fbpx

ومن يستطيع أن يتنفس في العالم العربي؟

إذا كانت عبارة "لا أستطيع التنفس" هي العبارة التي تقودها التحركات الغاضبة اليوم في الشوارع الأميركية ضد العنصرية، فلا أحد في الشارع العربي يجرؤ على إطلاق مثل هذه الصرخة.

جميل هذا الاهتمام العربي بالتظاهرات ضد العنصرية في أميركا والتداعيات التي أدت إليها. ولا أشك أبداً في أهمية المتابعة العربية لقضية مهمة مثل قضية العنصرية من زاوية رفضها، لا من زاوية تأييدها. وهو أمر مهم جداً للعقل العربي الذي ما زال يتجنب أي نقاش لمظاهر العنصرية في المجتمع العربي.

غير أن التاريخ القريب يقول إن العالم العربي لا يهتم بالأحداث المفصلية في الغرب من أجل أن يفهمها ويستخلص العبره منها، بل يتابعها ليعيد تأكيد أفكاره وتحيزاته المسبقة.

لكن، بالنسبة إلينا نحن العرب بالذات، هل يعكس هذا الاهتمام رفضاً حقيقياً للعنصرية؟

ألسنا عنصريين ضد ذوي البشرة الداكنة، تلك العنصرية التي تعرض بسببها جاري ذو البشرة الداكنة للسخرية والتنمر والإيذاء طوال حياته؟

بعض الإدانات العربية للعنصرية الأميركية، يأتي من أفراد وجماعات يدافعون عن النموذج الصيني والنموذج الإيراني، وهما أشد نموذجين اضطهاداً للأقليات

تلك العنصرية التي تجعل فتاة ذات بشرة سمراء تمضي ساعات في تبييض بشرتها بالمساحيق حتى تتخلص من نظرات السخرية وحتى لا يتجنبها الخُطّاب!

ألسنا عنصريين ضد المهن البسيطة كالجزارة والحلاقة والنظافة والحمالة وأعمال الخدمة في المطاعم؟ ألن نرفض تزويج أبنائنا وبناتنا منهم لأننا نحتقرهم؟

ألسنا نحتقر أتباع الديانات الأخرى ونرفض السلام عليهم أو مصاهرتهم أو تعيينهم في الوظائف الكبرى للدولة؟ 

ألسنا عنصريين ضد النساء فنحتقرهن ونصادر شخصياتهن ونعطيهن نصف عقل ونصف دين ونصف حقوق وربع احترام؟ أليس اعتبار النساء جنساً أدنى من الرجال عنصرية؟

ألا ينطبق على الإدانات العربية للعنصرية الأميركية قول المسيح “عجيب أمر من يرى القشة في عين أخيه ولا يرى الخشبة في عينه”؟!

لا أحد ينكر بقايا العنصرية في أميركا. لكن لا أحد ينكر قدرة المجتمع الأميركي على مواجهتها لأنها مدانة ومحرمة في القوانين والتشريعات والسياسات والثقافة والأنظمة. أما نحن فما أعجزنا عن مواجهتها لأن العنصرية ما زالت مقدسة في نصوصنا وأعرافنا وتقاليدنا وقوانيننا ومناهجنا وثقافتنا وخطابنا الإعلامي.

هناك فرق بين مجتمع تشكل العنصرية فيه تياراً فرعياً وبقايا ممارسات بائدة لن تتسامح معها الأغلبية، وبين مجتمع تشكل العنصرية فيه ثقافة الأغلبية.

نعم هناك عنصرية في الغرب يتسارع انتشارها مع صعود اليمين المتطرف وجماعات التفوق. عنصرية تستقوي بالبطالة والخوف من الإرهاب لتغذي خطاب كراهية مدمراً ضد الأقليات والمهاجرين. وكم كنت أتمنى أن يستخلص المتابع العربي النتائج المدمرة للعنصرية على المجتمعات، وأن ينطلق من هذه الحادثة العنصرية لكي يعود إلى ذاته وإلى مجتمعه ليحارب العنصريات العربية الظاهرة والخفية، لكن ما حدث عكس ذلك تماماً.

تعددت زوايا التفسير العربية لما يحدث في أميركا.

البعض ينظر إليه من الزاوية التقليدية ذاتها، التي ترفض كل ما يأتي من الغرب إيجابياً كان أو سلبياً، وهم يستغلون حادثة القتل والتظاهرات كعادتهم ليؤكدوا اللازمة ذاتها: “ألم نقل لكم أن الديموقراطية وحقوق الإنسان التي يتغنى بها الغرب مجرد وهم”! ويسعون من هذه النقطة إلى تأكيد أن “كل ما يأتي من الغرب لا يسر القلب”، وأن العرب ليس أمامهم غير التمسك بتراثهم في السلطة والمجتمع والسياسة، ويصب هذا كله في خانة واحدة، التقليد والاستبداد.

ولأن العنصرية لا تزال ضمن دائرة “اللامفكر فيه” في العالم العربي، فإننا سنرى في التظاهرات المضادة للعنصرية في أميركا، كل العنصريات إلا عنصريتنا…

وحاول البعض رؤية بشائر “ربيع أميركي” سيسقط حكم دونالد ترامب وربما يسقط الرأسمالية العالمية كلها في شطحات ثورجية ليست غريبة عن منطقة حديثة العهد بأحداث الربيع العربي وشعاراتة المحلقة في الهواء من دون أساس. وأراد البعض الانطلاق من التظاهرات وأحداث الشغب لإعادة الثقة بالربيع العربي المنهار، متخيلاً موجات ثورية جديدة  تنطلق من أميركا، وتعبر المحيط لتصل إلى الوطن العربي، لتعيد تاريخ ربيعه على شكل ملهاة هذه المرة.

ورأى آخرون في المشهد الأميركي ذريعة لعودة خيار “العنف الثوري” كخيار وحيد لنيل الحقوق من دون تفريق بين الثورة ونهب المحلات!

كنت أتمنى أن يركز الاهتمام العربي بالتظاهرات المضادة للعنصرية في أميركا على جوهر هذه التظاهرات وهو رفض العنصريات وفضحها، بخاصة أن المنطقة العربية من أكبر تجمعات العنصريات المختلفة والمتعددة على مستوى العالم. تظاهرات تنطلق مثلاً من الخليج ضد عنصرية نظام الكفيل وإذلال العمالة الوافدة. وتظاهرات تنطلق من مصر ضد العنصرية تجاه المسيحيين، أو من لبنان ضد العنصرية تجاه السوريين والعاملات المنزليات، أو من اليمن ضد العنصرية تجاه المهاجرين الأفارقة و”الأخدام”.

إذا كانت عبارة “لا أستطيع التنفس” هي العبارة التي تقودها التحركات الغاضبة اليوم في الشوارع الأميركية ضد العنصرية، فلا أحد في الشارع العربي يجرؤ على إطلاق مثل هذه الصرخة. فمن يستطيع التنفس فعلاً في العالم العربي؟ ومتى سنمتلك القدرة على التنفس ونحن نتابع المعركة العالمية ضد العنصرية كمنطلق لتأكيد عنصرياتنا لا كإلهام لكشف عنصرياتنا ورفضها!

عندما أصدر ترامب قبل سنوات قراره بمنع المسلمين من جنسيات عدة من دخول الولايات المتحدة، كان العرب المسلمون عموماً يدينون ذلك من منطلق أنه لا يجوز التمييز بين الناس على هذا أساس. لكن المضحك المبكي أن المسلمين ما زالوا يصرون على الهوية الإسلامية لدولهم وعلى مرجعية الشريعة الإسلامية في قوانينهم، وعلى أن تكون رابطة الدين أساس العلاقات بين الناس داخل الدولة، وأن يحرم أبناء الديانات الأخرى من تولي مناصب حساسة أو ممارسة شعائرهم الدينية علناً. 

كنت أتمنى أن تؤدي التظاهرات ضد العنصرية تجاه السود في أميركا إلى تظاهرات مماثله ضد العنصرية بحق ذوي البشرة السوداء في المجتمعات العربية. وأن تؤدي التظاهرات ضد سياسات ترامب التمييزية تجاه المسلمين إلى مظاهرات مماثلة في الوطن العربي ضد عنصرياتنا الموجهة نحو الأقليات الدينيه، وأن تعيد تفكيرنا تجاه الهوية الدينية للدولة وهي هوية تمييزية بلا جدال.

ومن نافلة القول إن بعض الإدانات العربية للعنصرية الأميركية، يأتي من أفراد وجماعات يدافعون عن النموذج الصيني والنموذج الإيراني، وهما أشد نموذجين اضطهاداً للأقليات. كما جاء الرد الصيني على المطالبة الأميركية لها باحترام حقوق الإنسان بعبارة واحدة “لا أستطيع التنفس”! وعلى رغم أن الصينيين كلهم لا يستطيعون التنفس أو الحديث، فإن هذا لا يهم السلطة هناك، فالتظاهرات المشتعلة في أميركا بالنسبة إليهم، مجرد تأكيد جديد لخيار الدولة الشمولية التي تقمع أبسط أشكال الحريات. 

يقال إن المجتمعات لا تطرح على نفسها إلا القضايا التي تستطيع التفكير فيها وحلها. ولأن العنصرية لا تزال ضمن دائرة “اللامفكر فيه” في العالم العربي، فإننا سنرى في التظاهرات المضادة للعنصرية في أميركا، كل العنصريات إلا عنصريتنا…

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
الحماسة اللبنانية تبدو جاهزة دوماً للمشاركة في حروب الآخرين، لأسباب كثيرة، لكن من الواضح أن العامل المذهبي عامل حاسم على هذا الصعيد، وهو ضمنياً عدم اعتراف بالكيان اللبناني، وأكثر من ذلك، اعتباره كياناً ظرفياً ووظيفياً.

15:27

6:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني