fbpx

لبنان: السلطة إذ تحاكم شعبها على “نفس نرجيلة”!

هل تعود الأموال المنهوبة إذا رحل العمّال الأجانب إلى بلدانهم؟ وما العلاقة بين تدهور القدرة الشرائية ونواطير الأبنية المساكين؟

حسمت السيدة الثالثة الجدال. أخبرتنا أنّ علينا أن نمسك شهاداتنا وأحلامنا ورغباتنا ونحرقها بدل الوقود في الشتاء المقبل، لنتدفأ أو نطبخ ونضيء المكان ليدرس أطفالنا أو يقرأوا قصصاً قبل النوم. السيدة الثالثة راسمة هذا المشهد الرومانسي، هي زوجة الرجل الثالث في الجمهورية اللبنانية، رئيس الحكومة المبتسم دائماً حسان دياب.

السيدة الثالثة ونائبة رئيسة الهيئة اللبنانية لشؤون المرأة نوار مولوي دياب، قالت إنّ على “الصبايا” أن يتواضعن ويعملن في تنظيف البيوت، وذلك للتخلّص من العمالة الأجنبية التي تأخذ موارد البلاد من أمامنا. أما الشباب فعليهم أن يعملوا نواطير على الأبنية، “الشغل مش عيب”، وهكذا أيضاً يرحل النواطير الأجانب ونعيش عيشة هانئة إلى الأبد. السيدة دياب اختزلت ازمة لبنان بالعمالة الاجنبية واعتبرت أن الدولارات القليلة التي ينتجها هؤلاء جراء أعمال مرهقة هي ما يستنزف اقتصادنا وان الحل لتوفير قوانين عادلة بدل نظام الكفالة المخزي هو ان نوقف العمالة الاجنبية ليأخذ اللبناني تلك الحقوق لا أن يتساوي الجميع أمام القانون وحق العمل. وبصرف النظر عن حجم العنصرية في ما تقوله، إلا أن تسطيح المشكلة بهذا الشكل، تسطيح لوجعنا، يا مدام دياب، ومحاولة لتحميلنا نحن، أي الشعب، وزر كل شيء.  لذلك نودّ أن نسأل، هل تكف الليرة عن الانهيار إذا أحرقنا شهاداتنا وانصرفنا إلى تنظيف البيوت؟ هل تعود الأموال المنهوبة إذا رحل العمّال الأجانب إلى بلدانهم؟ وما العلاقة بين تدهور القدرة الشرائية ونواطير الأبنية المساكين؟

حسان دياب وزوجته وابنته

وفعلاً تبدو نساء لبنان محظوظات بأن تكون رئيسة “الهيئة الوطنية” لشؤون المرأة هي ابنة رئيس الجمهورية، كلودين عون ونائبتها، هي مدام دياب. كان بإمكان السيدتين أن تمنحا سيدتين لبنانيتين منصبيهما مثلاً، وكان يمكن أن تقترح مدام دياب ذلك مثلاً، ما دامت حريصة علينا. أو كان جميلاً لو أنها لم تقل أي شيء وانصرفت إلى إقناع الهيئة وعلى رأسها السيدة كلودين صديقتها، بحق المرأة اللبنانية في منح الجنسية لأطفالها مثلاً، بدل غرق الهيئة العتيدة في كليشيهات “المرأة نصف المجتمع” و”الدنيا أمّ”، وكأن اعباء المنزل هي لزام على النساء لا مسؤولية يجب أن يتشارك فيها الجميع. هي كليشيهات لا تضع أي إصبع على جرح النساء جراء الاجحاف القانوني والاقتصادي بحقهن وهو جرح ينزف بلا هوادة، والآن تريد السيدة دياب الاستمرار في التنميط، على قاعدة أن النساء يتقنّ التنظيف! ما دام ذلك صحيحاً نطالب السيدة دياب بأن تستغني عن مساعدتها المنزلية  وربما نطالبها بالاعتناء جيداً برئيس حكومتنا، ذلك أنه يضطر إلى الإكثار من المؤتمرات الصحافية والاجتماعات في الفترة الأخيرة. “يعطيه العافية”.

من هي السيدة الثالثة؟ هي زوجة الرجل الثالث الذي نشر كتاباً عن إنجازاته يوم كان وزيراً للتربية والتعليم العالي بين عامي 2011 و2014، في حكومة نجيب ميقاتي. ويبدو أنها تشبهه بما يكفي، وربما تكون حياتهما الزوجية مثالية في هذا السياق. هي تنصح اللبنانيين بالتواضع وتنظيف البيوت وحراسة الأبنية بدل العمل بشهاداتهم وبدل تأمين فرص عمل عادلة بصرف النظر عن الجنسية والجندر، وهو يفكّر بنشر كتيّب عن إنجازات حكومته العتيدة.

سألتُ صديقاً لي، عمّا فعله له العهد القوي منذ سنوات وإلى الآن، فسألني مباشرةً وبلا تردد: “وماذا فعلت لكِ الثورة؟”.

وفي اليوم ذاته لتصريح مدام دياب، تولّى وزير الداخلية في حكومة الإنجازات تلك، تطبيق المثل اللبناني “كمل النقل بالزعرور”، إذ أخبرنا أنّ المشكلة الأساسية هي فينا نحن اللبنانيين، فقد خرج علينا الوزير يقرع المواطنين متهماً اياهم بالتراخي في الاستجابة لقرارات الحكومة بشأن الحجر المنزلي وبأننا بذلك نخدم “المشروع الصهيوني” الرامي إلى تفكيك المجتمع. مرّة أخرى، نحن الشعب، وحدنا المذنبون. جلس وزير الداخلية محمد فهمي في مقابلة تلفزيونية وطفق يوبّخنا، لأننا “أنانيون” وغير واعين، ونرتكب “النكايات”، وأنهى خطبته بأن “خوّفنا” بالعدو الصهيوني، تماماً كما يفعل “حزب الله” وصحبه بنا، في نهاية كل شيء وقبل كل شيء. حتى حين انتفضنا من أجل لقمة عيشنا، تمّ تهديدنا بأننا نخدم مشروعاً صهيونياً أميركياً امبريالياً. فيما المسؤول عن تجويعنا وتحويل أحلامنا هباءً، غير متّهم بشيء ويتمشّى بيننا ويخطب بنا ويغضب منّا وعلينا!

سألتُ صديقاً لي، عمّا فعله له العهد القوي منذ سنوات وإلى الآن، فسألني مباشرةً وبلا تردد: “وماذا فعلت لكِ الثورة؟”. نعم المشكلة تدار على الناس، ويسهل حينها أن يتنصّل كل واحد من مسؤوليته، كما تنصّل وزراء الطاقة من فضيحة الفيول المغشوش، وكما تنصّلت المصارف ومصرف لبنان من انهيار الليرة، ورمي الأمر على صرّافين هنا وهناك، ليكونوا كبش محرقة يفدي المذنبين الكبار. (وهنا لسنا بصدد الدفاع عن هؤلاء طبعاً، لكنّ توجيه الكاميرات والأخبار عليهم يعني في ما يعنيه تبرئة آخرين).

لا شكّ في أننا سمعنا أكثر من مرة من يقول إنّ الشعب اللبناني يستحق الحرق، وأكثر من يقول ذلك هم المنتمون إلى الأحزاب الحاكمة، هؤلاء يخبرونك أنّ الشعب الذي سكت عن السرقات وأتى بهؤلاء الحكّام يستحقّ ما أصابه.. بغض النظر عن السيكيزوفرينيا التي تستولي على عقل تابعي الأحزاب، لكن يبدو أنّ هذا الخطاب الشعبي الذي قد يدور في جلسات النرجيلة وصبحيات القهوة، أصبح خطاباً رسمياً، وبات من في الحكم من أحزاب وممثلين عنها، يجرؤ كل يوم على توبيخنا وتحميلنا مسؤولية فشله وسرقاته وتفاهته.

ويبدو أن ما قاله وزير البيئة السابق فادي جريصاتي عن النفايات: “اللي ما بدو يفرز ببيتو ما يسمّعني حسّو”، سيصبح خطاباً روتينياً ووطنياً وعادياً، يُستخدم لتهدئة النفوس وشراء الوقت وتمييع المسؤوليات وتسخيف معاناتنا، بأن نصبح نحن المتّهمين لا الضحية! 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يمنى القاضي – صحافية مصرية
أسباب انطلاق تلك الاحتجاجات، تعود إلى حملات الإزالة التي قامت بها السلطة التنفيذية، استناداً إلى قانون التصالح الجديد في مخالفات البناء، واستفاد محمد علي وجماعة الإخوان المسلمين من هذه الاحتجاجات وروّجوا فكرة أنها أتت استجابة لدعوات أطلقوها.

2:57

2:57

2:09

2:09
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني