fbpx

لبنان: توتر بين ابن المفتي وصهر الرئيس

القصة لم تبدأ من خطبة أحمد قبلان. موت الصيغة والميثاق والطائف واهتزاز الكيان بدأت معالمها تظهر منذ أمد بعيد. فتح الحدود لـ"حزب الله" للقتال في سوريا مثل نهاية لقصة لبنان الكبير.

هناك سوء تفاهم قديم بين الشيعة اللبنانيين وميثاق عام 1943، ولعل الجفاء الذي تناول به المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، وهو ابن نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، هذا الميثاق، وتسميته رجلي الميثاق بشارة الخوري ورياض الصلح باسميهما من دون صفاتهما، صادر أيضاً من شعور الجفاء هذا، فالميثاق في وعينا يوم كنا فتية في تلك القرى الشيعية التي حكمها في ذلك الزمن يسارٌ لا يخلو من شيعية مبثوثة في كتب الصراع الطبقي، كان نكتتنا التي نتندر بها على “ضعف لبنان” وعلى مارونيته وسنيته.

أحمد قبلان

لكن استيقاظ المفتي الممتاز على هذه الحقيقة، لم يصدر هذه المرة من تلك المرارة، ذاك أن الصيغة والميثاق كفا عن إزعاج الشيعة، وتحولا في السنوات العشر الأخيرة إلى مادة عجينية في أيدي “حزب الله”، وإلى موضوع مواربة دائماً في يد حليفه في الطائفة رئيس مجلس النواب نبيه بري. فعبارات الانقضاض الشيعي على الميثاق، تلك التي خرجت من فم المفتي ابن المفتي، حاكت مشهداً منعقداً منذ نحو 15 عاماً، هي الزمن الذي يفصلنا عن تفاهم مار مخايل، ذلك التفاهم الذي منح فيه رئيس “التيار الوطني الحر” حينذاك، ورئيس الجمهورية الحالي ميشال عون، غطاء مسيحياً مطلقاً لـ”حزب الله” ولسلاحه ولأدواره الداخلية والخارجية. ومنذ ذلك الوقت والتيار العوني يتلقى أثماناً من الحزب، على حساب الصيغة والميثاق، بل أيضاً على حساب الكيان. قال العونيون للحزب وقتذاك، خذوا لبنان وأعطونا الرئاسة، وقالوا في مناسبة أخرى، خذوا الحدود وأعطونا وزارة الطاقة، وفي مناسبة ثالثة قالوا له، خذ المطار واعطنا صلاحيات لرئيس بلدية الحدث لكي يمنع الشيعة من السكن في تلك المنطقة. الحزب أعطاهم فتاتاً مذهبياً، وأخذ فعلاً لبنان منهم!

اليوم، وعلى أبواب افتراق طفيف في المصالح كاشف الشيعة المسيحيين بما يمكن أن تجره عليهم أي محاولة للخروج من “بيت الطاعة”. فلماذا يقبل “حزب الله” أن يصير جبران باسيل مقرراً في علاقة دولته بالمجتمع الدولي؟ الحزب المنتصر من المحيط إلى الخليج، والذي سهل له جبران باسيل حروبه في الإقليم وجعلها وظيفة لبنانية، لن يقبل بأن يكون موضوع تفاوضٍ على طاولة صندوق النقد الدولي. رسالة صغيرة من المفتي الممتاز ستثير هلع اللبنانيين كلهم، لا هلع المسيحيين وحدهم. الحزب أقوى من لبنان، ولم يعد بفعل “الإنجازات” مجرد طرف في الصيغة وفي المعادلة. لديه جيش أقوى من الجيش اللبناني ولديه اقتصاد في وقت لا اقتصاد ولا مال لدى لبنان، ولديه دول تحتضنه وترعاه، ولبنان ليس لديه سوى صهر لا يحبه أحد باستثناء عمه.

“حزب الله” اليوم أمام أكثر من مفترق، ليست المفاوضات مع صندوق النقد الدولي أهمها، فالرؤساء الذين كرسهم على رأس جمهوريته، هم اليوم أمام استحقاقات عمرية دقيقة.

القصة لم تبدأ من خطبة أحمد قبلان. موت الصيغة والميثاق والطائف واهتزاز الكيان بدأت معالمها تظهر منذ أمد بعيد. فتح الحدود لـ”حزب الله” للقتال في سوريا مثل نهاية لقصة لبنان الكبير. في حينها قدم العونيون للحزب غطاء كبيراً، ولم تثر الخطوة حساسية الكنيسة التي لطالما كانت حارسة الكيان. وكان من المستحيل يا غبطة البطريرك أن لا ينعكس “نصر” الحزب في سوريا على المعادلة المذهبية في لبنان، لا بل على الصيغة والميثاق، وعلى الطائف أيضاً. اللبناني المنتصر في الحرب هناك لن يكون مسيحياً بطبيعة الحال، والحكمة كانت تقضي بعدم منحه الغطاء.

“حزب الله” اليوم أمام أكثر من مفترق، ليست المفاوضات مع صندوق النقد الدولي أهمها، فالرؤساء الذين كرسهم على رأس جمهوريته، هم اليوم أمام استحقاقات عمرية دقيقة، وهذا قد يملي على الحزب انعطافات صعبة في الاختيارات. في الموضوع الشيعي الداخلي يملك الحزب بعض الوقت لترتيب الخلافة، أما في الموضوع المسيحي، فالأمر قد يتطلب عملاً جراحياً في ظل انعدام الثقة بجبران باسيل.

يبدو أننا سنكون أمام مشهد مشوق في الأيام المقبلة، وعلينا خلالها محاولة فهم ما يحصل في القصور من خلال ما يتحفنا به النواب والمفتون والأصهار.     

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
الحماسة اللبنانية تبدو جاهزة دوماً للمشاركة في حروب الآخرين، لأسباب كثيرة، لكن من الواضح أن العامل المذهبي عامل حاسم على هذا الصعيد، وهو ضمنياً عدم اعتراف بالكيان اللبناني، وأكثر من ذلك، اعتباره كياناً ظرفياً ووظيفياً.

15:27

6:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني