fbpx

المخيمات الفلسطينية في لبنان : “كورونا” في زمن السلاح المتفلّت

أزمة كورونا ذكرت الفلسطينيين بأنهم مواطنون من درجة ثانية في لبنان.
صور المغدور عباس قاسم مرفوعة في مخيم “الرشيدية”

قدّمنا أغلى ما عنا ليتجاوز مخيمنا أسوأ ما عنا” يقول ر. قاسم خال الشاب الفلسطيني عباس قاسم الذي قتل في مخيم الرشيدية جنوب لبنان خلال اشتباكات وقعت في المخيم منتصف شهر أيار/مايو . المقصود في الجملة هو أن فلسطينيي المخيمات اللبنانية يدفعون أغلى الأثمان من أرواح أبنائهم، أملاً بالخروج من الكبوات وتحسّن الظروف… لكن فالسلاح المتفلت وانكفاء الدولة، يجعلان المخيمات الفلسطينية بقعاً من المأساة، وهي طبعاً بقع منفية خارج القانون. 

لم تكن الحادثة التي سقط فيها عباس قاسم قصة استثنائية أو غير مألوفة، ففلسطينيو المخيمات يعيشون مع هاجس السلاح المنتشر في كل مكان. 

الجريمة الأخيرة حصلت بعد أن وقع اشتباك بين عائلتي الظاهر وأبو العريشة على خلفية حادثة دهس طفل في مخيم الرشيدية جنوب لبنان، ذهب ضحيته قتيل وعدد من الجرحى. 

الاشتباك استمر 5 ساعات من دون أن تتدخل أي من الفصائل أو اللجان الأمنية، وبحسب مصدر من المخيم يذكر أن العائلتين المسلحتين تتبعان لحركة “فتح”.

كان الشاب عباس قاسم (الصفدي) يسعف جريحاً عندما أصيب بطلق ناري أرداه قتيلاً. عباس قاسم (32 سنة)، فرّان المخيم الذي أبى أن يرفع أسعار مناقيشه تكافلاً مع أبناء مخيمه الفقراء، وهو أب لطفلين لم يتجاوزا عامهما الخامس بعد. بغصةٍ يقول ر. قاسم خال الفقيد لـ”درج”: “لم نكن طرفاً في الاشتباك، كنا المسعفين”.

يضع قاسم اللوم بالدرجة الأولى على الفصائل الفلسطينية التي من مسؤوليتها حفظ أمن المخيمات والذي تعهدت بـ”وثيقة الشرف” التي وقعت عليها جميع الفصائل عام 2013، وسط تعهد فصائلي بالاستعداد لتحمّل المسؤولية المباشرة، ورفع الغطاء التنظيمي عن أي مرتكب، يقابله تعهد عائلي بعدم تغطية أي مرتكب والحد من مظاهر السلاح وهو ما لم يطبق فعلياً أبداً. يشعر خالد الفقيد قاسم بالأسف لأن ظاهرة السلاح المتفلت جعلت عائلته تخسر شاباً في مقتبل العمر، “نحن لا نريد تغيير قياداتنا، هم فرضوا علينا، فليجدوا الحل وإلّا، هم المشكلة”. لكن تلك الحادثة ليست استثنائية، إذ من الصعب إحصاء عدد الجرائم التي سبقتها في المخيمات نتيجة السلاح المتفلت. 

هاجس كورونا

ليس انتشار السلاح وحده ما يهدد المخيمات الفلسطينية، فقد وقعت الجريمة في ذروة المخاوف من انتشار وباء كورونا، إذ تعيش معظم المخيمات الفلسطينية في لبنان إجراءات العزل والقيود المشددة لمنع تفشي الفايروس، الأمر الذي حال دون ذهاب الناس إلى عملهم كالمعتاد، ما أدى إلى تردي أوضاعهم المالية والاقتصادية. تقول الصحافية من مخيم نهر البارد شذى عبد العال  لـ”درج”: الوضع المتأزم في المخيمات الفلسطينية ليس بجديد، الأزمة كشفت عن أنياب الفقر وازداد الوضع سوءاً، ولولا التكافل الاجتماعي لن يصمد أحد، لكن الفقر سيطاول الجميع حتى الميسور منّا، فكم سنصمد؟”. وتذكر شذى أن بعض المساعدات المالية التي تأتي من خارج البلاد عالقة في المصارف بسبب الإجراءات التي تتخذها الأخيرة، وإذا أفرجت عن بعضها والمبلغ المرسل يتأثر بفعل سعر الصرف الرسمي (1515 ليرة لبنانية) المحدّد بحسب تعميم المصرف المركزي والذي يتجاوز ال4000 ليرة في السوق.

“نحن لم نعد نطالب الدولة اللبنانية بشيء، هم استثنونا واعتبرونا غرباء، إنما نطالب القيادات الفلسطينية بالنظر إلى وضعنا لأننا على وشك أن نتشرد هنا”

لا شك أن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان فاقمت من معاناة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على أراضيه وسط تجاهل رسمي لأوضاعهم و”تقهقر” دور وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين “الأونروا” وتراجع خدماتها مع انحسار التمويل الدولي لها في ظل ما يحكى عن محاولة تدعيم فرص إنجاح “صفقة القرن” الأمريكية.

ويفتقد اللاجئون الفلسطينيون في مخيماتهم الـ11 الممتدة على الخارطة اللبنانية لأبسط مقومات الحياة الإنسانية منذ لجوئهم بفعل النكبة.

ويثير قلق الفلسطينين تصاعد الخطاب السلبي الرسمي اللبناني من الوجود الفلسطيني في لبنان بشكل مباشر وغير مباشر خلال السنتين الماضيتين، وبرز ذلك أيضا من خلال إجراءات ضاغطة بدءا من إقامة جدار حول مخيم عين الحلوة شبيه بالجدار العازل في الضفة الغربية وصولا إلى قرار وزير العمل السابق كميل أبو سليمان الصيف الماضي بمنع الفلسطيني من ممارسة عمل من دون حصوله على إجازة عمل وهي سابقة لم تشهد العلاقات الفلسطينية لها مثيلا وقد صنفتها منظمات حقوقية بأنها شكل من التمييز. 

تسبب هذا التمييز في اندلاع تحركات شعبية رافضة في المخيمات قبل أن تعصف الأزمة الداخلية اللبنانية منذ تشرين الأول/ اكتوبر الماضي بالواقع  الفلسطيني المأزوم. ومع تردي الوضع السياسي وانقسام الطبقة الحاكمة في لبنان تراجع الاهتمام بالوضع الفلسطيني في أجندة اهتمامات السياسيين اللبنانيين.

لكن أزمة كورونا ذكرت الفلسطينيين بأنهم مواطنون من درجة ثانية في لبنان.

لا أماكن لعودة الفلسطينيين!

في خمسينات القرن الماضي كان المجتمعان الأبيض والأسود في أميركا منفصلين، تحكمهما قوانين تفضل المجتمع الأبيض على غيره، وحتى في مجال وسائل النقل، كان على الأميركيين السود التخلي عن مقاعدهم للبيض. هناك من ضلّ طريقه بين قرنين وقارتين، بفارقٍ ضئيل: في لبنان لا يسمح للفلسطيني الذي يحمل وثيقة لاجئ فلسطيني صادرة عن السلطات اللبنانية المجيء إلى لبنان على متن رحلات الإجلاء في حال توافر أماكن شاغرة فقط.

عبير فرحات

في 9 شهر نيسان/ أبريل الماضي، جهزت عبير فرحات أمتعتها لتستقل القطار المتوجه إلى روما لتأتي إلى لبنان على متن طائرة الإجلاء التي غطت ليلى الصلح حمادة تكاليفها شرط أن تحمل طلاباً، بعدما كانت الطالبة الفلسطينية قد تلقت اتصالاً من القنصلية اللبنانية وأبلغتها أن بإمكانها السفر الى لبنان. كما تلقت بريداً إلكترونياً لتأكيد الطلب الذي قدمته والموافقة على السفر باعتبارها من المقيمين في لبنان. إلا أنها تلقت اتصالاً مفاجئاً من القنصلية- قبيل موعد رحلتها إلى روما- لإبلاغها بأن “الإيميل” الذي وصلها، كان “بالخطأ”، وأن ملفها، الذي كان قد قُبل، رفض الآن.

عبير فرحات فلسطينية من أم لبنانية وأب فلسطيني ولد في بلدة البازورية جنوب لبنان، تتابع دراساتها العليا منذ خمس سنوات في مدينة جينيفا الإيطالية. تقول عبير لـ”درج”: “نحن لم نعد نطالب الدولة اللبنانية بشيء، هم استثنونا واعتبرونا غرباء، إنما نطالب القيادات الفلسطينية بالنظر إلى وضعنا لأننا على وشك أن نتشرد هنا”. وهي واحدة من عشرات الطلاب الفلسطينيين المغتربين، تسكن في بيت في جينيف، سيطالبها ملاكه بدفع الإيجار عاجلاً أم آجلاً، في وقت تعتبر إيطاليا من أكثر الدول تسجيلاً لعدد الإصابات بفايروس “كورونا”. تضيف فرحات: “الوضع مزرٍ هنا، كان أملنا بالعودة إلى ذوينا في لبنان، اقترضت 36 يورو سعر بطاقة القطار ولا أظن أن ما بحوزتي- كما البقية هنا- قد يكفيني لأصمد حتى نهاية الأزمة”. وعن القرار الجديد بالسماح للفلسطينيين بالعودة على المقاعد الشاغرة في طائرات الإجلاء، تقول عبير “لا نملك سعر بطاقة القطار التي استدناها من أين سنأتي بألف يورو؟ حتى أهلنا لا يمكنهم أرسال أي مبلغ بسبب الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان وسياسات المصارف النقدية”.

‎ 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني