fbpx

الوحدة اليمنية بعد 3 عقود :”شيك” للكراهية وفشل لعقليات الاستحواذ

30 عاماً مكللة بالأحلام والبارود. كانت العيون في 22 أيار/ مايو 1990 تومض ببهجة لم يعرفها اليمنيون على مر تاريخهم.

كانت “إعادة لُحمة تاريخية” كما وصفها الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حين خطب حينها وحنجرته مبتهجة ملء أجهزة الراديو، بينما كانت حواضر اليمن وأريافه تحتفي بعلم الوحدة الجديد، واسم اليمن الجديد الذي اقترحه معمر القذافي في 1972، لتصبح الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية تحت اسم واحد هو “الجمهورية اليمنية”.

تقول الباحثة السياسية ميساء شجاع الدين لـ”درج” إنه “لم يبقَ شيء من ذلك اليوم البهيج لدى معظم اليمنيين المعاصرين للحدث، دمار وخيبات واليوم انقسام غير مسبوق، فالذين صنعوا الحدث غابوا عن الساحة السياسية لكن البلد يجتر تركة فشلهم الثقيل، الحقيقة الوحيدة هي أن الوحدة صارت جزءاً من الماضي والانقسام لم يعد لشطرين بل لأشطار عدة”. 

وتضيف: “كان يوماً حماسياً ارتفعت فيه أحلام اليمنيين إلى السقف، لكنه سرعان ما انقلب ضدهم، بسبب التعجل والطابع الاستبدادي للنظامين ومحاولة طرف وهو “علي عبدالله صالح” حسم الأمور بمنطق الغلبة”.
كان الوضع الاقتصادي في الجنوب قبل الوحدة يشهد تردياً كبيراً، لأسباب داخلية ودولية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، ولم تكن حينها قد اكتشفت الثروات النفطية في حضرموت وغيرها، فبدأت مرحلة إنشاء بنية تحتية، لكن كانت عقلية المشاريع بنظام رأسمالي في بقايا دولة اشتراكية من دون قوننة ومراعاة لظروف الناس في الجنوب، والأسوأ من ذلك ما فعله بعد الحرب نظام صالح وهو الشروع في خصخصة مؤسسات القطاع العام في الجنوب قبل إصدار قانون الخصخصة.

“فالقوى الموجودة حالياً في الجنوب ليس لديها شيء، بمعنى لا قيادة ولا تصور مستقبلي ولا شيء، يبنون وجودهم على كراهية الشمال وشعارات جوفاء مثل عزة الجنوب واستقلاله وكرامته”.

سياسياً، كان اليمن الجنوبي منضوياً تحت مظلة المعسكر الشرقي، وشهد عزلة إقليمية في ظل تكتلات سياسية، فلم يكن منضوياً تحت تكتل مجلس التعاون العربي ولا مجلس التعاون الخليجي، وعلاقاته الديبلوماسية والسياسية مع الدول العربية أقل بكثير من علاقاته بأثيوبيا ودول المعسكر الشرقي، وقطيعة مع الولايات المتحدة.

مرت السنوات الأولى للوحدة سريعة، وكانت الأيدي ما زالت على زناد الرغبة في السيطرة على المشهد، فشهدت صنعاء العاصمة الموحدة لدولة الوحدة بداية مرحلة الاغتيالات لقيادات شريك الوحدة الجنوبي “الحزب الاشتراكي اليمني” بعد قرابة عامين من الوحدة، وبعدها مرحلة اعتكاف نائب الرئيس الجديد ورئيس الجنوب سابقاً علي سالم البيض.

انفجرت حرب صيف 1994 بين الشمال والجنوب بعد سلسلة من الاتفاقيات، آخرها وثيقة العهد والاتفاق التي وقعت في الأردن، فأفضت تلك الحرب إلى إعلان الانفصال من طرف واحد هو الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في الجنوب سابقاً، وانتهت بانتصار صالح على رغم دعم السعودية الطرف الآخر.

يقول الكاتب والباحث مصطفى الجبزي لـ”درج” إن “الذين دخلوا في الوحدة دخلوا بعقلية المكر، كل طرف منهم أراد المكر بالآخر، الشريكان اتفقا على أن تكون الديموقراطية الركيزة الأساسية لليمن الجديد، في المقابل احتفظ كل طرف بقدراته العسكرية ضمن فكرة المكر، والوحدة كانت كأساس قانوني سليم، لكن من ناحية تقنية كان فيها كثير من أوجه القصور، حيث لم توضح الصيغة الفعلية للعملية الانتقالية، وآلت تدريجاً نحو الضم والإلحاق، ولم تُعالَج أجهزة الدولة والجيش وغيرها، وحين بدأنا العملية الديموقراطية تعثرت بسبب الخلل الإداري”.

سنوات الاستحواذ 

تكاثرت مظالم المواطنين في الجنوب بدءاً من تسريح الآلاف من صفوف الجيش، والوظائف الحكومية، والاستحواذ على مخلفات الدولة في الجنوب من مؤسسات وأراضٍ وعقارات.

في 2007 انطلق ما يسمى الحراك الجنوبي السلمي مطالباً بحقوق العسكريين المفصولين، وواجهه النظام الحاكم حينها بالقمع والملاحقات وسجن قياداته، ولم يكن هناك من النخبة السياسية الحاكمة من يستقرئ الوضع.

بدأت في المقابل حالة من الانتهازية السياسية لدى قيادات من جنوب اليمن كانت مقربة من النظام، وكانت ملكية أكثر من الملك، فوقفت إلى جانب صالح في كل ما يقوم به.

تسلم الرئيس الحالي عبدربه منصور الحكم في 2012 بعدما كان في السابق أحد النازحين إلى صنعاء من صراع 1986، ثم ترقى لوزير دفاع عقب 1994، ثم أصبح نائباً للرئيس.

متاهة التمثيل

تنابز السياسيون الجنوبيين على مسألة تمثيل الجنوب، ما خلق حالة من الارتهان واللجوء لمصادر تمويل لتحركاتهم السياسية، حتى أصبحت القضية مثل “شيك” مفتوح يستخرج منه القادة مكاسب من الخارج ليس للقضية الجنوبية شأن بها.

حاول مؤتمر الحوار وضع الحلول العاجلة لتدارك الوضع، فشُكلت لجنتان لحل المظالم المتعلقة بالعسكريين وحل إشكالية الأراضي المنهوبة، وعملت اللجنة بوتيرة متسارعة وحلت عشرات القضايا.

أقر مؤتمر الحوار بأن يصبح اليمن 6 أقاليم، وهذا الأمر لم يعجب بعض القيادات الاشتراكية، وكذلك بعض القوى الجنوبية التي لم تشارك في المؤتمر، إذ كانت المطالب بأن يكون البلد إقليمين، وهو ما رأت القيادات السياسية في الشمال أنه سيكون انفصالاً مقبلاً.

رميت تلك الحوارات والنقاشات والنتائج جانباً، إذ كان للحوثي وصالح تفكير آخر، وهو الانقلاب كلياً على المشهد السياسي بكل أطيافه، فانطلقت الدبابات صوب تعز ثم عدن وارتكبت الفضاعات هناك، وأعادت إلى الأذهان دبابات 1994.

تدخلت دول التحالف في الحرب، وساهمت في تحرير عدن، والمحافظات الجنوبية التي وصلت إليها قوات الحوثي وصالح، لتبدأ مرحلة جديدة لم تكن في الحسبان.

الكراهية بين الواقع والمتاجرة

بدأت الإمارات العربية المتحدة إنشاء قوات عسكرية منفصلة الإدارة عن الجيش اليمني، ومولتها بالعتاد، وتنامت قوتها في الشارع الجنوبي، وأقصت الأطياف المخالفة، وسقط عشرات المخالفين في الجنوب اغتيالاً برصاص وقالت تحقيقات لوسائل إعلام دولية أن العمليات نفذت بواسطة القيادات الجديدة المرتبطة بالإمارات.

تأسست فكرة المعارضة في الجنوب لنظام صالح في الشمال على فكرة العداء لنظام صالح، وجزء من ذلك العداء وُجه لحزب الإصلاح (كشريك في حرب 1994)، وكانت المطالب مبررة، وتطورت الفكرة إلى غرس نزعة كراهية، لجزء منها مبرراته، ولجزء آخر مبررات ذاتية تتعلق بالمتاجرة بالقضية وليس بالسعي إلى حلها أو الحصول على مكاسب عامة خصوصاً بعد دخول الإمارات إلى المشهد في الجنوب.

ترى الباحثة شجاع الدين أن الوحدة “تحولت إلى كابوس، فقد خلقت شرخاً نفسياً عميق بخاصة لدى الجنوبيين، وتشكلت جماعات صار وجودها يتنفس على منطق كراهية الشماليين، وتصوير الشماليين خطراً وحيداً في الجنوب دفع الكثير من الجنوبيين إلى الاستقواء في الخارج وبشكل فيه قدر كبير من الثقة والاندفاع وهذا حول الجنوب لساحة صراع إقليمي”.

وتشير إلى أن “جانباً من الكراهية كان موجهاً ضد النظام وتصرفات أفراده والشعور بأن الشماليين فوضويين وهو نسبياً سليم بعد مرحلة الحزب الاشتراكي مباشرة، لكنها ضخمت وتضخمت لأسباب سياسية مفتعلة، فبعضها أسباب حقيقية وكان يمكن أن تكون بسيطة وتمر مرور الكرام لو كان الوضع السياسي مستقراً والاقتصادي معقولاً، في النهاية الحاجة والفقر يدفعان الناس إلى الكراهية وحب الصوت العالي”.

تدفقت الأموال قبل الحرب من إيران وكانت بيروت محجاً لعشرات القادة الجنوبيين، ثم بعد الحرب الحالية توغلت الإمارات في محافظات الجنوب، بينما ذهبت المهرة شرق البلاد، إلى ممول آخر وهو عمان وقطر لمناهظة القوات السعودية هناك، وكل طرف يخلق المبررات التي يرى أنه على حق فيها، فتعالت نزعة الكراهية والكراهية المضادة بين الجنوبيين أنفسهم وبين الجنوبيين ضد الشماليين.

“وُظفت الكراهية سياسياً”، تقول شجاع الدين، “فالقوى الموجودة حالياً في الجنوب ليس لديها شيء، بمعنى لا قيادة ولا تصور مستقبلي ولا شيء، يبنون وجودهم على كراهية الشمال وشعارات جوفاء مثل عزة الجنوب واستقلاله وكرامته”.]

الواقع ليس كما تراه من الدبابة

تشكل المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم إماراتي، وظهر بمظهر الممثل الوحيد للقضية الجنوبية، ومؤخر أعلن الإدارة الذاتية لمحافظات الجنوب.

جاء الإعلان من العاصمة الإماراتية أبوظبي حيث يقيم رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي مع قيادات أخرى من المجلس.

لا يوجد قياس حقيقي لشعبية المجلس الانتقالي، فالأموال والدبابات الإماراتية لا تدع مجالاً لكشف وجهة نظر المواطن الجنوبي بشكل حقيقي، فهناك تفاصيل عن صراعات مناطقية وسجون سرية، وديكتاتورية مقنعة وفساد وغير ذلك مما يمكن أن يخبئ الكثير.

تظهر كل يوم قصص متعلقة بالمناطقية التي قادت فصائل الحزب الاشتراكي إلى حرب 1986، وهو ما يتكرس إعلامياً اليوم في عدد من جبهات القتال كما يحدث في أبين.

لا شيء يمكن أن يثبت أو ينفي أن المجلس الانتقالي يمكن أن ينتصر بدبابات الإمارات، وهو متردد في مواقفه، لكنه مع ذلك تمكن من منع الحكومة من العودة إلى عدن.

الخطوة كانت كارثية، فقد وجد المجلس نفسه محاصراً بمطالب الشارع بعد انتشار حميات فتكت بحوالى ألف شخص.

بعض خطوات المجلس يزعج حتى المناصرين، خصوصاً تلك الفتوى التي أطلقها نائب رئيس المجلس الانتقالي هاني بن بريك والتي أحل فيها دم المقاتلين من قوات الحكومة في أبين المجاورة لعدن، واعتبر دماءهم دماء ثعابين، لتعود الذاكرة اليمنية إلى فتوى القيادي الإصلاحي في 1994 عبدالوهاب الديلمي الذي أحل فيها دماء الجنوبيين الذين يتمترس بهم الاشتراكيون معتبراً قتلهم حينها “مفسدة صغرى”.

للقضية الجنوبية وكلاء كثر، والرئيس هادي أولهم، إذ قال في خطاب له في ذكرى الوحدة إن “بعضهم حول الوحدة لمكاسب خاصة ملأها بالأنانية والإقصاء والتهميش وسوء استغلال الثروة والسلطة، والبعض الآخر صنع من الوقوف ضد الوحدة قضية للابتزاز وادعاء البطولات الزائفة مدفوعاً بالذاتية حيناً وبالاستجابة للمشاريع الخارجية حيناً آخر”.

رجل الأعمال ونائب مدير مكتب رئيس الجمهورية أحمد العيسي، وهو الذي يستحوذ على خزانات مصافي عدن أسس له مجلساً جنوبياً، إضافة إلى فصائل أخرى في الخارج لقيادات جنوبية، وقيادات أخرى صامتة.

لا وحدة… لا انفصال

بعد ثلاثة عقود تجد الوحدة نفسها في مهب الأطماع المحلية والإقليمية، فدخول الإمارات في المشهد عمق جراحات البلد بشكل غير مسبوق، إذ كان اليمن قبلها يعيش على توحد شعبي في هدف مواجهة مشروع الحوثي صالح، وكان يمكن أن تفضي وحدة الصف الشعبي إلى نقاش مختلف حول الوضع في الجنوب.

يشير الباحث مصطفى الجبزي إلى “أن الوضع في الجنوب ما زال في دائرة المكر، فالقوى التي مع الوحدة أو القوى التي ضد الوحدة لديها مخاوف كثيرة في ما بينها أكثر مما هي مخاوف تجاه الشمال، في ظل أداء المجلس الانتقالي الحالي وقيامه بإقصاء الآخرين والتهرب من الاستحقاقات بما فيها الاستحقاقات السياسية، وغياب المشروع، فهو لا يعرف ماذا يريد، هل يريد جنوباً كما كان أيام الاشتراكي، أو جنوباً سلفياً، أو جنوباً فيدرالياً؟ وكل واحد من هؤلاء يخشى أن يتخلص منه الآخر، وبالتالي الجنوبيون الوحدويون يعلقون آمالهم على الشمال، والجنوبيون غير الوحدويين يعلقون آمالهم على عداء الشمال”.

لم تكشف الأيام بعد مصير الوحدة، وعلى رغم القوة الظاهرة للدبابات المستعارة، لكنها لم تحسم شيئاً، فمصالح مُلّاك تلك الأسلحة تطغى على مصالح الجنوبيين، خصوصاً أنهم يرون أن أكبر مصفاة تصدير الغاز ممنوعة من التصدير بسبب تلك الدبابات إضافة إلى بقية المصالح الكبرى المعطلة. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
الحماسة اللبنانية تبدو جاهزة دوماً للمشاركة في حروب الآخرين، لأسباب كثيرة، لكن من الواضح أن العامل المذهبي عامل حاسم على هذا الصعيد، وهو ضمنياً عدم اعتراف بالكيان اللبناني، وأكثر من ذلك، اعتباره كياناً ظرفياً ووظيفياً.

15:27

6:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني