“ابن العميل” : وصمة أبدية تطارد ذوي المتهمين بالتخابر مع اسرائيل في غزة

"أبناء العميل" صفة تلازم الأبناء منذ ابلاغهم بأن والدهم متخابر مع إسرائيل، فالأذى يطال العائلة بأسرها...

لم يكن محمد (اسم مستعار) يتوقع يوماً أن يلقي تحية الصباح على صاحب دكان الحي الحي فيتجاهله، أو أن يمنع الجيران بناتهم من اللعب مع شقيقته الصغيرة. أصبح محمد مرذولاً في مجتمع كان محبوباً فيه. زملاؤه في الجامعة وأقرب أصدقائه ابتعدوا منه، وحياته انقلبت وبات الاختلاط مع المحيط والمجتمع مربكاً. 

لم يقترف محمد ذنباً لكنه ابن شخص اتهم وأدين من قبل حكومة حماس في غزة بالتعامل مع اسرائيل وتم اعدامه بهذه التهمة. 

وبعد إعدام والده بدأت معاناة محمد (27 سنة) إذ بات كثر من أبناء منطقته ينادونه “ابن العميل”، ما دفعه إلى التفكير بالهجرة.

إخفاء التفاصيل

يقول  محمد، “في منتصف عام 2011 اختفى والدي من المنزل، ولم نعلم أين هو. بعد أيام تم إبلاغنا أنه مسجون لدى جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة حماس بتهمة التخابر مع الاحتلال الإسرائيلي. حاولنا معرفة تفاصيل القصة، إنما لم يُسمح لنا بزيارته على الإطلاق”.

ويضيف: “لم يُسمح للمحامي الذي توكل بالدفاع عن والدي بالاطلاع على ملف القضية، ومعرفة التهمة الموجهة إليه. وفي اليوم الخامس من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، وصلنا نبأ إعدامه رمياً بالرصاص، وأُبلغنا بأن مراسم دفنه تقتصر على عدد من أفراد العائلة، من دون أن يسمح لنا بأن نقيم بيت عزاء”.  

لم يتسن لمحمد وعائلته رؤية والده وسؤاله عن حقيقة ما حصل معه وكيف تورط إن كان فعلاً “عميلاً” أم لا. الاعتقال  والمحاكمة والاعلان عن الإعدام حصل بشكل سريع وصادم.

بعد تلك القصة، تغيرت حياة الشاب وإخوته، فالصداقات الكثيرة التي كانت تجمعهم بأبناء منطقتهم، تلاشت وانقلبت أيامهم رأساً على عقب، وأصبحوا منبوذين. سنوات مرّت على إعدام الوالد لكن الوصمة والعزل الاجتماعي لم ينطو.

خلال سنوات حكم حركة حماس في القطاع ، تم تنفيذ عشرات الإعدامات الميدانية، التي أجريت خارج الإطار القانوني

دفع الثمن 

يسأل محمد، “نُحاسب على ذنب لم نقترفه؟ والدي “المذنب” وليس نحن والآن جميع أفراد عائلتي يعانون من هذا الأمر، حتى أن إخوتي عندما يريدون اللعب مع أبناء الجيران، يبتعد الأطفال منهم لأنهم أبناء “عميل””. يصف محمد ما يحصل معه ومع عائلته بأنه “لا يختلف عما يفعله الاحتلال الإسرائيلي عبر معاقبة أهالي منفذي العمليات الفردية في الضفة الغربية وهدم بيوتهم، وسجنهم في بعض الأحيان”.

“أبناء العميل” صفة تلازم الأبناء منذ ابلاغهم بأن والدهم متخابر مع إسرائيل، فالأذى طال العائلة بأسرها، إذ يرفض كثيرون إقامة علاقات عمل أو نسب معهم أو حتى  مجاورتهم، فيضطرون في بعض الأحيان إلى ترك منطقة سكنهم، أو ملازمة المنزل، وعدم الخروج منه إلا للضرورة القصوى.

لم تكن ح.ن. تتجاوز الخامسة عندما أُعدم والدها على يد مجموعات فدائية خلال انتفاضة الحجارة عام 1990، بذريعة نقل معلومات عنهم لاسرائيل. في مجتمع محافظ تقليدي كالمجتمع الغزي، تجد الفتيات والنساء أنفسهن موضع اتهام وتساؤل يطال محيطهن بالكامل.

تقول لـ”درج”، “كل فتاة تحلم بأن تنهي دراستها الجامعية، وتنتقل إلى الحياة الزوجية، لكن لأن والدي قُتل على خلفية تهمة لا نعرفها حتى الآن، فكل من يتقدم لخطبتي ويعرف ما حدث مع والدي لا يعود مرة أخرى، وكأنني أنا التي فعلت ذلك لا والدي”. 

وتضيف: “إن كان والدي أخطأ فهو نال عقابه على ما فعله، وعلى المجتمع عدم تحميل المسؤولية للآخرين، فنحن لم نخطئ، ويجب ألا نعاقب على فعل لا نعلم به. أنا أحلم ببناء أسرة كأي فتاة، ولكن وصمة العار الأبدية التي ألصقها المجتمع بي وبعائلتي حالت دون ذلك، على رغم بلوغي سن الـ35”.

وتشير إلى أنها في بعض الأحيان لا تذكر اسمها بالكامل أمام زميلاتها في العمل خوفاً من الابتعاد منها وعدم مرافقتها، لأن والدها قتل بتهمة التخابر مع إسرائيل. 

الهروب من الانتقادات

تشير الفتاة إلى أنها وأفراد عائلتها سيضطرون إلى بيع المنزل الذي يسكنون فيه منذ ما يزيد عن 30 عاماً، والبحث عن بيت آخر في مكان بعيد، أو الهجرة خارج قطاع غزة، وذلك هرباً من انتقادات الآخرين، ربما هناك تستطيع تأمين مستقبلها هي وشقيقتها التي تصغرها بأربع سنوات، ولم تتزوج حتى الآن. 

وفيما يرفض المجتمع الفلسطيني إقامة علاقات مع ذوي الأشخاص المتهمين بالتخابر مع إسرائيل، يُقبل عدد كبير من العمال الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة على العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ما يضعهم في موضع شبهة وتحقيقات بالتعامل. 

الحقوقي في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان محمد أبو هاشم يرى أن “الإفصاح عن أسماء المتهمين بالتخابر مع الاحتلال الإسرائيلي، يلحق الضرر بذويهم، ويجعلهم منبوذين في المجتمع ويلصق بهم وصمة عار أبدية لا يمكن محوها”.

تجاوز القانون

تثير عمليات الإعدام التي تنفذ في غزة الكثير من الانتقادات الحقوقية المحلية والدولية خصوصاً تلك التي تتم في ساحات ميدانية أو التي تحصل من دون محاكمات عادلة أو تلك التي تتحول الى مايشبه محاكمات جماعية.

فخلال سنوات حكم حركة حماس في القطاع ، تم تنفيذ عشرات الإعدامات الميدانية، التي أجريت خارج الإطار القانوني، ونفذ معظمها خلال الحروب الثلاث التي شنتها إسرائيل على القطاع.

يوضح أبو هاشم لـ”درج” أن “في قطاع غزة 3 حالات لإعدام العملاء، الحالة الأولى هي قتل المتهمين بالعمالة من دون محاكمة قانونية لحظة الإمساك بهم، أي تنفيذ إعدام ميداني، وغالباً ما تفعل ذلك الفصائل الفلسطينية، وهو أمر مرفوض على المستوى المحلي والدولي، ويعد مثل أي قتل عمد، والشخض بذلك يموت بريئاً، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته”. 

ويبين أن “الحالة الثانية للإعدام في غزة، هي إعدام أشخاص متهمين بالعمالة بحالات لا تستوفي الشروط القانونية في محاكمة عسكرية سريعة، أي محكمة ميدانية، أو تحت التعذيب، وإعدامهم بشكل سريع. ولا يُسمح للمتهمين بالدفاع عن أنفسهم، ولا يستطيعون توكيل محامين، وهو مخالف للمعايير الدولية المُلزمة لدولة فلسطين”. 

 أما الحالة الثالثة يقول أبو هاشم، “هي حكم الإعدام لأشخاص خضعوا لإجراءات قانونية، وثبتت إدانتهم على عكس الحالات السابقة”.

ويضيف: “لا تمكن المساواة بين نبذ أبناء العملاء في المجتمع، وهدم بيوت عائلات منفذي العمليات الفردية بالضفة الغربية، لأن ما تقوم به “إسرائيل”، هو تعدٍ صارخ على حقوق الإنسان، أما نبذ عائلات العملاء فهو سلوك مجتمعي يمكن تغييره ومعالجته”. 

ويتابع: “تمكن معالجة هذه القضية من خلال إلزام الناس قانونياً بأنه لا يجوز النيل من ذوي العملاء أو التشهير بهم، ويفضل ألا تنشر أسماء العملاء، وأن تجرى محاكمتهم بسرية تامة، ولا يتم الكشف عن هويتهم”.

ويردف أبو هاشم: “عام 2014، أقدمت الحكومة في قطاع غزة، والتي تديرها حركة حماس على إعدام ما يقارب 30 شخصاً خارج إطار القانون، تحت مسمى الإعدامات الميدانية، وهي من القضايا التي ستنظر فيها محكمة الجنايات الدولية، وتمكن ملاحقة قادة المقاومة في غزة لإعدامهم أشخاصاً متهمين بالعمالة”.

ويؤكد أنه منذ عام 2002، لم ينفذ حكم الإعدام في الضفة الغربية، وذلك نتيحة توجه فلسطين إلى القوانين الدولية ذات العلاقة، وأن الإعدامات لا تزال مستمرة في قطاع غزة. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني