عهد الاستظهار اللبناني: “حدّق أتذكر من أنا؟!”

هو عهد الاستظهار. عهد الإنشاء اللغوي الفارغ، الذي يحاول كتابة الغزل بشعب لا يحبه، غزل زائف لم يعشه، غزل كغزل سعيد عقل، "غير معاش مطلقاً".

في أحد حواراته مع هنري زغيب يعترف سعيد عقل بأن الشعر عنده افتعال. هو يفتعل كتابة الشعر “ضمن خطتي الواعية في سياقي الشعري”. يقول إنه يكتب الشعر، وتحديداً الغزل، “في سبيل خلق وطن عظيم يقوم على عواطف الغزل الراقي”. يقرّ سعيد عقل بأنه يكذب، يفتعل غزلاً غير موجود وغير معاش: “صحيح أن بعض الغزَل عشتُه في مطالع حياتي، لكنني في ما بعد صرت أكتب قصائد غزَل غيرَ معاشة مطلقاً”. كان سعيد عقل معجباً بميشال عون، رئيس جمهوريتنا الحالي. وكان ميشال عون معجباً بسعيد عقل. وربما يعرف عون تماماً هذه القاعدة لدى شاعره المفضّل. وهو لعلمه أن اختلاق وطن عظيم كوطن سعيد عقل المفتعل، يحتاج إلى شعر مفتعل، كتب على “تويتر” أخيراً: “فلتتعانق أصوات المآذن مع قرع الأجراس ولتصمت كافة الأصوات التي تعبث بوحدتنا الوطنية”. أوليس هذا “شعراً” مفتعلاً لوطن أكثر افتعالاً؟ 

ليس الأمر مقتصراً على الرئيس. فالاستشعار المفتعل، الموغل في استخدام المبالغات البلاغية الفارغة، يكاد يكون نهج حكومة العهد.

ليس الأمر مقتصراً على الرئيس. فالاستشعار المفتعل، الموغل في استخدام المبالغات البلاغية الفارغة، يكاد يكون نهج حكومة العهد. فوزير الصحة حمد حسن كتب على “تويتر” أكثر من “قصيدة” لا يستطيع المرء إزاءها إلا أن يتذكر مشهد السخرية من الشعر الحديث في مسرحية زياد الرحباني “نزل السرور”، فعلى غرار “هوت سنونوتي على الرماد”، كتب حسن على حسابه على “تويتر”: “يؤلمني الجدل التائه بين فضائل القيم وإدعاء المعروف، فيعلو الصوت المغرِض ويتلاشى الصدى الراجح في رفضِ الأنا رغم الأنين ورجاحة المنطق المفقود؛مجاهراً بصّك العرفان بصداقةٍ وأنت هول الوباء؛ باللحم الحي نعم مدرِكاً فظاعة الادعاء أُسدِل الستار اليوم حيّ على الفلاح”، وأثار بهذه القصيدة التي نالت ما يقارب 7 آلاف إعجاب، سخرية كثيرين ممن لم يفهموا حرفاً واحداً مما كتبه الوزير. 

وزير الصحة اللبناني حمد حسن

والغريب هو وجود 7 آلاف شخص يُفهم من تفاعلهم مع المكتوب أنهم فهموه وأعجبهم، أو أنهم استسلموا لقصورهم عن فهم النص المفتعل، فسلّموا لعظمته، على طريقة رامز الذي يقول لنجيب في مسرحية الرحباني: “والله عظيمة قصايده كلها معاني وعبر بس بدك مين يفهم… هلق نحنا منفهم قده ولك يا نجيب؟”، فيجيبه نجيب: “ما بدنا نفهم قدّه بس بدنا نفهم عليه”. 

عملياً، هناك 7 آلاف رامز تعاملوا مع تغريدة الوزير على أنها عظيمة و”كلها معاني وعبر بس بدك مين يفهم”. ولم تكن هذه القصيدة زلّة، أو استشعاراً آنياً من الوزير، بل تكاد تتحول إلى نهج في مخاطبة اللبنانيين، وقد سبقتها تغريدة لم تحد عن هذا الافتعال المبالغ فيه، والعصي على الفهم: “في وعينا الراقي مع نبرة الوباء دار الجدلُ بين واقعٍ شرير وبزوغ الأمل ما سلكتُ من دربٍ بعيدٍ عن فطرةِ إنسان ومداوٍ في صدر الألم، فسالت أطيافُ الصدقِ طوّاقةً إلى الخير في كرامة الوطن الضائع، يقيناً ننسجهُ سوياً من وحي آحلامنا المتواضعة على درب قيامة لبنان وبكل التزام”. طبعاً “طوّاقة” في هذه القصيدة مقصودة بالطاء بدل التاء، لتكون “فجّة وواقعية” كما هي الحال في “لكل سؤال جواد” لدى شاعر “نزل السرور”. وهذه التغريدة نالت أكثر من الثانية ووصل معجبوها إلى ما يزيد على 7 آلاف و500 مشترك على “تويتر”. 

هل فهموها؟ لا يهمّ. هي قصيدة افتعالية، استظهارية، لا يهمّ معناها بقدر ما يهمّ الهدف منها: اختلاق وطن غير مفهوم وبعيد كل البعد من الواقع، ويصلح فقط ليكون على لسان الأطفال في المدارس، مع الاعتذار من إيليا أبو ماضي: “وطن النجوم أنا هنا حدّق أتذكر من أنا”، والاعتذار أيضاً من ميخائيل نعيمة: “سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر”. فتغريدات الوزير تحاول ان تستنسخ بتشويه بالغ الأثر هذا النوع من الشعر، الذي يبتعد كل البعد من الواقع ليتمسك بالوهم، تمسّك الطفل بطرف ثوب أمه في السوق، لكي لا يضيع في الزحام. وهذا التشويه للشعر الاستظهاري الذي أفسد خيال التلاميذ في مناهجنا التربوية المتخلّفة، ورفع صخرة الوطن وعلّقها بالنجم، كما فعل سعيد عقل، هو إمعان في عملية إنكار الواقع والهرب بالكلام المفتعل، إلى صخرة الخيال المعلّقة بالنجم. ولا تحيد قصيدة وزير التربية طارق المجذوب على “تويتر” عن هذا النهج لدى حكومة العهد: “كنّا من رافضي قشور السياسة، الداعين إلى إحياء صورتها الجوهريّة الرسوليّة. إنّ السياسة نقاء وحكمة وفضاءُ رؤيا. السياسة تقفز من الأمس إلى الغد… ما ذنبُنا، ما ذنبُنا إذا كنّا من دعاة السياسة/ العقل، والسياسة/ العطاء، والسياسة/ الصدق، والسياسة/ المشاركة!”.

هل فهموها؟ لا يهمّ. هي قصيدة افتعالية، استظهارية، لا يهمّ معناها بقدر ما يهمّ الهدف منها

هو عهد الاستظهار. عهد الإنشاء اللغوي الفارغ، الذي يحاول كتابة الغزل بشعب لا يحبه، غزل زائف لم يعشه، غزل كغزل سعيد عقل، “غير معاش مطلقاً”. مع فارق أساسي: سعيد عقل يكتب شعراً جميلاً ومفهوماً، وإن كان مفتعلاً وقائماً على الكذب. أما “شعراء” العهد، فيكذبون بأدوات ركيكة، وأسلوب ركيك، وأفكار غير مفهومة ومشوّهة، “على درب قيامة لبنان وبكل التزام”! 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

محمد خلف – صحافي عراقي
“أصحاب نظريات المؤامرة يميلون إلى أن يكون لهم شيء واحد مشترك وهو إيمانهم بأن قوى سرية تحرك الأحداث الجارية حولهم وأنهم بالتالي لا يمتلكون مقدرة التحكم أو السيطرة على حياتهم”.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التمييز بين النظام وبين الفساد يكاد يكون مستحيلاً، فالسنوات المديدة التي جُعل خلالها النظام الحر اللبناني موظفاً لدى نخب الفساد وأهله وطوائفه ومذاهبه، أفضت إلى عملية تماه كلي بين طرفي المعادلة، أي الفساد والنظام، لا بل إلى علاقة أبوة ربطت الأول بالثاني.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القصة لم تبدأ من خطبة أحمد قبلان. موت الصيغة والميثاق والطائف واهتزاز الكيان بدأت معالمها تظهر منذ أمد بعيد. فتح الحدود لـ”حزب الله” للقتال في سوريا مثل نهاية لقصة لبنان الكبير.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هشام طلعت ومحسن السكري يعيشان أحراراً اليوم، فمن سيهتم لعدالة امرأة ابتذل كلام كثير حولها، وها قد مرت بضع سنوات كافية لينسى العالم أمرها، فليعد المقاول الى حظوته، وليخرج الضابط الذابح من سجنه.
غياث الجندي – صحافي سوري
“هل تشتاق إلى سوريا؟” سألني أحد الشباب فجأة حين رأى نظري يسرح باتجاه درعا.”لا ليس هنالك اشتياق”.”لماذا أتيت إلى هنا إذاً؟” سألني. أجبته: “لأرى سوريا من الجهة الأخرى”.
ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
ثمة تاريخاً غامضاً للنظام السوري، في الحقبة الأسدية، هو التاريخ المحجوب، لمصلحة سردية تحيل كل شيء في سوريا، للنظام الذي أسسه، أو سيطر عليه، حافظ الأسد…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني