fbpx

المال وقد صار بقشيش حياتنا

"المال يتكلّم"، مقولة لطالما سمعناها ورددناها على مسامع من نتحدث معهم بشكل يومي، ولكن قلما تفكرنا بها، ونظرنا إليها فعلياً، متنبهين إلى معناها وقيمتها الظاهرية .

التفكير المتواصل بالمال وطريقة تعامل الناس معه، وكيفية تحكّم هذه الفكرة بالكثير من نشاطاتنا البشرية، يجعلان هذه النظرة السيميائية (أو علم السمات والعلامات) مثيرة للاهتمام. وانطلاقاً من المبدأ الماركسي القائل إن البنى التحتية تحدد البنى الفوقية، بما معناه أن العلاقات الاقتصادية والمادية، تحدد رؤيتنا وتصوغ أفكارنا وتوقعاتنا عن طريقة عمل المجتمع. يمثل المال، إذاً، الوسيلة التي تقوم علاقاتنا المادية والاقتصادية عليها، وهو أيضاً عامل من العوامل التي ترتكز عليه تفاعلاتنا مع العالم. 

سأحاول في هذا المقال، وفي إطار نشر الفكر السيميائي التطبيقي، أن أشرح كيف يؤدي المال، كفكرة مجردة، مثل الكلمة، إن كانت مكتوبة أو ملفوظة، وظيفة سيميائية في الحياة اليومية. ما أعنيه، هو أن المال حقاً، وسيلة للتواصل، بمقدورها توجيه رسائل، وتحديد مواقف بشرية من الحياة عموماً. طبعاً، ليس المقصود هو المال كهيئة فيزيائية (عملات، أوراق، بطاقات ائتمان)، بل المال المجرد، أي الفكرة التي يعبر عنها المال. 

من الأمور التي يجب تفصيلها لشرح الفكرة هي ما نسميه التصنيفات الأربع لقدرة المال على الدلالة، وهي: الحركة الإيجابية، القصور، قوة الحضور، القوة المجازية.   

الحركة الإيجابية

الحركة الإيجابية للمال، هي الحركة الطبيعية للبيع والشراء. إنها تتضمن الحركة، بمعنى أنها تعتمد على انتقال المال من كيان إلى آخر، لكي تكمل عملية دلالتها. فببساطة عند شراء سلعة ما والقيام بالدفع نقداً، أو ببطاقات الائتمان، نقوم بتوجيه رسالة مفادها أنه تم دفع ما يقابل السلعة من مال. هذا التصنيف الدلالي يبين أيضاً، أن المال يشكل مجالاً أو وسيطاً للتواصل بحد ذاته. فهو عملي موضوعي له وجود تجريبي (أي العملات أو حساب البنك) ورمزي اعتباطي (بحسب دو سوسير) من خلال ما تدل عليه عملات النقود. من هنا تمكننا رؤية وجه الشبه مع اللغة كنظام دلالي، يعتمد الرموز من دون أن تكون بين الدال والمدلول علاقة.  

القصور

في بعض الأحيان، عدم تحرك المال إطلاقاً، من شأنه أن يبعث رسائل مختلفة. ففي حالة النادل والبقشيش، عدم ترك بقشيش إطلاقاً قد يعني عدم رضا الزبون عن الخدمة. يمكن أيضاً اعتبار حملات المقاطعة، أي عدم شراء السلع من جهة معينة، وبالتالي عدم إرسال المال نحوها، طريقة من طرائق الضغط، وتوجيه رسائل عدم الرضا عن مواقف هذه الجهة. وتمكن رؤية هذا أيضاً في حالات عدم رضا السعودية عن رئيس وزراء لبناني معين كان حليفها الأول، فقطعت عنه الدعم المادي كإجراء ورسالة تأديبية. في هذه الحالة يكون المال حليفاً داعماً للرسالة السياسية والاجتماعية المبتغاة ووسيلة عملية للتعبير، كعلامة تعجّب في نهاية الجملة. أهمية هذا التصنيف، أنه يبرز مدى قدرة وقف الإمداد المالي على التأثير في الحياة. فعندما يقوم أحدهم بتوريث جميع أولاده/ها، ما عدا واحد/ة منهم، فهذه الخطوة، تترك أثراً اجتماعياً وعاطفياً، ودلالات عن عدم الرضا. إن القدرة الدلالية للمال التي تتمثل بالقصور، هي الأكثر وضوحاً وتأثيراً في الحياة الاجتماعية. 

إلى أي مدى يرتبط فهمنا وتعبيرنا عن الأفكار غير المالية، بعلاقتنا مع المجال المالي والاقتصادي وكيف يؤثر ذلك في تعاملنا مع العالم الخارجي؟

 قوة الحضور

كما قلنا سابقاً، فلا ضرورة أن يحرك المال لكي يؤدي دوراً دلالياً. فوجود المال، لدى شخص أو شركة، كفيل بتحديد بعض موازين القوى والرسائل غير المباشرة. على سبيل المثال، أي شخص عادي، يعلم أنه من غير المجدي، أو من الصعب، مقاضاة شركة تمتلك الملايين، وذلك لقدرة هذه الشركة على تعيين ترسانة محامين كفيلة بالفوز بالقضية. فهنا، قدرة استخدام المال بوجه الشخص، ووجود هذا المال، كفيلان بصد فكرة مقاضاة الشركة بسبب ميزان القوة غير المتكافئ. أيضاً نرى في المجتمع توجهاً نحو الطبيب الذي يتقاضى أجراً أعلى، وذلك لنوع من الاعتقاد بأنه أمهر أو أكثر علماً ممن يتقاضى أجراً منخفضاً.

من الرموز الأخرى التي يضفيها المال إلى حياتنا الاجتماعية، هي تلك المتعلقة بطريقة تقييمنا الملابس. فمثلاً، أصبح هناك ارتباط بين السعر المرتفع والمظهر الجيد. فاذا كانت البدلة بـ1000 دولار، فهي على الأرجح أكثر أناقة من بدلة بـ200 دولار. تتضح هنا العلاقة بين المال والقيم الجمالية، بحيث يندمج مبدأ ارتفاع سعر قطعة الملابس مع شكلها ومظهرها الأنيق، ويصبح عاملاً من عوامل الجذب الأساسية. كما يمكننا الانتباه لهذا المبدأ عند تقييم الإعلانات. مثلاً يقول إعلان “بدلات الـ1000 دولار اليوم بـ300 دولار لمناسبة التصفية”. هكذا إعلانات لا تعمل على إظهار الجمال الخارجي والشكلي للبدلة، بل يهمها تبيان القيمة المالية وما تحمله من علاقات ضمنية. فالظهور بمظهر أنيق هو الظهور بمظهر مرتفع السعر أيضاً. وبالتالي، دلالات المال، جزء لا يتجزأ من كيفية حكم الناس على نوعية الملابس. 

قوة المال المجازية

يعني هذا التعبير استخدامنا المبادئ والمصطلحات المالية والاقتصادية للحديث عن مجالات أخرى غير مالية في الحياة. ففي هذا التصنيف، لا يحتاج المرء لأن يمتلك المال، ليكون بمقدوره أن يستخدم قدرته المجازية. الحياة اليومية مملوءة بمجازيات اقتصادية، فمثلاً يقال “الوقت من ذهب”، “فكّر مليّاً” (مالياً)، أو عند وصف شخص بـ”ناجح” من دون سياق، فغالباً ما تكون للدلالة على مدخوله المرتفع. وبدرجة كبيرة، تُستخدم المصطلحات المالية/ الاقتصادية للتعبير عن حالات وأمور ليست لها علاقة بهذا المجال. عطفاً على هذه الفكرة، علينا أن نسأل، إلى أي مدى يرتبط فهمنا وتعبيرنا عن الأفكار غير المالية، بعلاقتنا مع المجال المالي والاقتصادي وكيف يؤثر ذلك في تعاملنا مع العالم الخارجي؟

بعد هذا الطرح، من الجيد أن نعيد النظر بعلاقتنا مع المال كقيمة وكفكرة مجردة سائلة ومتشعبة الوجود. فإذا كانت معرفة العلاقات الاقتصادية ترتبط بفهمنا بقية العالم، فإن مثل هذه العملية ستدعم الفرضية الماركسية القائلة إن البنية التحتية تحدد البنية الفوقية. المال، على رغم أنه قد يكون فكرة مجردة، فهو حقيقي. نحن نستخدم المال لشراء السلع ودفع ضرائبنا والاستثمار في الأعمال التجارية وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، فإن استخدامنا المال هو أحد جوانب البنية التحتية. القول إن البنية التحتية تحدد البنية الفوقية، يعني أن استخدامنا المال فعلياً، يحدد كيف نرى النظام في عالمنا إلى حد ما. وتبقى هذه النظرية من وجهة النظر السيميائية، وتقاطعها مع الماركسية بحاجة إلى المزيد من البحث والتحقق. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني