fbpx

من سانتياغو إلى بيروت والعراق: الحرية والديموقراطية بعد 75 عاماً

ربما تأجلت الثورة بسبب الوباء، ولكنها لم تنته بعد، إذ إن الحنين إلى الحرية والديموقراطية سيعيد إثبات وجوده من جديد ولكن ذلك لن يحدث تلقائياً. وإذا لم يعد الحنين تأكيد مكانته، فإن مستقبلنا الديموقراطي معرض للخطر

أحيا العالم يوم 8 أيار/ مايو من هذا العام ذكرى مرور 75 عاماً على هزيمة الفاشية ونهاية الحرب العالمية الثانية. راسلتني صديقة هنا في ألمانيا قائلةً إن هذا اليوم كانت له أهمية خاصة عند الألمان، فقد كان يوم تحرير بالنسبة إليهم، وأنهى عهد الاشتراكية القومية ووضع حداً للقتل الممنهج لستة ملايين من يهود أوروبا.

لم يكن أمامي سوى أن أوافقها الرأي مع تذكيرها بأن هذا اليوم لا ينبغي أن تزعم دولة بعينها أو جزء محدد من العالم بأهميته الخاصة لفئة معينة، نظراً إلى أن أهميته تتجاوز كثيراً حدود أوروبا الإقليمية. الادعاء بأن أوروبا هي من هزمت الفاشية في هذا اليوم يؤدي ببساطة إلى تعزيز الرواية الأسطورية المبالغ فيها بالفعل التي تصف الحضارة الأوروبية (وكذلك الأميركية) بأنها قاهرة الطغيان وحامية حمى الديموقراطية في القرنين العشرين والحادي والعشرين بينما يشهد تاريخنا بخلاف ذلك.

فقد قاتل جنود من أفريقيا وآسيا، خاصةً من شبه القارة الهندية، مع قوات الحلفاء ولاقى عدد كبير منهم حتفه خلال هذه الحرب. هذا اليوم مهم لنا جميعاً، فلولاه لما حصلنا -نحن الشعوب المُستعمَرة- على حريتنا قبل انتهاء عقد الأربعينات من القرن الماضي.

ولولا هذا اليوم لما تمكنت الدول الأفريقية، التي تم تقسيمها بين القوى الاستعمارية الأوروبية في بدايات القرن الماضي، من تحقيق استقلالها في ستينيات وسبعينيات القرن ذاته بينما كان الأفارقة يتوقون لنيل حريتهم. ولولا هذا اليوم لما ترسخت أفكار الحرية والديمقراطية والعلمانية في مخيلتنا الوطنية بالهند، وهي إرث ورثته شخصياً باعتباري أحد أبناء الجيل الأول من الهند الجديدة.

دفعت الدول المُستعمَرة أوروبياً ثمناً غالياً لنيل حريتها. فقد قُسمت الهند إلى دولتين عام 1947 وهو ما أسفر عن موت مليوني شخص، وتهجير 14 مليون آخرين، ومنذ ذلك التاريخ وهي تواجه عواقب تلك اللحظة الكارثية. وفي العام ذاته، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، المؤسسة حديثاً آنذاك، قراراً يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، ما أدى إلى تشريد الملايين، وفتح جرحٍ لم يلتئم حتى اليوم وأبقى فلسطين في عبودية أبدية.

مستقبلنا الديموقراطي معرض للخطر فيما قد يصبح القمع، والافتقار إلى الحريات، والمراقبة المتزايدة لأفعالنا باسم حمايتنا من الفايروس، هو الوضع الطبيعي الجديد. ولهذا السبب، وبينما نحن في حالة الإغلاق، علينا أن نبذل قصارى جهدنا لدعم أصوات المقاومة وإعلائها، أينما كنا.

لا يزال في جعبتي الكثير حول الآلام المروعة التي خاضتها معظم الدول التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار في سبيل نيل استقلالها. ففي ستينات القرن الماضي أصبحنا مركز الحرب الباردة، وهو ما يعني أن الدولة المؤسسة حديثاً في شمال الصحراء الكبرى وجنوبها، كانت تواجه باستمرار خطر زعزعة استقرارها بينما تتقاتل الكتلة الغربية من جهة والكتلة الشرقية من جهة أخرى لبسط نفوذها على الدول التي نالت استقلالها حديثاً.

لا يمكن أن ينسى من عاش منا في هذا الوقت اغتيال باتريس لومومبا عام 1961، الزعيم الوطني الذي ناضل من أجل الاستقلال وكان أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ جمهورية الكونغو، لأنه طلب دعم الكتلة الاشتراكية بعدما استنجد بالأمم المتحدة والولايات المتحدة لمساعدته في مواجهة انقلاب مسلح لكنه لم يلق جواباً. ونعلم جميعاً ما حدث للكونغو منذ ذلك الحين.

لم يتم التضحية بلومومبا وحسب، فقد لاقى كثيرون من قادة الدولة الأفريقية التي نالت استقلالها حديثاً المصير ذاته. ولم ينته الاستعمار الأوروبي لأفريقيا فعلياً حتى عقد التسعينات عندما نالت جنوب أفريقيا استقلالها.

إذاً، ما علاقة هذا بالوباء المتفشي في جميع أنحاء العالم الذي توقفت حياتنا بسببه طيلة الستة أسابيع الماضية مع احتمال أن يستمر الأمر أسبوعين إضافيين على الأقل؟ أولاً، إذا لم نعلم من أين أتينا؛ فإننا بالتأكيد لن نعرف أبداً إلى أين يجب أن نتجه. تحولت جائحة كوفيد-19 بالفعل إلى “قضية صحية” يمكن عملياً أن يتولاها خبراء الصحة وأن تديرها بحزم دول قوية تطالب مواطنيها بالطاعة الكاملة. وفي مرحلة ما، أصبحت الديمقراطية والحرية وحقوق المواطنين العاديين تحتل المرتبة الثانية في أماكن كثيرة بل وتكاد أن تنسى.

حرصت الإجراءات التي صاحبت الجائحة على أن يظل معظمنا في منازلهم، للحد من تقاربنا اليومي البدني مع من هم خارج نطاق العائلة المقربة وذلك لإبطاء معدلات انتشار الفيروس. لكن التشابه بين الإجراءات التي تتخذها الدول يتوقف عند ذلك الحد، لأن هناك أشكال مختلفة من عمليات الإغلاق التي تفرضها الدولة، وأساليب متعددة من نظم ضبط الأمن التي تتراوح من إجراء عمليات التفتيش وتوجيه التحذير وفرض الغرامات ونشر دوريات الشرطة في الشوارع، إلى أساليب العنف والإكراه الصريحة التي لا تستهدف من يخالفون القواعد فحسب، بل تمتد لتطاول من يرى النظام الحاكم أنهم لا يستحقون أن يكونوا مواطنين يتمتعون بالحقوق ويحظون بالاحترام. 

من بين أفضل الصور التي رأيتها، صورة لمتظاهرة عراقية تحمل لافتة كُتب عليها “فصلُ الدين عن الدولة أفضل بكثير من فصل الذكور عن الإناث!”

في الوقت ذاته، هناك أيضاً تجاهل تام ومطلق للبؤس المدقع والأزمة الوجودية التي يعاني منها ملايين الفقراء الذين لا تُعد حياتهم اليومية بأيّ حالٍ سوى صراع مستمر في مواجهة العوز والجوع وانعدام الأمان. كشفت الجائحة أن الوضع العام في الكثير من الدول هو الوضع الاستبدادي. وأظهرت لنا أيضاً مدى وحشية رأسمالية القرن الحادي والعشرين التي ازدهرت على ظهور الفقراء والمستضعفين.

أظهرت لنا مواد إخبارية النزعة الاستبدادية المتزايدة باطرادٍ عند الدول والقسوة المطلقة المرتكبة في حق الشعوب. وكالعادة برزت الهند بوصفها الدولة التي تلحق أضراراً جسيمةً بمواطنيها. فقد تقطعت السبل بنحو 450 مليون شخص ممن هاجروا داخلياً في الهند بحثاً عن عمل، وأصبحوا عالقين في العراء بسبب الإغلاق المفاجئ، بينما حاول ملايين العودة إلى قراهم.

وأفادت الصحف الهندية قبل أيام بأن قطار بضائع دهس مجموعة مكونة من حوالى 16 شخصاً من أولئك العمال المهاجرين الذين كانوا ينامون بالقرب من خط سكة حديد، أثناء عودتهم إلى منازلهم التي تبعد مئات الكيلومترات. علماً أن حركة قطارات الركاب التي كانت ستحملهم (وملايين غيرهم) بأمانٍ إلى ديارهم، قد توقفت بسبب الإغلاق الكامل الذي فرضته الحكومة! وهي الحكومة ذاتها التي أنفقت الملايين لإعادة مواطنيها من البلدان الأخرى جواً. لكن الفارق هنا هو أن هؤلاء الـ450 مليون عامل من الفقراء بينما كان الآخرون من أبناء الطبقة الوسطى وبناتها.

الهند ليست الوحيدة في هذا الشأن. فقد سمعت خبراً عن كينيا على قناة “بي بي سي وورلد نيو”ز يفيد بطرد آلاف الأشخاص من قرية فقيرة في نيروبي حتى في ظل استمرار حالة الإغلاق. وعانت الأمهات وأطفالهن الصغار وأسر كاملة من التشرد والخوف لأنهم قد يتعرضون لعقوبات إذا لم يلتزموا بقواعد الإغلاق. من الواضح أن الإغلاق يتم استغلاله لإزالة الأحياء العشوائية (بناءً على طلب ملاك الأراضي بالتأكيد) وبأقصى درجات الفاعلية، فلا أحد يتدخل ليدعم هؤلاء الفقراء.

في حين قامت حكومات عدة- استناداً إلى صلاحيات الطوارئ- باعتقال نشطاء وعلماء وصحافيين طرحوا أسئلة صعبة قبل فرض الإغلاق وفي أثنائه. نُشر في صحيفة “ذا واير” الإلكترونية الهندية التي تتسم بنهجها التقدمي واستقلاليتها خطاب مفتوح يحمل توقيع 1100 ناشطة نسوية من الهند، يطالب بالتضامن ويدين القمع الممنهج للمسلمين والناشطات في دلهي على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات ضد تعديل قانون المواطنة. يحدث هذا بينما تتفاقم أزمة كوفيد-19 وبينما تفرض الهند، شأنها شأن غيرها من الدول، حالة الإغلاق. وعلى نحو مماثل، في الجانب الآخر من العالم، أتاحت الجائحة للحكومة استغلال صلاحيات الطوارئ الكاسحة لاحتواء موجة احتجاجات الطلاب التي اندلعت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وتحولت إلى تمرد شعبي ضد الحكومة واكتسبت قوة عارمة لمواجهة الأخيرة.

الحديث عن التغيير

وهنا في الغرب، يتركز الحديث على التغيير، تغيير البنية التحتية العالمية النيوليبرالية التي كانت مسؤولة بشكل مباشر وغير مباشر عن عرقلة قدرة الدول على مواجهة الأزمة (بسبب عقود طويلة من التخفيض الممنهج للسلع العامة وتقويض دور الدولة في دعم مواطنيها). تسبب النظام الصحي الهش في الولايات المتحدة الأميركية والذي تأثر بعقود من قلة الاستثمارات العامة في البنية التحتية لخدمات الصحة والرعاية في جلب التعاسة والموت للآلاف في أغنى دولة في العالم. وبالمثل، يُعد معدل الوفيات في بريطانيا التي تمتلك واحداً من أفضل أنظمة الصحة والرعاية في أوروبا من أعلى معدلات الوفيات، إذ تجد البنية التحتية المتداعية والخاصة بالرعاية الاجتماعية العامة صعوبات في التأقلم مع عبء تزايد إصابات كبار السن.

في حوار مع وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس والاقتصادي الأيرلندي ديفيد ماكويليامز (منشور في صحيفة الغارديان بتاريخ 6 مايو/أيار 2020) أعرب كلاهما عن الأمل بصفقة عالمية جديدة. وقد وجد كلاهما علامات باعثة على الأمل تتمثل في أن الدولة (في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية) عادت إلى تنظيم السلع الاجتماعية والتدخل في الاقتصاد، فقد زادت الدول الأوروبية الإنفاق العام لتخفيف آثار الأزمة كما اقترضت كثيراً. ومع أن هذه العلامات المبشرة قد تشير إلى تعليق قواعد الرأسمالية، إلا أنها لا توحي بتغيير في مؤسسات التمويل ورؤوس الأموال. لتحقيق ذلك التغيير، ينبغي أن تشكل الدول الأعضاء تصوراً جديداً لما ينبغي أن يكون عليه الاقتصاد، إن كانت تسعى إلى تحقيق النفع لمواطنيها على نحو متكافئ وليس للبنوك فقط. وينطبق هذا أيضاً على المؤسسات المالية الدولية، فالتغيير لن يحدث من تلقاء نفسه بل يحتاج إلى وجود فاعل لهذا التغيير. لا تملك الأسواق المالية إرادة خاصة بها بغض النظر عن مساعي المؤسسات المالية والسياسية والتنموية لإصلاح الأسواق اليوم ومنحها القدرة على الفعل. إذ إن ذلك صفة خاصة تميز البشر.

ليست الحرية والديموقراطية من مُسلمَّات قائمة على الدوام بل هما مثل موارد يجب أن تجدد في كل الفترات الحاسمة من خلال أفعالنا وكفاحنا. في الوقت الحاضر، وحتى قبل ظهور الجائحة، كنا نعاني أزمة في الحرية والديموقراطية في شتى أنحاء العالم، إذ شهد العالم صعود اليمين والأنظمة الشعبوية بخطابها القومي الذي يكاد يكون فاشياً. وقد أصابت هذه الموجة من شعبوية اليمين رؤساء الدول في الشرق والغرب والشمال والجنوب. لكن التوق إلى الحرية والديموقراطية لم يتلاشَ خلال السنوات الـ75 المنقضية. ربما زاد الخصوم وتشعبوا، لكن المطالبات بحرية البشر والديموقراطية تزايدت أيضاً. من تشيلي إلى كولومبيا، ومن لبنان إلى العراق والهند، تصاعدت مطالبات التغيير منذ تشرين الأول حتى آذار/ مارس هذا العام، عندما تسبب فرض الإغلاق في توقف موقت لهذه التحركات الضخمة.

ثورات أكتوبر

“أرسل إلىّ صديق من سانتياغو في تشيلي هذه الصورة حيث كتب: “لا، إنها ليست أزمة انهيار اقتصادي بل أزمة رأسمالية… من بيروت إلى سانتياغو” (من صفحة لينا أبو حبيب على فايسبوك بتاريخ 8 شباط/ فبراير). ما بدأ في شيلي كاحتجاجات طلابية ضد ارتفاع سعر تذاكر المترو في تشرين الأول 2019  تحول إلى انتفاضة عمت أرجاء تشيلي للمطالبة بتغييرات جذرية في النظام الاقتصادي والسياسي للدولة. قرأت أول مرة عن الانتفاضة الوطنية في تشرين الأول، ولم أكد أستوعب أهمية هذه الانتفاضة حتى ذهلت بسيل من الأخبار عن انتفاضة لبنان، التي أصبحت تُعرف في ما بعد باسم ثورة أكتوبر. وبفضل لينا، صديقتي القديمة في بيروت، تمكنت من متابعة هذه الثورة عن كثب وأدهشتني طرائق التنظيم وتعدد الأصوات وإصرار الحراك الشديد. وبدأت أقرأ أيضاً أخباراً من المنطقة العربية ذاتها عن انتفاضة العراق أو ثورة تشرين الأول وهي الانتفاضة الأكبر منذ الغزو الأميركي للعراق. وبالتأكيد، هناك كولومبيا أيضاً في أميركا الجنوبية، حيث تعيش صديقتي ساندرا والتي زرتها عام 2018، وغيرها الكثير من الدول التي انطلقت فيها جموع المواطنين مطالبةً بتغيير الأنظمة التي تمنح امتيازات للبعض في حين تضطهد العديد.

لكن ما هي مطالبهم؟ لقد كانت الرسالة واضحة في تشيلي – وهي إحداث تحول حقيقي وليس مجرد تغيير النظام والحكم والمؤسسات السياسية والمالية، ليكون النظام مُعبراً عن المساواة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. وقد ترددت أصداء رسالة مماثلة عبر هذه الحركات في كل ركن من أركان العالم، على رغم تباين السياقات والقضايا المُلحة.

في لبنان شكلت الأزمة المصرفية الهائلة أحد العوامل الاستفزازية المُلحة عام 2019، ففيما لم يستطع الناس الوصول إلى حساباتهم المصرفية لسحب أموالهم لشراء احتياجاتهم اليومية، كان بوسع الأثرياء فقط الحصول على الأموال. واستمرت الاحتجاجات التي اندلعت لأول مرة في 17 تشرين الأول 2019 لعدة أشهر، وتجددت في الآونة الأخيرة، مطالبةً بإحداث تحول حقيقي يشمل الجميع. وكانت القضايا الأساسية التي أكد عليها الشعب، والتي تناقلتها وسائل الإعلام الدولية أيضاً، تتمثل في الغضب الشعبي إزاء ارتفاع مستويات الفساد في الحكومة والخلل وسوء الإدارة الذي يعاني منه لبنان.

تعارضت الثورة مع النظام السياسي الطائفي السائد في البلاد الذي يقسم السلطة السياسية على أساس الانتماء الديني، إذ يُعد لبنان مزيجاً متنوعاً يتألف من 18 طائفة دينية مختلفة. وعلى رغم أن تلك النزعة الطائفية نشأت في البداية خلال الاستعمار، فقد تجسدت بصورتها الحالية منذ نهاية الحرب الأهلية والاتفاق الذي توصلت إليه الأطراف المتنازعة عام 1989. هذا النظام يستغله الساسة اللبنانيون، الذين كان كثر منهم أباطرة حرب طائفيين خلال الحرب الأهلية، بهدف تقسيم السلطة فيما بينهم والإفلات من المُساءلة.

في عشية تشكيل حكومة جديدة على الأساس الطائفي القديم، كتبت لينا منشوراً على موقع “فايسبوك”، جاء فيه: “بوصفنا مجموعة تؤيد العدالة الاجتماعية، نرفض منح هذه الحكومة ثقة مجلس النواب ونكرر مطالبتنا المستمرة بتشكيل حكومة مستقلة غير طائفية تعمل على إنقاذ الوضع الاقتصادي لمصلحة الشعب، وليس لمصلحة الأقلية الحاكمة التي لا تُمثل سوى 1 في المئة من الشعب اللبناني”. (منشور على فايسبوك في 9 شباط 2020).

أما في العراق، فقد بدأت سلسلة الاحتجاجات المستمرة، التي شملت تظاهرات ومسيرات واعتصامات وحملات عصيان مدني، في الأول من تشرين الأول 2019، وهو التاريخ الذي حدده نشطاء المجتمع المدني على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشر في المحافظات الوسطى والجنوبية، من أجل الاحتجاج على الفساد والبطالة وعدم كفاءة الخدمات العامة. ثم تصاعدت حدة الاحتجاجات وتحولت إلى دعوات شاملة للإطاحة بالإدارة.

في كولومبيا، بدأت الاحتجاجات في 21 تشرين الثاني/ كولومبيا 2019 وشارك فيها آلاف الكولومبيين من  كافةالطوائف والثقافات. فقد اندلعت التظاهرات احتجاجاً على الإصلاحات الاقتصادية والسياسية القاسية التي اقترحتها الحكومة لمصلحة “عمليّة السلام الكولومبيّة”.

على رغم أن الاحتجاجات كانت سلمية في معظم الأحوال، فقد شابها بعض أعمال العنف في بعض الأماكن، ليس بسبب المحتجين بالضرورة، ولكنها نشبت في أحيان كثيرة بين العملاء المحرضين وقوات حفظ القانون والنظام، وكانت الهجمات التي استهدفت المتظاهرين في تشيلي والعراق عنيفة بشكل خاص. وفي كولومبيا، سيطر على التظاهرات السلمية رجال العصابات العنيفة الذين أكدت ساندرا أن لا علاقة لهم بالمحتجين. كان ثبات هذه الحركات واستمرارها، في ظل إجراءات الإغلاق، أمراً مُدهشاً. فقد عادت الاحتجاجات إلى شوارع بيروت في 21 نيسان/ أبريل في شكل جديد وفقاً لقواعد الإغلاق في ما يتعلق بالتباعد الجسماني، فقد توجه مئات المحتجين في مسيرات ضخمة بالسيارات نحو المجمع الذي اجتمع فيه أعضاء البرلمان لتمرير قوانين عدة في ذلك اليوم، ورفعوا أعلام لبنان، بينما وضعوا كمامات وقفازات للدلالة على أنهم متحدون في مكافحة الفايروس ونظامهم السياسي المُتعفن.

من سانتياغو إلى بيروت

سعت هذه الحركات من سانتياغو إلى بيروت إلى التواصل أو بالأحرى إلى إدراك وجود صلات بالفعل. فقد قالت الصديقة المشار إليها أعلاه التي نشرت رسالة “من سانتياغو إلى بيروت” في منشورها: “لم يستطع حتى فنانو الرسم على الجدران تحديد موقع لبنان على الخريطة! أو ما الذي يجري هناك. إلا أنني وجدت أن هذه الصلة مثيرة للدهشة. إذ إن الأزمة اللبنانية في المقام الأول هي أزمة الرأسمالية المتوحشة، تلك الرأسمالية في نسختها الإجرامية التي قادتنا حتى الآن”. وفي اليوم الذي ظهر فيه هذا المنشور، انتشر آخر جاء فيه: “إليكم هذا الرسم على الجدران الذي شوهد اليوم على جدار كنيسة مار مارون في وسط بيروت والذي يبرز العلاقة بين لبنان وتشيلي. إن ثورة لبنان تستشهد بثورة تشيلي على جدار الكنيسة”.

تمخض عن هذه الحركات موجة جارفة من الأعمال الثقافية التي عملت كدعامة لخلق معاني جديدة ومشتركة لما تريد الشعوب أن تكون عليه والمسار الذي تود اتباعه. فقد اكتست اللافتات والشعارات والصور الفوتوغرافية بطابع رمزيّ. ومن بين أفضل الصور التي رأيتها، صورة لمتظاهرة عراقية تحمل لافتة كُتب عليها “فصلُ الدين عن الدولة أفضل بكثير من فصل الذكور عن الإناث!”. جاء ذلك في أعقاب دعوات الفصل بين النساء والرجال في التظاهرات التي جاءت على لسان بعض الشخصيّات الدينيّة!

النساء والعابرون جنسياً

لعل الوجه البارز لهذه الحركات كان النساء إضافة إلى العابرين جنسياً وغيرهم ممن لديهم توجهات جنسية غير تقليدية. فقد قالت ميليسا مدينا (25 سنة)، من تشيلي: “لقد ناضلت جدتي ضد الدكتاتورية؛ وكافحت أمي في زمنها، وها أنا الآن أم لطفلة في السادسة من عمرها، وقد حان دوري للاحتجاج. نحن نريد تغييرات طويلة المدى آمل أن تستمتع بها ابنتي خلال 20 عاماً”، (صحيفة الغارديان، الطبعة الدولية، 30 تشرين الأول 2019). في حين أصرت رنا من لبنان، في حديثها عن الثورة، على أن “البعض يقولون إن رهاب المثلية الجنسية لا علاقة له بالثورة، ولا مجال لاستيعاب كل شيء. ولكننا نريد أن نتحدث عن كل شيء الآن. إذا لم نصدح بأصواتنا الآن، فلن نتمكن من التحدث لاحقاً”.

وقد تكرر هذا الرأي على لسان تامي كابيزيس، الذي يبلغ من العمر 21 عاماً من تشيلي، حين قال: “لقد جئت لتمثيل الأشخاص المتحولين جنسياً. نظراً إلى أن متوسط العمر المتوقع للشخص المتحول جنسياً في تشيلي هو 35 عاماً، فإن المطالب التي يكافح العديد من الناس من أجل نيلها – مثل الحصول على معاشات التقاعد اللائقة – لا نستطيع حتى أن نحلم بها. إننا نتظاهر فمن دون ثورة جنسية لا توجد ثورة اجتماعية” (صحيفة الغارديان، الطبعة الدولية، 30 تشرين الأول 2019).

“أريد أن أُعامل كإنسان سواء كنت لاجئاً، أو عابراً جنسياً. المهم هو أن لي حقوقاً وأريد المطالبة بها” (مايا من لبنان). 

ربما تأجلت الثورة بسبب الوباء، ولكنها لم تنته بعد، إذ إن الحنين إلى الحرية والديموقراطية سيعيد إثبات وجوده من جديد ولكن ذلك لن يحدث تلقائياً. وإذا لم يعد الحنين تأكيد مكانته، فإن مستقبلنا الديموقراطي معرض للخطر فيما قد يصبح القمع، والافتقار إلى الحريات، والمراقبة المتزايدة لأفعالنا باسم حمايتنا من الفايروس، هو الوضع الطبيعي الجديد. ولهذا السبب، وبينما نحن في حالة الإغلاق، علينا أن نبذل قصارى جهدنا لدعم أصوات المقاومة وإعلائها، أينما كنا.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يتحتّم على أيّ حلّ يهدف إلى استمرار الحصول على الأدوية بأسعار معقولة أنْ يكفل إتاحتها لجميع الفئات السكّانيّة حتّى الذين لا تشملهم التغطية التأمينيّة، لا سِيَّما في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة.
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني