fbpx

لبنان: الفساد قانوني وشعبي وقيمي

التمييز بين النظام وبين الفساد يكاد يكون مستحيلاً، فالسنوات المديدة التي جُعل خلالها النظام الحر اللبناني موظفاً لدى نخب الفساد وأهله وطوائفه ومذاهبه، أفضت إلى عملية تماه كلي بين طرفي المعادلة، أي الفساد والنظام، لا بل إلى علاقة أبوة ربطت الأول بالثاني.

لطالما ناقشت زميلتنا في “درج” عليا إبراهيم بمسألة ضرورة التمييز بين الفساد وبين النظام الاقتصادي الحر خلال تناولنا ملفات الفساد في تحقيقاتنا الصحافية والاستقصائية، ولطالما استوقفتني هذه الدعوة في سياق محاولاتي إقامة هذا التمييز ليس في المواد الصحافية فحسب، انما أيضاً في سعيي لإيجاد لغة تحريرية تقيمه. لكن النتيجة التي خلصت إليها هي أن الفساد هو جوهر النظام الاقتصادي والمالي والسياسي في لبنان، وأصله وفصله. النظام موظف في مهمة كبرى اسمها الفساد. فهذا الأخير يسبق أي اعتبارٍ في منظومة الحكم وفي سيرورة القوانين وفي مسارات التشريع.

ليس الفساد عارضاً طارئاً من خارج قيم النظام الاقتصادي الحر اللبناني، فهو، أي الفساد، نجح في توظيف كل قيم النظام في مهامه. السرية المصرفية مثلاً، وبوصفها أحد العلامات المميزة للنظام الحر، لم تؤد وظيفتها الحمائية إلا في سياق حماية مهربي الأموال. وهذا جرى بعيداً عن مخالفة القوانين، انما أيضاً في سياق عمليات فساد كبرى. وحرية التبادل التي كفلها النظام أيضاً لم تتولى فقط تحرير الأسواق من الضوابط، انما أيضاً تحريرها من القيم المكرسة في أكثر الأنظمة الاقتصادية حرية لحماية الفرد والجماعة.

التمييز بين النظام وبين الفساد يكاد يكون مستحيلاً، فالسنوات المديدة التي جُعل خلالها النظام الحر اللبناني موظفاً لدى نخب الفساد وأهله وطوائفه ومذاهبه، أفضت إلى عملية تماه كلي بين طرفي المعادلة، أي الفساد والنظام، لا بل إلى علاقة أبوة ربطت الأول بالثاني. المشرِع اللبناني صادر عن ثقافة عديمة الحساسية حيال الفساد، وها هو اليوم بصدد التشريع لقانون عفو لا يقيم وزناً للعدالة.

الفساد في لبنان هو أصل كل شيء. هو القيمة التي ينطوي عليها أي انفعال وأي موقع وأي سياسة. الفساد هو النظام بنفسه، وهو السياسة وهو الصلاة والمقاومة والإعمار وإعادة الإعمار. قبل أيام صوت وزراء حزب الله في الحكومة ضد إرادة التيار العوني لجهة بناء معمل كهرباء في سلعاتا (فساد)، وفي اليوم الثاني بدأ نواب التيار في ابداء تحفظاتهم على الاستراتيجية الدفاعية (سلاح المقاومة). هنا يحل محل النظام في معادلة “فساد – نظام” ما يمكن أن نسميه “قيم”. الفساد هنا مبثوث في منظومة ما يقول التيار العوني أنها قيمه، أي “المقاومة”، وهو يسبق هذه القيم ويحدد لها وجهتها. أن نبني معمل سلعاتا، فهذا ثمن تقاضيناه لقاء وقوفنا إلى جانب سلاح “المقاومة”، وهذه الأخيرة بدورها تعرف تماماً أنها أمنت عبر تغطيتها الفساد شرعية سلاحها!

الفساد في لبنان هو أصل كل شيء. هو القيمة التي ينطوي عليها أي انفعال وأي موقع وأي سياسة.

الفساد أيضاً هو طاقة الطوائف والمذاهب وذخيرتها. بكركي لن تسمح بالتطاول على حاكم المصرف المركزي رياض سلامة الماروني، والشيعة لن يقفوا مكتوفي الأيدي حيال استهداف المدعي العام المالي علي إبراهيم، وتتوافق الطوائف الرئيسة الثلاث على مخالفة القانون في مقابل عفو عام يطال “متطرفون سنة” و”تجار مخدرات شيعة” و”عملاء لإسرائيل مسيحيون”، والأبرياء من بين هؤلاء يستفيدون من قوة المذاهب في حماية المرتكبين من رعاياها! وهذا صنف ثالث من الفساد تجري قوننته في مجلس النواب ليصير جزءاً من نظام الملل اللبناني الممتد إلى المال والسياسة. ثم أن الفساد في لبنان أفقياً، ودائرة المستفيدين منه واسعة، وقد تفوق في انتشارها دوائر غير الفاسدين من العجز ومن أيتام طوائفهم ومللهم. الكثرة تفرض الفساد على غير الفاسدين. الزعيم غير الفاسد لن يجد من يقدره ومن ينتخبه ومن يهابه.

قد يقول المرء أن الطائفية تسبق الفساد في توصيفنا للنظام اللبناني، أو الارتهان لدول الجوار مثل النظام في سوريا أو إيران أو الخليج، لكن الفساد يعود ليطل برأسه من خلف هذه العوامل، فهو بمعنى ما نجح في توظيف الارتهان بمهامه، بحيث صار السياسي الفاسد أهم من مشغله الإقليمي. طبقة الفاسدين من السياسيين اللبنانيين الذين أنجبهم ورعاهم النظام السوري صاروا اليوم أهم منه، لا بل أنه لجأ إلى بعضهم لنجدته.

الجريمة السياسية أيضاً لم تنجُ من فساد يسبقها ويعقبها. اغتيال رفيق الحريري سبقه إفلاس بنك المدينة وأعقبه إفلاس عائلة الحريري نفسها، وبين الإفلاسين جريمة، لكن بينهما قصص فساد هائلة.

والحال أن مهمة التمييز بين النظام العام وبين الفساد هنا تغدو مستحيلة، ويحار خلالها المرء في أصل الأشياء وفي فصلها، فيستعاض عن القيم التي تقف خلف القوانين بأخلاق الفاسدين. مهمة القانون الذي يشرعه مجلس النواب هي المكر وحماية مرتكب وتغطية فاسد. والقانون في هذه الحال هو النظام، فكيف نقيم التمييز؟      

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
الحماسة اللبنانية تبدو جاهزة دوماً للمشاركة في حروب الآخرين، لأسباب كثيرة، لكن من الواضح أن العامل المذهبي عامل حاسم على هذا الصعيد، وهو ضمنياً عدم اعتراف بالكيان اللبناني، وأكثر من ذلك، اعتباره كياناً ظرفياً ووظيفياً.

15:27

6:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني