سوق عمليات التجميل في زمن الوباء والانهيار: البوتوكس قبل الغذاء؟!

لا يبدو أن أطباء التجميل خائفون على مستقبل "تجارتهم"، فرهانهم يبقى على الطبقة القادرة على تأمين الدولارات للصرف على المظهر الخارجي، وهناك زبائن بحسب احد الأطباء يمكنهم "البقاء بلا طعام من أجل تأمين حقن البوتوكس لمحاربة التجاعيد"...

“يا قلبي روق” تغني السيدة في الفيديو من داخل منزلها. الفيديو مصوّر بكاميرا هاتف خليوي، ويصعب التأكد من هوية السيدة. الصوت مألوف، لكن الصورة محيّرة. هل هي الفنانة المصرية نبيلة عبيد؟ شفتاها تشبهان شفتيّ نوال الزغبي. خدّاها أقرب إلى خديّ مايا دياب. ينتهي الفيديو بطلب السيدة إلى جمهورها التشبث بالأمل، لأن “الامل عطول موجود” وسوف “تفرج”، ثم تختم معرّفة عن نفسها قائلة: “كارول صقر”.

لو لم تقل اسمها في نهاية الفيديو لما كان من السهل التعرف إليها. تغيّرت ملامح كارول صقر كثيراً حتى لم تعد تشبه نفسها. اختارت اللجوء إلى الجمال “النادر والصعب” أو ما يعادله لكي تحاول “تجميل” نفسها. لكنها انتهت إلى تشويه ملامحها فلم تعد معروفة. والتجميل يلجأ إليه معظم من يعملون في الحقل الفني لتدارك التقدم في العمر والإبقاء على “الهوى والشباب” الذي يؤمّن برأي كثير من الفنانين والفنانات استمرارية الشهرة. وهذا الجمال الاصطناعي يتطلب مالاً كثيراً، وله سوق كبيرة تمتد من الفنانين والفنانات إلى عامة الناس الذين، في فترات سابقة، لجأ كثيرون وكثيرات منهم إلى قروض من المصارف لإجراء عمليات تجميل. 

لن يتأثر القطاع إلا بشكل مرحلي ريثما تزول آثار فايروس “كورونا”، ثم تعود العيادات للعمل في الحقن والشفط والشدّ والتصغير والتكبير!

الأزمة الاقتصادية وضعت سوق التجميل على المحكّ. انهيار سعر صرف الليرة في مقابل الدولار جعل أسعار عمليات التجميل وكل ما يتعلق بها من أكسسوارات من “فيلر” و”بوتوكس” وحقن وشد، مرتفعة جداً. قبل الأزمة كانت إبرة “الفيلر” أو “البوتوكس” متوفرة بأسعار “مقبولة” في متناول الطبقات الوسطى. أي موظف أو موظفة قد يحصل على حقنة بوتوكس تدوم من أربعة إلى ستة أشهر بما يقارب 300 دولار، قد تزيد التكلفة أو تنخفض وفقاً لنوعية المادة المحقونة. كان المبلغ معقولاً لمن يتقاضى راتباً يزيد على ألف دولار. يضحّي المرء أو تضحي المرأة بمبلغ كهذا في سبيل الجمال الذي يؤمن رضا نفسياً لمن لا يستطيعون التصالح مع العمر والتجاعيد. أما في حال اختيار اللجوء إلى العمليات التجميلية الأكثر تعقيداً فالتكلفة المالية أعلى طبعاً، وكانت تؤمَّن عبر القروض التي سوّقت لها المصارف في الفترة التي سبقت انهيارها، أي الفترة التي كانت تحاول فيها المصارف “تجميل” الواقع فيما كان جميع الخبراء يتوقعون الانهيار.

تواصلنا مع مجموعة من أطباء التجميل في محاولة لاستصراحهم حول تأثير الأزمة الاقتصادية في قطاعهم. لكن من تواصلنا معهم قالوا إنهم يحتاجون إلى إذن من نقابة الأطباء لإعطاء تصريحات بأسمائهم للإعلام. لكن بعضهم أعطانا فكرة عن الوضع الحالي الذي اختلف في ظل الأزمة الاقتصادية وفايروس “كورونا”. تراجعت السوق طبعاً بسبب تردد كثيرات وكثيرين في الذهاب إلى الكماليات في هذه الفترة والخوف من انتقال فايروس “كورونا”.

لكن الأزمة الاقتصادية قد تكون أعمق بما أن سعر صرف الدولار الذي ارتفع بشكل جنوني قضم نسبة كبيرة من رواتب الموظفين. أحد الاطباء فضل عدم ذكر اسمه لكنه قال إنه يراهن على المرأة اللبنانية التي “تعشق الجمال والتجميل”، ولن تألو جهداً ولا مالاً في سبيل مظهرها. طبعاً في كلامه تعميم، لكن في ترجمة لكلامه: الطبيب يراهن على ثقافة الاهتمام بالمظهر لدى كثير من النساء اللبنانيات اللواتي شكّلن حتى فترة سابقة مصدر ثروة بالنسبة إلى الكثير من أطباء التجميل. يقول هذا الطبيب إن لديه زبونات من طبقات معدومة، كنّ يلجأن إلى المصارف للاقتراض لإجراء عمليات تجميل. وبرأيه لا يمكن إلقاء اللوم عليهنّ، بل على المجتمع الذي يحاكم المرأة والرجل على الشكل. ويقدّمه على المضمون. المظهر والشكل أساسيان في لبنان. ولهذا فإن سوق الكماليات من التجميل والموضة والسيارات والهواتف الذكية كانت مزدهرة بشكل كبير قبل الأزمة. 

إعلامية لبنانية اعتادات حقن وجهها بالفيلر قالت لـ”درج” إنها تنتظر انتهاء أزمة “كورونا” لتأخذ موعداً من طبيبها، لكنها تمنّي النفس أن يراعيها بالسعر وأن يحتسب لها صرف الدولار بسعر وسطي. كثيرات مثلها تجد أنهن يضعن تعليقات على حسابات أطباء التجميل على مواقع التواصل الاجتماعي يسألن فيها: “بقديش عم تحسبوا الدولار؟”.

بعد الاتصال بعدد من العيادات التجميلية، تبيّن أنه ليس هناك من سعر موحد لصرف الدولار لدى اطباء التجميل. يترواح بين عيادة وأخرى بين 2000 ليرة ويصل إلى 4000 ليرة للدولار الواحد، وتعتمد عيادات تسعيرة السوق السوداء التي تتجاوز الـ4000 في أحيان كثيرة. وهذا يعود إلى أن المواد الطبية المخصصة للتجميل غير مدعومة من المصرف المركزي كما هي حال بقية الأدوية والمعدات الطبية، فمن أصل واردات طبية تجميلية تصل إلى 18 مليون دولار، يدعم المصرف المركزي القطاع بمليون دولار فقط، بحسب نقيب الصيادلة غسان الأمين الذي يكشف لـ”درج” أن “البوتوكس غير مدعوم أبداً ويتم استيراده وفقاً لسعر السوق السوداء”. 

بناء على كل ما تقدّم، يبدي أطباء تخوفهم من أن ارتفاع سعر الدولار سيؤثر في العمليات التي تتطلب دخول مستشفى وتخدير، من تصغير الأنف وشفط الدهون ومن ثم تعبئتها بالمؤخرة وتكبير الثدي ورسم الحنك وغيرها من العمليات التي لاقت رواجاً كبيراً في العام الماضي. وبرأيهم إن سوق هذه العمليات ستتراجع في لبنان لمصلحة سوريا، حيث التكاليف أدنى، فعملية تجميل الأنف التي تكلّف في لبنان بين 2000 و3000 دولار، لا تتجاوز كلفتها في سوريا 500 دولار أميركي. 

الخطير هنا هو تحوّل الطب التجميلي إلى تجارة، عبر خضوعه للعرض والطلب والمضاربة، فتختار المريضة (أو المريض) “الحكيم الأرخص”، وهذا ينعكس بالطبع على نوعية الخدمات الطبية المقدّمة، وربما تتم التضحية بنوعية المواد المستعملة على حساب السعر، ما قد يرتّب مخاطر على المريض أو المريضة، وبعض هذه المواد يسبب تشوهات كبيرة تماماً كالمواد التي حقنت بها الممثلة السورية مها المصري وتسببت بتشوه وجهها. وقد يلجأ أطباء إلى إجراء عمليات تجميلية في العيادات حيث تغيب غرف إنعاش القلب وتزداد مخاطر الوفاة، كما حدث سابقاً في إحدى العيادات اللبنانية في قضية شغلت الرأي العام. 

مع ذلك لا يبدو أن أطباء التجميل خائفون على مستقبل “تجارتهم”، فرهانهم يبقى على الطبقة القادرة على تأمين الدولارات للصرف على المظهر الخارجي، وهناك سيدات بحسب احد الأطباء يمكنهن “البقاء بلا طعام من أجل تأمين حقن البوتوكس لمحاربة التجاعيد”، كما أن معظم الاطباء اللبنانيين المشهورين لديهم عيادات في دول الخليج، لذا لن يتأثر القطاع إلا بشكل مرحلي ريثما تزول آثار فايروس “كورونا”، ثم تعود العيادات للعمل في الحقن والشفط والشدّ والتصغير والتكبير!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
غالية العلواني – صحافية سورية
في ظل الثلاجات الفارغة، والبيوت المظلمة، وحالات الانتحار الكثيرة بسبب الفقر المدقع يعتقد رئيس الوزراء أن من حقه الحصول على راتبه الجامعي، “فريش ماني” مع خمس سنوات مُقدماً.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني