الاضطرابات النفسية… الوجع السوريّ المسكوت عنه

يدرك السوريُّ أن السقوط هو عنوان المرحلة، والعبء النفسيّ يبدو مجرد مناجاة بائسة من جسد التهمته الحرب والجوع والخوف وعدم الاستماع لهذه المناجاة هو خيانة لهذا الجسد.

“ليس العيب في أن نصبح مجانين، العيب هو بما فعله البلد فينا”، أتذكر جيداً كيف التفتت السيدة المسنة الجالسة قربي منذ سنتين، وقالت هذه العبارة بعدما رأت من شباك “السرفيس” عجوزاً يضحك وسط حديقةٍ بصوت عالٍ، ويبدو غريب الأطوار وغير متّزن. ذكرتني بهذا الموقف تحديداً رواية “الهجران” لسومر شحادة، حيث يعود عبدالله إلى عائلته بعد إصابته في إحدى المعارك، لكنه يعود شخصاً آخر، لا يأكل ولا يتكلم، الشاب الذي خذله الحب، خذله الوطن أيضاً. يعيش عبدالله صامتاً بين أفراد عائلته وكأنه غير موجود، لكنه يطلق فجأةً ومن دون أيّ إشارة ضحكات تصيب عائلته بالفزع والخوف معاً، في النهاية يأخذ عبدالله غطاء سطل السمنة من المنزل وينتحر بحزّ يديه أمام أحد الجوامع!

يُفتح باب الاضطرابات النفسية أمام السوريين، كما فُتحت أبواب الفقر والموت والشقاء والفقدان، وإن لم يعترف كثيرون به صراحةً لكننا نراه في الوجوه قلقاً وحزناً وفقدانَ أملٍ وكوابيسَ، وفي وقت الأزمات لن يكون لهذا الباب الأولوية، فحين يتعلق الأمر بالفقر والتهجير والجوع يغدو الجانب النفسيّ مهملاً، في حين يسمع الجميع همساً من خلف ذلك يردد: “العيب هو بما فعله البلد فينا”.

الوجع لا يُحكى دوماً حتى وإن كان على شكل أزمة نفسية، لسنا في بلد يخشى على مشاعر أطفاله. أطفالنا يحملون السلاح ويشاهدون القتل بأمّ أعينهم، لسنا في بلاد تحاسب الآباء على ضرب أطفالهم. تتكفل المعتقلات والعصابات والقَتلة بتعذيبهم كلّ يوم من دون أن ترفَّ لهم عين

نزهة مع العدو

في لقاء منذ سنوات مع سيدة اختطفها مسلحون لمدة شهرٍ كامل، بقيتْ تردد طيلة السهرة: “عاملونا منيح”. على رغم المفاجأة التي بدت علينا، إلّا أنّها استمرت بسرد الصفات الحميدة والطريقة الطيبة التي عاملوهم بها والطعام الجيد الذي قُدِم لهم، متجاهلةً حقيقة أن المسلحون اختطفوها مع عدد من أهل قريتها، على الأقل لم تجعلنا نصدق أن الاختطاف كان أمراً سيئاً للغاية. وبعودة صغيرة إلى الوقائع التي حصلت في نفس الفترة سنعلم أن كلام هذه المرأة غير دقيق. اعتبرت السيدة أعلاه عدم قتلها على الأقل فعلاً إنسانيّاً من قبل المعتدي وعطفاً منه وهذا الأمر يفسّر مواقف كثيرة يتخذها السوريون، فهل يعرف السوريون عدوهم حقاً؟ أم أنهم يعتقدون أن كلّ من لديه القدرة على قتلهم ولا يفعل هو صديقهم، المشكلة أن جميع الأطراف قادرون على قتلهم، فمن يصدقون؟

في الحرب تغدو الأسماء غير مهمة، لأن الأحداث متشابهة وتتكرر بوتيرة مقلقة، وحين يغدو الجنون هو عنوان المرحلة يُفضّلُ أهل الضحايا الصمت أو إخفاء اسماء ابنائهم. لكن ماذا لو كان ابنكَ يروي ألمه في الساحات العامة! وبذلك يرمي حكايته للناس، تاركاً لهم مساحة لتخيّل حجم الجحيم الذي عاشه وفي التخيّل رعبٌ أكبر من الحقيقة. 

تبدو قصّة الشاب الذي يحمل المال كما لو أنّه يحمل بندقية ويصوّب نحو السماء أشبه بحكايات الأفلام، لكنها حقيقية وتحدث في أماكن بسيطة، أماكن يظن أصحابها أنّهم لن يعيشوا أحداثاً كبيرة، يحكى أن ذلك الشاب كان بصحة جيدة حين ذهب إلى القتال وحين عاد إلى قريته الواقعة في مدينة حمص، كان بدأ يفقد عقله. لا يعلم أحد ما الذي حصل معه في تلك الشهور، إذ علق هو ورفاقه في حصار قاس، فقدوا على أثره أكثر من نصف وزنهم ولا يعلم أحد ماذا أكلوا أو شربوا حينها وكيف صمدوا كلّ ذلك الوقت، هكذا يبقى سؤال النجاة في سوريا مربكاً فهل من نجا من الموت هو ناجٍ حقاً؟ 

وسط حرب قاسية ضد عدو لا يُرى، يواجه السوريون مصائرهم برفقة أقلّ من 75 طبيباً بعدما غادر الجميع البلاد، فبظل أعداد تحتاج أكثر من 2000 طبيب نفسي ليتخلص المرضى من معاناتهم! وهكذا وبثلاث مستشفيات نفسية غير كافية أصلاً للحالات الشديدة والتي تشكل خطراً على نفسها والمحيط، يواجه القطاع الصحيّ المتهالك كارثة أخرى صامتة ومرعبة

تفرض السنوات العشر الماضية إعادة تعريف لكلّ أشكال الحياة ابتداء من عبارة صباح الخير وليس انتهاء عند ساعة النوم، أو ساعة التصفية! لكن هذه التصفيات كانت تأخذ شكلاً مرعباً عند بعض الجهات حين كان يساق السجناء في كلّ يوم مرتين أو ثلاث بعد إعلامهم بأنهم سوف يعدمون اليوم، لكن لم يحصل ذلك خلال شهر كامل، فكان كلّ  يوم هو نهايةٌ لا تتحقق. 

البعض صمد متمسكاً بالأمل وإن كاد يختفي، والبعض تمسك بذكرى عائلته لكن ماذا عن أولئك الأضعف من حماية توازنهم النفسيّ؟ خرج العشرات أحياء في النهاية، أغلبهم يعاني اضطراب ما بعد الصدمة، حيث الكوابيس لا تزال تلاحقهم، يقول أحد الناجين: “الأمر لا يتعلق بما حدث لي في كلّ يوم، إنما بذلك الشعور المرعب للسلاح في رأسي، ما زلت أشعر ببرودته، يراني الجيران وعائلتي بطلاً لكنني في الحقيقة ميتُ منذ وضعوا السلاح في رأسي، العلاج النفسي ساعدني لكن الطبيب يقول إنني بحاجة إلى بعض الوقت لأتخلص من القلق والكوابيس والاكتئاب”. وعن سبب عدم معرفة أحد عن علاجه النفسي سوى زوجته يقول: “أتتخيلين أن يفهم الناس من حولي ما أمرّ به! سأكون مجنوناً في النهاية وأنا لست كذلك”.

وفي الحقيقة، قليلون مِمَن تعرضوا لأحد أنواع العنف المباشر إمّا في المعتقلات أو بسبب المجموعات المسلحة، أدركوا أن عليهم العلاج، ليبقى سؤال وصمة العار من العلاج يدق مخاوف المقربين فيغدو ما عاشوه أقل قسوة من زيارة الطبيب النفسيّ.

 هكذا على الإنسان السوريّ أن يواجه أكثر من الموت والتهجير والفقدان، فهذه كلها مواضيع يظنّ للحظة أنّه بات يدركها وأن العلاج يبدأ حين انتهاء الحرب. لكننا إن كنّا نتكلم عن كارثة تبدو أشبه بالمتاهة التي لن تنتهي، يدرك السوريُّ أن السقوط هو عنوان المرحلة، والعبء النفسيّ يبدو مجرد مناجاة بائسة من جسد التهمته الحرب والجوع والخوف وعدم الاستماع لهذه المناجاة هو خيانة لهذا الجسد.

اللواتي لا يذهبن إلى الحرب

طوال عامين كان الكابوس يتكرر بشكلٍ شبه يومي، تقول م.ه: “أرى نفسي أحمل حقيبة وأذهب إلى الحرب مجبرة، متساءلة لماذا أنا الفتاة الوحيدة التي تذهب لقتالٍ لا تريده؟”. كانت تصحو خائفة ومتوترة، والشيء المخيف في الكابوس هو أنها مجبرة على القتال، ثم تسأل: “لكن إن كنت أنا التي لم تدخل الحرب أشعر بكل هذا الذعر، ماذا عن النساء اللواتي شاركن فعلياً في الحرب؟ كيف يشعرن حيال أنفسهن؟”.

أما السيدة ن.ح. فكانت وبسبب تهديد مسلحين لأطراف قريتها، ترى بشكل متكرر عناصر يحاولون اغتصابها، تحاول الهرب لكن قدميها لا تتحركان، تقول مازحة: “من الجيد أن عائلتي كانت توقظني قبل أن يتم اغتصابي”. 

كانت القنبلة وسط المنزل، تقول أ.م: “كان الحلم سيئاً وحقيقياً بصورة لا تصدق، وكان طفلي الرضيع يزحف نحوها، وحين أمسكتها لأرميها انفجرت، شاهدت أشلائي وأشلاء رضيعي، لا يمكن أن تكون الحقيقة مرعبة مثل ذلك الحلم”.

يدرك السوريّ أن الأطفال أيضاً لاحظوا مرور الحرب وأنّها امتصت منهم معرفة الحياة بحقّ وتركتهم يفكرون كيف لمنزلٍ بهذه القوة أن يسقط؟ وإن سقط منزلُ الطفل الأول بأيّ منزل سيثق بعد؟

الأطفال الذين يتألمون

في هذه المناجاة يدرك السوريّ أن الأطفال أيضاً لاحظوا مرور الحرب وأنّها امتصت منهم معرفة الحياة بحقّ وتركتهم يفكرون كيف لمنزلٍ بهذه القوة أن يسقط؟ وإن سقط منزلُ الطفل الأول بأيّ منزل سيثق بعد؟ أتذكر جيداً الطفلين الهاربين من الغوطة بعدما فقدا كلّ شيء، وراحا ينامان قرب جسر الثورة في دمشق، رفضا الانضمام لأطفال الشوارع المقيمين في حديقة فندق “الفور سيزون”، لأنهم غير مهذبين بحسب قولهما. 

فقد الطفلان والدهما بطريقة ما في هذه الحرب، كما فقدا كلّ صلة لهما بالأقارب الذين بعثرتهم الحرب، هكذا وجدا نفسيهما أمام أبواب إحدى المنظمات الإنسانيّة حيث كنتُ أعمل، وفي السيارة التي نقلتنا إلى أحد المراكز المختصة برعاية أطفال الحرب، كان الكبير يمسك يد الصغير وكلما التفتُ نحوه ابتسم. كانت عيناه خائفتان وسعيدتان وشجاعتان وتريدان البكاء، لكن أخاه الصغير هو من دفعه ليكون أكثر قوّة وليأخذ دور الراعي له. لا تصعب قراءة ذلك في طفل يبلغ من العمر عشر سنوات، آخر مرة رأيتهما فيها حين أوصلناهما إلى مركز الرعاية المختصّ. أتذكر جيداً كيف كانا يمشيان قربي حتى التصقا بي. ثم شكرني الأخ الأكبر، وعيناه تقولان لي أنا الغريبة عنه، أنا خائف حقاً لا تتركيني. في تلك اللحظة شعرتُ بالخوف أيضاً وبحزن عميق، حزن لم تمحه السنوات، وكسوريّة يبدو أن الحزن معدٍ، لأنني لليوم أودّ أن أفعل شيئاً أكثر لهما لكن لا قدرة لي ولا صلاحية كذلك، لم أملك سوى أن أقول لهما ستكونان بخير هنا.

ظهرت خلال السنوات السابقة مراكز إيواء أطفال الحرب، الذين يختلفون عن الأطفال الأيتام قبل الحرب، فأطفال الحرب يحتاجون إلى رعاية نفسيّة خاصة حيث يُخشى أن ينقلوا سلوكيات العنف إلى غيرهم، العنف أكثر ما يميز الأطفال الذين عاشوا أهوال الحرب. ولا شك في أن الجمعيات الأهلية والمنظمات الدولية والأهلية قدمت جهوداً جبارة في مجال الدعم النفسي الاجتماعي، سواء بالذهاب إلى هؤلاء الأطفال حيث نزحوا مع عائلاتهم أو حتى باستقبالهم في مراكزها في جلسات رعاية منتظمة، لكن الأعداد مخيفة والأهل ما زالوا يجهلون كيف يتعاملون مع “الوحوش” التي استطونت في مخيلة أطفالهم. في كلّ حال ربما الأمر أكثر يسراً بالنسبة إلى الأطفال، ولسبب ما يجد الأهل من السهولة بمكان اصطحاب أطفالهم إلى المعالجين والأطباء النفسيين، وكأنّ حقيقة الاضطراب النفسي بالنسبة إلى طفل حقيقية أكثر من تلك التي تخصّ الكبار! وهكذا يعلن الأطفال عن اضطراباتهم عبر السلس البولي قبل كلّ شيء وبوجوههم الخجولة يحاولون ستر ألم الحرب والفقدان والخوف. تردد إحدى الأمهات بحزن: “لكن أليس كبيراً بما يكفي ليتبوّل على نفسه!”.

اضطرابات نفسيّة من كلّ صوب

يقول أحد الأطباء النفسيين مفضّلاً عدم ذكر اسمه، إذ يعمل إلى جانب مناوبته في عيادته الخاصة في إحدى المنظمات الإنسانية في سوريا، “نواجه الكثير من الحالات النفسية، وأسبابها متنوعة، فقدان المقربين، خسارة المنزل، التعرض لتشوّه جسدي كالحروق أو بتر أحد الأطراف، ناهيك بالعنف المباشر والقلق من الحالة الاقتصادية المتردية. أمّا الأطفال فهذه قصّة طويلة ومعقدة” يتابع: “كلّ هذا يؤدي إلى اضطرابات نفسيّة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة والشديدة والتي قد تودي إلى محاولات الانتحار كالشاب الذي فقد قدميه وحاول الانتحار، اليوم هو يخضع للعلاج في عيادتي، لكن الأمر ليس سهلاً بالطبع إنما أيضاً ليس مستحيلاً، يحتاج الكثير من الصبر والالتزام من جهة المريض والتفهم من العائلة والمحيط والذي قد لا نجده كثيراً”.

في السنوات السابقة حدثت قصص كثيرة لا تبدو واقعية لشدّة المأساة فيها، ينهي بقوله: “تخيلي أفظع سيناريوات أفلام الرعب، هذا ما يحدث في سوريا منذ 9 أعوام”.

وسط حرب قاسية ضد عدو لا يُرى، يواجه السوريون مصائرهم برفقة أقلّ من 75 طبيباً بعدما غادر الجميع البلاد، فبظل أعداد تحتاج أكثر من 2000 طبيب نفسي ليتخلص المرضى من معاناتهم! وهكذا وبثلاث مستشفيات نفسية غير كافية أصلاً للحالات الشديدة والتي تشكل خطراً على نفسها والمحيط، يواجه القطاع الصحيّ المتهالك كارثة أخرى صامتة ومرعبة، في مواجهة غير مرئية لاضطرابات يأتي في مقدمها الاكتئاب والذهان والقلق والمشكلات النفسية المتعلقة بالأطفال. 

طريق الخلاص غير موجودٍ

يبقى الفقدان هو سؤال السوريين الأول، فقد عرفوا منه الخسارة والأزمات النفسية، لكن أينتظرون الخلاص غير الموجود؟ فماذا يعني الخلاص عندما يكون الجحيم من كلّ الجهات؟ أيتحدثون بخجل عن الاكتئاب وأطفالهم الجياع! أم يروون أشياء تخيلوها بينما ما زالت منازلهم مهدمة! الوجع لا يُحكى دوماً حتى وإن كان على شكل أزمة نفسية، لسنا في بلد يخشى على مشاعر أطفاله. أطفالنا يحملون السلاح ويشاهدون القتل بأمّ أعينهم، لسنا في بلاد تحاسب الآباء على ضرب أطفالهم. تتكفل المعتقلات والعصابات والقَتلة بتعذيبهم كلّ يوم من دون أن ترفَّ لهم عين، ويُفرغ الآباء كذلك غضب الحرب والخوف فيهم، لكن كلّ سوري حين يضع رأسه على الوسادة ليلاً يشعر بهذا الحزن، الحزن الذي يبكي مثله ويجوع ويخاف ويخسر، وفي كل ليلة يعود بعض السوريين إلى أسرّتهم والبعض يفترشون أرض المخيمات وآخرون ينامون محاولين تعلم لغة بلادٍ جديدة، والبعض لا ينام في الأقبية المعتمة، لكن ما يجمعهم جميعاً ذلك الحزن الذي ينمو كلّ يوم من دون توقف. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني