fbpx

“مدرسة المشاغبين” و”العيال كبرت” على نتفلكس: الضحك صار من الماضي؟!

الإحتفاء بهاتين المسرحيتين يكشف عمق أزمة الإنتاج الكوميدي التي تعصف بالعالم العربي.

تفاجأ مشتركو شبكة نتفلكس بإضافة مسرحيتيّ “مدرسة المشاغبين” و”العيال كبرت” على مكتبتها الواسعة من الإنتاجات الأجنبية والعربية. استقبل كثير من رواد مواقع التواصل الإجتماعي في لبنان هذه الخطوة بالترحاب، وبدا أن رواد الشبكة يتوقون إلى الإنتاجات العربية الترفيهية من هذا الطراز، مع ما تحمله من نوستالجيا ومن مضامين كوميدية أضحكت الأجيال على مدى ما يزيد على أربعة عقود. وهذا الإحتفاء بهاتين المسرحيتين يكشف عمق أزمة الإنتاج الكوميدي التي تعصف بالعالم العربي، الذي يعاني شحّاً في الإنتاجات الكوميدية القادرة على حصد تفاعل واسع مع المشاهدين، والصمود مع الزمن كما هي حال المسرحيتين المذكورتين. الشبكة حاولت في السابق وضع بعض المواد الكوميدية المصرية كـ”ساترداي نايت لايف بالعربي” واللبنانية كستاند أب كوميدي للممثل اللبناني عادل كرم، لكن المادة المصرية التي لاقت نجاحاً لا بأس به في مصر لم تجد نجاحاً خارجها، كما لم تترك انطباعاً مميزاً لدى مشتركي “نيتفليكس”، فيما مضمون المادة اللبنانية، فضلاً عن أداء كرم، كانا مخيبين لآمال المشاهدين والنقاد على السواء. 

من مسرحية “مدرسة المشاغبين”

ارتبط هذا النوع من المسرحيات ذات الإنتاج المصري بعيد الفطر في الوجدان العربي عموماً واللبناني خصوصاً. وقد عرفت نتفلكس كيف تدغدغ هذا الطقس النوستالجي لدى مشاهديها العرب، فعمدت إلى وضع المسرحيتين في التداول عشية العيد. وتقول نهى الطيب، رئيسة الاستحواذ وترخيص المحتوى لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا في نتفليكس، على الموقع المخصص للمركز الإعلامي للشبكة على الإنترنت: “نشعر بقدر كبير من الفخر والسعادة بتقديم هذه المسرحيات العربية على منصة نتفليكس، فهي أعمال شهيرة تربى العديد من المشتركين بمنصتنا على مشاهدتها وهم صغار، ونريد الآن أن نمنحهم الفرصة ليس فقط لاستعادة ذكريات الطفولة الجميلة، ولكن أيضاً كي يقوموا بتكوين المزيد من الذكريات مع الأجيال الجديدة.” الهدف اذاً ليس النوستالجيا فحسب، بل يتخطى ذلك إلى الرهان على بناء قاعدة مشاهدين جديدة لهذه المسرحيات. لكن ما السرّ في نجاح هذه الأعمال التي تنبشها نتفلكس من جوارير الماضي فيما لا تنال انتاجات عربية كثيرة جديدة هذا الزخم على المنصة نفسها؟

ارتبط هذا النوع من المسرحيات ذات الإنتاج المصري بعيد الفطر في الوجدان العربي عموماً واللبناني خصوصاً.

موقع “درج” سأل عباس شاهين، الممثل اللبناني الكوميدي المعروف، عن هذا السرّ. عباس، الذي يغيب عن الشاشة في رمضان الحالي، يقول إنه لم يشعر بهذا الغياب بسبب عرض تلفزيون “المستقبل” إعادة لمسلسل “حلونجي يا اسماعيل” الذي انتجته القناة في منتصف التسعينات. المسلسل الذي كتب حلقاته أحمد قعبور وشاركه في الكتابة احمد علي الزين ونعمة نعمة، نال شهرة واسعة في لبنان والعالم العربي بسبب شخصية اسماعيل وزوجة عمه نجاح التي لعبت دورها الفنانة اللبنانية عايدة صبرا. اعادة هذا العمل على شاشة “المستقبل” المتوقفة عن الإنتاج بعد اقفال مكاتبها من قبل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بسبب تعثره المالي، سمح للمشاهدين بمتابعته من جديد، ووصلت أصداء عرضه إلى عباس الذي تلقى اتصالات كثيرة تهنّؤه على ادائه فيه. وهو كان من اوائل الأعمال التي نال بسببها شاهين شهرة واسعة في لبنان والعالم العربي، وكان ولا يزال، يُسأل عنه كلما التقى بالناس في الشارع. ولا يحيد هذا النوع من المسلسلات عن اثر “مدرسة المشاغبين” أو “العيال كبرت” أو غيرها من المسرحيات التي صمدت طوال هذا الوقت، بسبب قربها من الناس، وتناولها قصصاً شعبية بطريقة عفوية وذكية في آن، تستطيع محاكاة هموم الناس وزرع بسمة غير مفتعلة على وجوههم. شاهين كان من الممثلين الذي عملوا عن قرب مع زياد الرحباني الذي لا تزال مسرحياته حيّة ومتداولة بعد عقود على عرضها. وهي للاسباب نفسها التي يذكرها شاهين، صمدت إلى يومنا هذا، ولو صوتياً لمرحلة طويلة، قبل الإفراج عن تسجيلات مصورة للمسرحيات عرض بعضها في السينما، وعلى منصات عرض الكترونية مدفوعة في ما بعد. 

من مسرحية “العيال كبرت”

 إلى مسرحيتيّ “مدرسة المشاغبين” و”العيال كبرت” اضافت نتفلكس وستضيف تباعاً مجموعة من المسرحيات القديمة لتكون متوفرة تحت خانة “نوستالجيا عربية” وتتضمن القائمة “شاهد ما شافش حاجة”، “سك على بناتك”، “المتزوجون”، “ريا وسكينة”، “الواد سيد الشغال”، بالإضافة إلى مسرحيتين من الكويت وهما “مراهق في الخمسين” و”باي باي لندن”. ويمكن للمشتركين التمتع بهذه المسرحيات القديمة بدون فواصل وبأعلى جودة ليعيشوا لحظات لا تنسى بصحبة عائلاتهم، بحسب “المركز الإعلامي” لنتفلكس. 

يحيل زياد سحاب، وهو موسيقي وكوميدي لبناني شارك في كتابة الكثير من البرامج الكوميدية اللبنانية، نجاح هذا النوع من المسرحيات إلى قدرة اللهجة المصرية على اختراق البلدان العربية كلها، بسبب الدور المحوري الذي كانت تلعبه مصر في الفنّ والموسيقى والسينما والمسرح وطبعاً في السياسة. لكنه يرى أن المسألة ترتبط بالإنتاج والإعداد، فالقدرة المصرية على وضع إمكانات كبيرة على إنتاج المادة الكوميدية هائلة مقارنة بالحالة اللبنانية، والتجارب المصرية الناجحة في الفترات السابقة، كباسم يوسف وغيره، استندت إلى فرق عمل كبيرة تشتغل بالإعداد والكتابة، وهو ما ليس متوفراً في بلد مثل لبنان، ربما بسبب الفارق في عدد السكان، وضآلة السوق اللبنانية مقارنة بالسوق المصرية الهائلة، وضعف الإمكانات المادية لشركات الإنتاج. يتذكر سحاب خلال فترة إقامته في القاهرة إلى جانب المسرح القومي في وسط البلد، قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، أن المسرح كان يشهد يومياً ثلاثة أو اربعة عروض كوميدية، وقد شاهد بعضها لفاروق الفيشاوي وسيد زيان وغيرهما و”فطستني من الضحك”. وهذه العروض وإن لم تكن تنال جماهيرية واسعة في العالم العربي ولم يجر نقلها إلى الشاشة، لكنها تراكم لثقافة الكوميديا لدى الجمهور المصري وتكرّس أهمية المسرح كمدماك لبناء صرح كوميدي متماسك. 

يتفق نور حجار مع زياد سحاب على ما يقوله في شأن الإنتاج. حجار كوميدي لبناني، له تجربة ناجحة مع awkword في مجال الستاند أب كوميدي، وجرى نقلها إلى منصة cinemos الإلكترونية المتاحة مجاناً للجمهور. برأيه: “الإنتاج الجيد المستند إلى نصوص متماسكة وقوية يستطيع الوصول والصمود”. يعطي أمثلة لمسلسلات كوميدية نجحت وصمدت وبقيت تعاد وتعرض على الشاشات العربية: “ضيعة ضايعة” و”جميل وهناء”، مثلاً. 

برأيه ان نتفلكس لم تبدأ بعد عملية البحث الفعلية عن مواهب عربية في عالم الكوميديا، وعملية البحث هذه دونها معوقات جغرافية، اذا لا وجود لمكاتب لنتفلكس في البلدان العربية ويعمل الفريق الذي يهتم بالشرق الأوسط من امستردام. وخيارات نيتفلكس حتى الساعة سلكت الطرق الأقصر إلى الجمهور بمعزل عن المادة المقدمة له، وبعض هذه المواد لم تلق نجاحاً مع مراهنة نتفلكس على شعبية أصحابها، إلا ان فشلها ارتبط بالمضمون والأداء، ولم تشفع لهذه الأعمال الدعاية الكبيرة ولا الإنتاج الضخم والتصوير المحترف. وهذه الأعمال فعلياً لم تنتجها نتفلكس بل اشترتها من شركات إنتاج محلية، ووضعت رهانها على بعض الشخصيات المؤثرة في لبنان والعالم العربي لجهة المتابعين. من هذا المنطلق يتفاءل حجار بأن المسألة تحتاج إلى وقت وتراكم لكي يقتنع المشاهد العربي بالتجارب الجديدة، وتكون لها فرصتها في إثبات نفسها للجمهور. 

حتى ذلك الحين، يبدو أن الضحك الفعلي سيبقى من الماضي. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هلا نصرالدين – صحافية لبنانية
ملياردير لبناني مسجون في ليثوانيا وملاحق بدعاوى في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بشراء نفوذ، فما قصته؟

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني