجاء البلاد للحصول على الأوراق الرسمية، وأنا مجرد طالبة في السنة الأولى من الجامعة تخرجت لتوها من المدرسة الثانوية؟ في هذا الوقت، كانوا يختمون جواز السفر في المطار وأحصل على إقامة لمدة ستة أشهر أنطلق فيها في أراضيهم قبل أن يتحتم علي الخروج من البلاد لتتجدد هذه المنحة الكريمة. لم أفكر كثيراً حينها في ذلك، ليس لأن ذلك بدا لي عادلاً، ولكن لأنني لم أكن أفهم جيداً وضعي السياسي والاجتماعي في هذه الأرض، وهو درس حرص لبنان على ترسيخه في ذهني تدريجياً منذ وصولي إلى هنا.

مذ تغيرت السياسات وفرضت السلطات اللبنانية تأشيرة دخول على السوريين الراغبين بالدخول إلى لبنان وما تبع ذلك من تشدد وشروط تعجيزية للحصول على إقامة، ظل ينتابني خوف شديد لأعوام عند بداية أربعة أشهر محددة، تلك الأشهر التي كنت أعرف أنني سأضطر إلى خوض تلك التجربة الشاقة التي وضعوها. بينما كنت أحاول الشعور بالامتنان لأنني أحصل على الإقامة بما أنني طالبة، كثيراً ما تساءلت عن الفظائع التي كان على السوريين في قطاعي الزراعة أو البناء أن يمروا فيها في ظل نظام الكفالة. كانت عملية جمع الأوراق الكثيرة التي تثبت شرعيتي وبراءتي في كل أنحاء لبنان عملية مضنية، لا سيما عندما يتعين عليك دفع الرسوم بشق الأنفس في كل خطوة من العملية. غير أن من أكثر الوثائق البغيضة لدي، ولسخرية الأمر، يجب دفع 50 ألف ليرة لبنانية عند استخراجها والتوقيع عليها لدى كاتب العدل، هي “تعهد بعدم العمل”. يا له من تعهد! لا سمح الله، أن أتمكن من الحصول على وظيفة لدفع تكاليف الإيجار الباهظة، ولتعويض ملايين الدولارات التي ساهمت بها أنا وأمثالي في الاقتصاد اللبناني، لأن ذلك سيكون خطيئة، وسيضع عائقاً في آلية الإذلال التي تم إعدادها بشكل مثالي عمداً لإهانتنا. وعلى رغم ذلك، فإن التجول في البلاد بحثاً عن هذه الوثائق لا يُضاهي التجربة الفريدة من نوعها التي قد تتعرض لها داخل أسوار الأمن العام.

حاول كثر من أصدقائي اللبنانيين مواساتي على مر السنين، بعدما تحملوا صرخاتي الغاضبة حول كيفية معاملتي في الأمن العام؛ بقولهم “الجميع يشعر بذلك عندما يزور الأمن العام، اللبنانيون أيضاً ينتابهم الخوف عند الذهاب إلى هناك”. من الصعب توضيح ذلك، فلكي تفهم تجربتي عليك أن تمزج مع الألم المعتاد الذي تسببه البيروقراطية المملة، القليل من التجريد من الإنسانية المنظمة والإهانة، التي لا تنفك تضاف إلى كل خطوة من إجراءات الحصول على الإقامة أو تجديدها. وغالباً ما بدا الأمر وكأنهم قد تم تشجعيهم، قبل وصولنا، على ارتكاب الأخطاء واستغراق وقت أطول في ملاحظة مواطن الخلل في إجراءاتنا.

لقد تعلمت أن أتوقع الإهانة والتقليل من قدري على غير إرادتي أثناء استجوابي على البوابات والصراخ في وجهي. إنه ليدمي القلب، رؤية أبناء جلدتي الرجال وهم يُدفعون في انصياع وخضوع مثل قطيع من المواشي، لم يعد تسري في روحهم قدرة على التحدي. فهم يدركون أن حياتهم تعتمد بشكل ملزم وكلي على الحالة المزاجية لهؤلاء الجنود، الذين أثبتوا أنهم لا يحتاجون إلى الكثير من الدوافع لتدمير مصادر رزق السوريين بلمح البصر. الجنود يعرفون هذا أيضاً… وهم ينعمون فيه. كثيراً ما كنت أنظر إلى أعينهم وهم يرسلونني بكل إهمال من مكتب إلى آخر، بينما أحاول التشبث ببضع كلمات على الورق تمثل المساحة الفاصلة بيني وبين السجن. من هم هؤلاء الجنود؟ هل الافتقار إلى التعاطف الإنساني شرط أساسي للحصول على هذه الوظيفة؟  هل زودت ميادين الرماية الخاصة بهم تحديداً بأهداف تُمثل اللاجئين السوريين، لكي يطلقوا عليها النار كجزء من التدريبات؟ 

تحاول أمي طمأنتي بدرس تاريخ سريع، بينما أشكو إليها عادةً على الهاتف وأنا في طريقي إلى المنزل. تقول: “إنه انتقام لما فعله الجيش السوري في الماضي. والآن هم يثأرون منا بسبب الطريقة التي عاملناهم بها من قبل حين سيطرنا على شوارعهم. اللبنانيون يكرهوننا، نحن السوريين، أنا آسفة للغاية لأنك مضطرة لمواجهة ذلك”. لم تنجح هذه الكلمات قط في مواساتي. من هم هؤلاء اللبنانيون والسوريون المبهمون الذين يحاربون بعضهم بعضاً، وأين مكاني في هذه الثنائية؟

ماذا يجب أن تفعل لي هذه الكلمات، في مواجهة السياسات العنصرية التي تتحكم في مصيري والتي تصادف أنها رد فعل على التدابير الاستبدادية الدكتاتورية التي سنتها حكومة بلدي، قبل أن أبلغ من العمر 10 سنوات؟ كيف يمكنني التوفيق بين هذا الظلم وهذه الصدمة في الوقت الذي لا تمثلني فيه أي من الحكومتين، بل حين يكون لكل منهما القول الفصل في حركة جسدي على هذه الأرض؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني