من غورو إلى سليماني… لبنان بين جنرالين ويوزباشي

شكّل حديث المفتي الجعفري الممتاز عن نهاية صلاحية الميثاق الوطني عنواناً رئيساً لاستقراء معالم المرحلة المقبلة من الرسائل الحامية بين مكونات السلطة في لبنان.

في مكان ما، كلام المفتي صحيح، لكنه يأتي متأخراً خمسة عقود. ويراد عبره إعلام باسيل ومن خلفه رئيس الجمهورية بأنهما يحكمان بنظام منتهي الصلاحية والمشروعية، ويخسر اليوم بانهيار القطاع المصرفي آخر مقوماته المادية. لكن ماذا لو التقطنا التصريح الذي شكّل عيدية المؤسسة الشيعية الدينية للجمهورية المترنحة وحاولنا فهمه في سياق تاريخي يعود لعام 1920، تاريخ إعلان الجنرال غورو دولة لبنان الكبير مروراً بلبنان ذي الوجه العربي الحالم بالناصرية وصولاً إلى لبنان الانتصارات المتوالية الذي لعب الجنرال الإيراني الراحل قاسم سليماني دوراً في صوغ ملامحه. 

100 عام من الحمايات الطائفية:

الوطن- الجبل اللبناني (1920- 1969)

حين أعلن الجنرال غورو، عام 1920، دولة لبنان الكبير كان عملياً يعلن سقوط الدولة العربية الكبرى والانقلاب على الأمير فيصل. في الجوهر شكلت الدولة الحديثة توسعاً جغرافياً لمتصرفية جبل لبنان واستكمالاً لنظام الحماية الخارجية الذي قامت عليه وتضخماً للنفوذ الغربي المباشر في الشرق الأوسط. كانت المؤسسات “المارونية” الدينية والسياسية تعد العدة لتوطيد وطنها “القومي”. فلبنان الكبير اختُزل سياسياً بالوطن- الجبل اللبناني (نسبة إلى مركزية جبل لبنان) ليتماشى مع المشروع السياسي للمكونات المهيمنة على الاجتماع والاقتصاد آنذاك. لكن الاستقلال عام 1943 حمل تعديلاً أساسياً في معادلة تشارك القوة والنفوذ تمثلت بالميثاق الوطني – والذي يمكن اعتباره الأزمة المؤشرة للمارونية السياسية والذي ارتكز في مكان ما على التوزيع الديموغرافي بحسب إحصاء 1932. سريعاً ظهرت مكامن الضعف في معادلة الـ5/6 (6 مسيحيين لكل 5 مسلمين في بنية الدولة اللبنانية).

ما نشهده اليوم هو فعلاً انتهاء صلاحية نظام الحمايات الطائفية التي صادرت الحيّز العام طوال قرن من الزمن وأرست علاقات قوّة هيمنت على حياة اللبنانيين، ولم تنتج إلا سلسلة من الحمايات الخارجية والزعامات الداخلية المسلحة والاغتيال السياسي واقتصاد سياسي للنهب

فالسيادة الوطنية المتشكلة على نفيين– لا للاندماج في المحيط العربي مقابل لا للارتباط الغربي – كان عليه أن يواجه تحدي تنمية الأطراف وحماية استقلاله جنوباً بعد احتلال فلسطين، وشرقاً مع دولة سورية لم تستسغ تحوله إلى كيان مكتمل السيادة. هكذا توسّعت مركزية جبل لبنان في لحظة تقهقر المشروع العربي وصعود النفوذ الغربي. بُنيت دولة مركزية اعتاشت على حساب الأطراف وكان نموها الاقتصادي المركزي مرادفاً للنمو الاقتصادي والاجتماعي في المناطق (تمكن مراجعة مخرجات بعثة ارفد حول هذا الموضوع). وبنت ما يمكن توصيفه باقتصاد الحد الأدنى والذي لا يسمح بتشكل قوة اقتصادية تنافس الأوليغارشية المهيمنة على الاحتكارات التجارية والقطاع المصرفي. لكن التحولات الإقليمية – صعود المشروع القومي العربي مع عبد الناصر – بالتزامن مع تنامي اللاعدالة الاجتماعية ساهما في تعميق التحديات الداخلية والنقمة المتنامية على شكل الحكم الإقصائي الذي أرسته القوى المهيمنة على جمهورية الاستقلال. عام 1958، واجه الميثاق الوطني أزمته المؤشرة والتي عبرت عن الرفض المباشر للقوى المعارضة– المدعومة من عبد الناصر– للمعادلة القائمة والتي يمكن اعتبارها المؤشر لما يمكن تسميته السنية السياسية وإن اتخذ طابعاً عروبياً أو حتى يسارياً. تدخل الأميركيون مباشرة. ونزل المارينز في بيروت لحماية “الشرعية” ولم يخرجوا إلا بعد إجراء تسوية انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. كانت هذه الأزمة تؤشر لما يمكن اعتباره بداية النهاية للبنان المحمية الغربية في الشرق الأوسط.

 

وطن عربيٌ ولكن (1943 -2005)

لم يتمكن فؤاد شهاب من إنقاذ الصيغة القديمة على رغم إصلاحاته والتي سعت إلى إحداث تغيير نوعي في شكل الحكم في لبنان نحو مزيد من العدالة الاجتماعية والضمانات للفئات الأكثر تهميشاًـ مع محاولات خجولة للتنمية خارج المركز. لكن التحديات الداخلية كانت أكثر تعقيداً و”السنية السياسية” المدعومة يساراً وجدت في الوجود الفلسطيني الديموغرافي بداية والعسكري لاحقاً عامل قوّة لا يمكن إلا أن يُستخدم في الدفع نحو الانقلاب الكلّي على دولة جبل لبنان، والذهاب لما هو أبعد من ميثاق 1943 وهذا ما تم التعبير عنه نهائياً في اتفاق القاهرة (1969)، الذي شكل الإعلان الرسمي لانتهاء فكرة الوطن، الجبل اللبناني القوي بضعفه. واستكمل ما بدأته عملية 1958 المحدودة. في هذا الوقت، برزت الحركة الوطنية بمكوناتها اليسارية والعروبية والتي شكلت الذراع الداخلية المباشرة التي نظّرت لحتمية تغيير معادلة تشارك القوة والنفوذ المهيمنة ولو عبر الحرب الأهلية تمهيداً لنموذج حكم أكثر عدالة. فالحركة الوطنية، وإن كان مشروعها المعلن ذات أهواء يسارية ويتزعمها كمال جنبلاط ومحركاتها عند محسن إبراهيم، هي في جوهرها المشروع الذي حمل السنية السياسية. لكن رحيل عبد الناصر المفاجئ ومع التحوّل الذي أحدثه السادات بالتزامن مع وصول اليمين البعثي متمثلاً بحافظ الأسد للحكم في سوريا، كان على السنية السياسية الناشئة أن تواجه معضلة خسارة الراعي الخارجي وتخبط رهانها على منظمة التحرير في إحداث تغيير داخلي في معضلة السيطرة على العشرات من التنظيمات والفصائل المسلحة والمتقاتلة في ما بينها. هذا إضافة إلى اصطدامها بمقاومة شرسة من قبل الجبهة اللبنانية والتي استبدلت حماية الغرب الأجنبية برعاية نظام الأسد وخاضت الحرب دفاعاً عن وجودها. هكذا كان اندلاع الحرب يشير عملياً إلى الأزمة المؤشرة للسنية السياسية التي فشلت في حكم البلاد على رغم مخزون القوة الذي راكمته منذ الاستقلال. امتدت هذه الأزمة حتى اجتياح بيروت عام 1982 وخروج “منظمة التحرير” لتجد الحركة الوطنية نفسها أمام بلد مزقته سنوات من الاقتتال الداخلي ويتناهشه أمراء الحرب وواقع إقليمي، تحولت فيه مصر نحو السلام وبرزت إيران، القوة الإقليمية الصاعدة. أصبح من الواضح أن السنية السياسية تحتضر وهي أعجز من أن تقود المرحلة حتى في ظل حكم أمين الجميل المنهك والمفرّغ من عناصر قوته بما فيها الاحتلال. فكانت انتفاضة 6 شباط (1984)، الهبة المؤشرة للشيعية السياسية، التي وإن شكل الانقلاب على أمين الجميل عنوانها إلا أنها في جوهرها انقلاب على السنية السياسية ومؤشر لأزمتها النهائية وموتها السريري.

وطن الانتصارات أنا هنا (1967 – 2020)

في مطلع الثمانينات ترك تغييب الإمام الصدر فراغاً كبيراً في المشهد السياسي اللبناني عموماً والجبل العاملي خصوصاً، فالصد يعتبر باني الكيانية الشيعية السياسية منذ عام 1967 ويحسب له انخراطه الكلّي في تحدي المارونية السياسية، وإن بعناوين جامعة ووطنية، وإعلانه “حركة المحرومين” عام 1974، والتي تعتبر التشكيل السياسي الشيعي الأبرز على الساحة اللبنانية ونافست قوى اليسار في عمقها الطبقي في صفوف العمال والفلاحين في جبل عامل والبقاع وغيرها من أحزمة البؤس التي تلف العاصمة. أضف إلى ذلك الانكفاء المصري والانشغال السوري في الصراعات الداخلية (مجزرة حماه وصراع الاخوة الأعداء)، تحولت الثورة الإيرانية المترنحة في حربها مع العراق، العمق الشيعي العربي الأول، نحو الضفة الجنوبية المتوسط حيث العمق الشيعي العربي الثاني في جبل عامل الذي يعطيها فرصة بناء رأس جسر لمشروعيتها في العالمين العربي والإسلامي. 

الإمام الصدر

هكذا كان “حزب الله”، ومنذ اللحظة الأولى، يعبّر عن حاجتين: أولى داخلية لسد فراغ غياب المؤسس للمشروع السياسي الشيعي فكانت الخمينية السياسية كمسار ثوري للإسلام السياسي خير بديل، وثانية خارجية إيرانية تبحث عن مدخل على فلسطين، القضية المركزية، والقدس التي تشكل الجائزة الكبرى لمشروعيتها الدينية والجهادية كقطب الإسلام السياسي العالمي. فحصل التصادم الشيعي كعنوان لصراع النفوذ السوري (الأميركي ضمناً) الإيراني والذي خمد مع تسوية الطائف. لكن النار تحت الرماد لم تمنع الاشتباك حول مسار مدريد والذي يمكن اعتبار مجزرة جسر المطار عام 1994 بحق متظاهرين عزّل ترجمة مباشرة له.

في التسعينات، شكل وصول رفيق الحريري مرحلة تنفس اصطناعي للسنية السياسية المحتضرة منذ الثمانينات والثكلى بيروتياً وشمالاً. أمّن الحريري وتسوية عام 1992 القائلة بالاقتصاد لنا والسياسة لكم – مع الإبقاء على دور مسيحي نوعي في القطاع المصرفي والاحتكارات التجارية، مظلة إقليمية ودولية وغطاء سنياً داخلياً (من ضمن علاقات القوّة في فترة ما بعد الحرب) لمشروع توطيد البنية التحتية للشيعية السياسية. فعام 1996 وتحديداً خلال عدوان عناقيد الغضب يمكن القول إن الحريري الأب تحول لما يشبه وزير خارجية المقاومة مع توصله لتفاهم نيسان. هكذا ففي حين كان الحريري يعيد نسج الاقتصاد الريعي في لبنان، كان شركاؤه في التسوية يتوزعون الأدوار في ما بينهم في ظل التقاطع السوري الإيراني الآخذ بالتوطيد. ففي حين توسعت “حركة أمل” في بنية الدولة التشغيلية وأذرعها التنفيذية القضائية والأمنية والتربوية والديبلوماسية والتشريعية توسّع “حزب الله” في توطيد بنيته التنظيمية والعسكرية والأمنية وأرفدها ببنية تحتية اقتصادية اجتماعية حتى أصبح يشكل ما سمي اصطلاحاً بدويلة ضمن الدولة.

مع تحرير الجنوب عام 2000، أصبحنا أمام واقع مادي يفرض على “حزب الله” أن “يقرّش” القوة العظيمة التي اكتسبها من تحرير الجنوب في الداخل عبر تعديل معادلة تشارك القوة والنفوذ. في الوقت عينه ومع رحيل الأسد الأب وجد رفيق الحريري فرصة مؤاتيه للتحرر من القيود التي فرضتها تسوية الـ92 ومستفيداً من بعده الإقليمي- سعودياً وثقله الدولي- فرنسا وأميركا- ليستعيد ولفترة قليلة تجربة بشير الجميل الذي رفض القبول بالواقع المادي في السبعينات وظن أن بإمكانه تغييره. هكذا أخطأ رفيق الحريري بتقدير عمق القوة الإيرانية التي ساهم هو شخصياً في توطيد جذورها في لبنان والتي كانت في حينه شريكاً مضارباً للأميركيين في العراق. فأتى اغتيال الحريري الأب – الأزمة النهائية للسنية السياسية – والفترة التي تلته ليعبر عن مشكلة كبرى في تشارك القوة والنفوذ وصولاً إلى اتفاق الدوحة الذي وإن أرسى معادلة الـ11/19 (الثلث المعطل الذي يمنح حزب الله وحلفاءه حق الفيتو على أي ما يمكن أن يخالف مصالحه الاستراتيجية)، إلا أنه شكل عنواناً للأزمة المؤشرة للشيعية السياسية التي عجزت عن إحداث أي تغيير نوعي في طبيعة علاقات القوة المهيمنة، بخاصة بعدما خرجت منتصرة من التحرير أولاً ومن حرب تموز ثانياً. في المحصلة، أعطى اتفاق الشيعية السياسية الكلمة الفصل في “ميكانيزم” الرئاسة الثانية وهو ما يعني عملياً تعطيل مفاعيل التعديلات الدستورية للطائف. هذا ما ظهر جلياً حين “أدّب” حزب الله سعد الحريري بإقالته من الحكومة، أستعمل مصطلح الإقالة للدلالة على طبيعة الوضع بعد الـ2008، مباشرة قبل لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما ليؤكد أنه الحاكم الأول للبنان. 

الصدر يعتبر باني الكيانية الشيعية السياسية منذ عام 1967 ويحسب له انخراطه الكلّي في تحدي المارونية السياسية.

لكن الحزب القائد، المفعم بالقوة ونشوة الانتصارات ظهر عاجزا عن توقيف أمور أساسية يصنفها كعناوين للعدوان والتآمر عليه كالمحكمة الدولية والجهاز الأمني المحسوبة من ضمن مساحة القوة التي يحتكرها سعد الحريري ومن خلفه السنية السياسية.  هكذا كان عليه تذوق الكأس المرة مرة أخرى، فحصته ضمن الصيغة اللبنانية التوافقية أقل بكثير من حجمه ولا يمكن توسيعها إلا بالقوة العسكرية وهذه كأس قد تكون مسمومة بالغرق في وحل الحرب الأهلية- تجربة الحركة الوطنية نموذجاً- وإن لوح بها عبر المناورات التي شهدتها بيروت في أواخر 2011 والتي وصلت إحدى رسائلها إلى قصر كليمنصو.  

المفارقة أنه في غمرة اللحظات المتسارعة لبنانياً- فلنتذكر الضغط الكبير الذي سبب صدور القرار الظني في قضية اغتيال الحريري الأب والذي صوّر بأنه سيكون الشرارة التي قد تعيد إطلاق دوامة العنف من جديد، حدث ما لم يكن في حسبان أي من اللاعبين المحليين ورعاتهم الإقليميين. حرق البو عزيزي نفسه، “وامتد حبل الدردشة والتعليقات” كما يقول أحمد فؤاد نجم. شكّل الربيع العربي من تونس إلى مصر وليبيا والبحرين واليمن طوق أمان حمى لبنان من الانزلاق نحو احتراب أهلي مباشر وشكل عائقاً أساسياً أمام مشاريع “حزب الله”، المتزعم وإن بالشراكة الشيعية السياسية التوسعية في الداخل اللبناني.  

سريعاً تموضع الحزب في محوره الإقليمي بما تقتضيه مصالحه الاستراتيجية. هادن في مصر، ناصر في البحرين، ترقب في ليبيا، ساند في اليمن وقاد الهجوم المضاد في سوريا. هنا كان الحزب – وهذه سابقة على المشهد السياسي اللبناني منذ 1920 – وللمرة الأولى من عمره السياسي والعسكري والأمني ينتقل من الدفاع إلى الهجوم في بلد أجنبي وإن أعطى للتدخل في سوريا أبعاداً دفاعية من حماية المقامات أو منع الدواعش من تهديد عمقه اللبناني وهذا نقاش يمكنه خوضه لاحقاً.  

في المشرحة السورية انتهى الحزب منتصرا بجانب بشار الأسد وبوتين وتحت قيادة الجنرال الراحل قاسم سليماني. وعاد مرة جديدة “منتصراً”، لكنه أيضاً محملاً بنعوش المئات من فلذات الأكباد “شهداء الدفاع المقدس”. وللمرة ثانية اصطدم بالصيغة اللبنانية الضيقة. فالبطل المغوار الذي خاص حرباً ضروساً على امتداد سوريا والعراق واليمن والذي حكم وسيطر على مساحات شاسعة وصلت أحياناً إلى ما هو أكبر من مساحة لبنان، بقي غير متمكن من فرض رئيس جمهوريته! وهذا ما حتم عليه القبول بتسوية ثلاثية الأضلع للإتيان بميشال عون رئيساً مشروطاً بضمان رئاسة الوزراء لسعد الحريري وإن مبكل اليدين ومكتوم الفم. 

في هذا الوقت، كانت قواعد الاشتباك بين إيران وأميركا، بعد فوز دونالد ترامب، تتجه نحو مزيد من التشنج وقد وصلت العقوبات الاقتصادية والمالية أشدها وبدأت توجع النظام الإيراني. ازداد الحصار المالي وتعمّق وكان هناك ما ينذر بشكل من أشكال العزلة الدولية التي تلوح في الآفاق. إلا أن نزول الناس إلى الشارع في 17 تشرين الأول/ أكتوبر قلب الموازين. ففيما كان الحزب يتساءل حول هوية قادة هذه الثورة وطبيعة تشكيلاتهم، كان الناس ينظمون صفوفهم في مجموعات ميدانية خارج ثنائية 14 و8 آذار/ مارس، وتقدم خطاباً أساسياً يحمّل جميع قوى السلطة مسؤولية انهيار الاقتصاد والإفلاس في البلاد. هكذا وفي لحظة 17 تشرين الأول 2019 وما تلاها من تسارع الأحداث وتزامنها مع هبة تشرين العراقية كان الحزب ومن خلفه سليماني القائد الإيراني الأول في الشرق الأوسط، يشاهدان وللمرة الأولى تحدياً شعبياً ليس موجهاً مباشرة ضدهما، وهنا تكمن نقطة قوته الأساس كونه بطبيعة تشكله غير التآمرية يسحب ذرائع الخطاب الدفاعي الذي يتقنه الحزب، في العمقين الشيعيين الأكبر في الشرق الاوسط. وارتفع منسوب الاشتباك مع الثورة ليصبح وتحديداً بعد عملية اغتيال سليماني جزءاً من الاشتباك الدولي حتى وصل الأمر بأن يعتبر السيد نصر الله أن إسرائيل راهنت على ثورة 17 تشرين لإضعاف الحزب.

بالعودة إلى ما قاله المفتي قبلان، ما نشهده اليوم هو فعلاً انتهاء صلاحية نظام الحمايات الطائفية التي صادرت الحيّز العام طوال قرن من الزمن وأرست علاقات قوّة هيمنت على حياة اللبنانيين، ولم تنتج إلا سلسلة من الحمايات الخارجية والزعامات الداخلية المسلحة والاغتيال السياسي واقتصاد سياسي للنهب، أفلس البلاد وسرق مقدرات اللبنانيين بعد أن هجرهم في شتات العالم ولا يسمح بعودتهم إلا كتحويلات نقدية تستثمر في إعادة انتاج علاقات القوة التي تتحكم بحيواتهم. 

أي مستقبل لأي لبنان؟ سؤال لا جواب له سوى ما ستنتجه ثورة الناس التي تخاض باللحم الحي دفاعاً عن دولة لم تُبنَ ومواطنية تتشكل في الميادين. هل النجاح مضمون؟ بالتأكيد لا ولكن الأكيد أن الحمايات الطائفية هي الحرب الأهلية وثورة الناس هي الشرعية الشعبية. صراع يستمر وسيخاض يوماً بيوم وتظاهرة بتظاهرة حتى الوصول إلى عقد اجتماعي جديد يكسر منطق الحمايات ويبني جمهورية تأخر بناؤها قرناً من الزمن. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني