الصحافة المستقلة وحرية التعبير أول ضحايا “كورونا”

يواجه الإعلاميون في جميع دول العالم تحديات جديدة، تحديات تقنية غير مألوفة، إضافة إلى تضييق وتقييد من الحكومات ومؤسساتها المختلفة.

تضاعفت تلك التحديات في زمن فايروس “كورونا” الذي وضع البشرية في مواجهة تسونامي الموت والخوف والرعب، بعدما ابتلع مئات آلاف الضحايا من دون تمييز في اللون والعرق والجنس، أو في الحالة الاجتماعية أو البيئة الحياتية. 

وضعت قوانين حالة الطوارئ التي فرضتها حكومات ديموقراطية وديكتاتورية على حد سواء، وخصوصاً في بلدان أوروبا الشرقية المنضوية في الاتحاد الأوروبي مثل هنغاريا ورومانيا وبلغاريا، على الصحافيين  قيوداً على حق الوصول إلى المعلومات، إلى جانب مراقبة المحتوى الإعلامي، وملاحقة الميديا المستقلة، تحت ذريعة ترويج معلومات كاذبة أو أخبار ملفقة للتشكيك بصدقية مؤسسات الدولة، بما تقدمه من معلومات. المشكلة الأهم هي أن من يحدد طبيعة هذه المعلومات وشكلها ومحتواها، ليس المؤسسة القضائية أو جهات حقوقية مستقلة، بل الحكومة وأجهزتها المعنية.

تحتفل الأمم المتحدة منذ عام 1993 بلا انقطاع، بهدف تكريس دور الإعلام، ولفت الانتباه إلى ضرورة التزام مبادئه الأخلاقية، وحماية حق الصحافيين في الاستقلالية والدفاع عن حقوقهم في حال التعرض لانتهاكات من الحكومات.

تشهد الميديا خلال الأشهر الأخيرة ومنذ ظهور الوباء وانتشاره أجواء غير طبيعية تفاقم أزمة المؤسسات الإعلامية المالية، وهي تقاوم ضغوطاً وقيوداً وانتهاكات في أكثر من 100 دولة حول العالم، تزداد وتيرتها مع تنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي، وتدخل الدول في الواقع الإعلامي بتمويل مواقع إلكترونية تنشر معلومات كاذبة في إطار مواجهات جيوبوليتيكية إقليمية ودولية.

رفعت منظمة “مراسلون بلا حدود” شكوى إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الصحة، داينيوس بوراس، ونظيره المعني بالحق في حرية الرأي والتعبير ديفيد كاي، يندد رسمياً بالدول التي تعرض صحة الناس للخطر من خلال انتهاك الحق في الوصول إلى المعلومات في زمن “كورونا”. هذا فيما قال الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرش إن “الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام يضطلعون بدور بالغ الأهمية في مساعدتنا على اتخاذ قرارات مستنيرة يمكن أن تنقذ حياة الناس من الموت فيما يكافح العالم كوفيد-19”.

الصحافة في الأزمات والكوارث

المنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء (WAN-IFRA) التي يتألف مجلس إدارتها من أكثر من 60 ممثلاً للجمعيات الوطنية للناشرين، إضافة إلى كبار مديري شركات الإعلام حول العالم، تتمثل مهمتها في حماية حقوق الصحافيين في جميع أنحاء العالم وتزويد أعضائها بالخدمات المهنية ومساعدتهم على النجاح في العالم الرقمي وتنفيذ دورهم الحيوي في المجتمعات المفتوحة. أصدرت المنظمة بياناً قالت فيه إن “الصحافة الجيدة بدأت في مثل هذه الأوقات التي انفجرت فيها الأزمات وأن الصحافيين الجيدين يجعلون قادتنا مضطرين لأن يكون أكثر تحملاً للمسؤولية، من خلال مراقبة سياساتهم وقراراتهم وسلوكهم السياسي، ودفعهم إلى تنفيذ ما يقدمونه من وعود للمجتمع”.

أكدت منظمة «مراسلون بلا حدود»، أن “دولاً تفشى فيها الفايروس مثل الصين وإيران لم تتمكن وسائل الإعلام فيها من أداء وظيفتها”، أما في تركمانستان فحظرت الحكومة استخدام تعبير “فايروس كورونا” في وسائل الإعلام الحكومية.

ورأت أن “دور الصحافة في الأزمات يصبح أكثر أهمية وفائدة”. ورأت وان- ايفرا) أن “الجائحة وضعت الصحافة المستقلة في الخط الأول من جبهة مكافحتها، بتقديمها المعلومات الخاضعة للدقيق، والأخبار المؤكدة التي تنقذ الحياة الإنسانية، بخاصة في البلدان التي تتلكأ أو تتأخر سلطاتها  في اتخاذ الإجراءات في الوقت المناسب”. واعتبرت أن “الصحافة المستقلة ذات أهمية حيوية للجميع ولكل فرد، بغض النظر عما إذا كان العالم يواجه الأزمات والكوارث العامة، أو الحديث عن بواعث القلق أو الخوف في أي منطقة في العالم، لأن دورها يتركز في الدفاع عن المصالح الاجتماعية، إدراكنا لماهية القرارات التي نتخذها حيال من نواجه من أحداث وتطورات مختلفة”.

تحولات عدوى الفايروس اللعين، بعدما اكتسبت شكل جائحة لا تقل خطورة، تتمثل في التضليل ونشر المعلومات الكاذبة والنصائح الطبية المضرة التي خرجت من أفواه أفراد ومجموعات، يروّجون نظريات المؤامرة التي تعد مفضلة لملايين الناس في كل انحاء العالم، ما دفع المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو اودري أزولاي إلى توجيه رسالة دعت فيها إلى مكافحة “الوباء الإعلامي”، الناجم عن انتشار الشائعات والأخبار الزائفة والمعلومات المضللة التي تؤدي إلى تفاقم الأخطار التي تهدد حياة الناس. وأعلنت انطلاق حملتين إعلاميتين على شبكات التواصل الاجتماعي تدعو إحداها إلى الوحدة والعمل معاً لنشر الحقائق وتعزيز دور العلم والتضامن، فيما الأخرى ستدعو إلى مكافحة تفشي وباء التضليل الاجتماعي من طريق نشر المعلومات الصحيحة.

التضليل الروسي والصيني

وباء التضليل ونظريات المؤامرة، هو عنوان تقرير صادر عن الدائرة الخارجية في المفوضية الأوروبية وجهازها الخاص بمكافحة الأخبار الكاذبة، يفضح حملات التضليل التي تقوم بها مؤسسات إعلام، تديرها وتمولها روسيا والصين منذ انتشار العدوى وبوتائر غير عادية وعلى المستوى العالمي، تكشف طبيعتها ومحتواها أن الجزء الأكبر من الأخبار الكاذية والمعلومات الملفقة هي نتيجة جهد منسق تديره مستويات عليا في الدولتين. ورصد التقرير انتشاراً واسعاً وعلى المستوى الدولي لنظريات المؤامرة في وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر آلاف الترولات والبوتات التي تمولها موسكو وبكين، وأحزاب أوروبية يسارية وشعبوية وقومية متشددة متعددة تقيم علاقات وثيقة مع النظامين، من بينها على سبيل المثل أن شبكة G5 لها دور محوري في نشر الفايروس، إضافة إلى أن بيل غيتس وروكفلر خططا لنشر الجائحة في العالم في سبيل كسب المزيد من المليارات والمكاسب والمواقع السياسية. 

انحسار المداخيل بسبب الجائحة والازمة الاقتصادية الناتجة عنها أدت إلى رفع وتيرة بيع مالكي الصحف الصغيرة إلى مؤسسات الميديا الكبرى

وبحسب الخبيرة في قضايا النفوذ السياسي والاقتصادي، والتأثير الدعائي والإعلامي لروسيا في دول أوروبا الشرقية في مركز دراسات الديمقراطية في صوفيا، رومينا فيليبوفا فإن “الكرملين يسعى إلى زعزعة الثقة في أوساط المجتمعات الأوروبية بقدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع جائحة كورونا”، فيما تسعى بكين برأيها إلى تحويل الانتباه عن دورها المريب في نشر العدوى في العالم بإخفائها المعلومات الأولية عن ظهور الفايروس بشكل متعمد، موضحة أن “الحكم الشيوعي يحاول التستر الآن على هذه الفضيحة من خلال المبالغة الدعائية في تضخيم المساعدات الطبية التي تقدمها إلى البلدان الأخرى لمواجهة العدوى”.

لعل أخطر ما أنتجته الجائحة هو تأثيرها المباشر في الصحافة المستقلة بعدما انحسرت أولاً إيراداتها الإعلانية مع الارتدادات الاقتصادية التي تسببت في إحداثها الجائحة على الشركات المختلفة التي تضخ الإعلانات لوسائل الإعلام، ومع الانتقال الواسع إلى التقنيات الرقمية، والتي أدت بدورها إلى مضاعفة عمليات الابتزاز السياسي الذي تتعرض له بشكل خاص الصحافة الاستقصائية، والصحف ذات التوجه الانتقادي لممارسات الأحزاب الحاكمة، واستغلال حالة الطوارئ وانعدام الرقابة التشريعية مع تعليق عمل البرلمانات، ما أدى إلى حرمان المجتمعات من الوصول إلى المعلومات وتسليط الأضواء على عمليات الفساد والانتهاكات التي تمارسها الحكومات وشبكات المصالح المرتبطة بها التي تستغل الفرص المتاحة لمزيد من نهب المال العام. في السياق، يأتي تنبيه أزولاي بأن “أي تهديد أو اعتداء يمس بتنوع الصحافة وحريتها، وأي تهديد أو اعتداء يمس بأمن الصحافيين وسلامتهم، يعنينا جميعاً، إذ نعيش معاً في عالم مترابط ترابطاً كبيراً كما تبين الأزمة الراهنة، ما يستلزم من المجتمع الدولي مضاعفة جهوده لحماية الصحافيين وحرية الصحافة”.

القمع الصيني للمدونين والكتاب

الروائية الصينية الشهيرة فانغ فانغ من أبرز الامثلة التي كان صدى عالمي، على عنف السلطة الشيوعية الحاكمة في بكين ضد نشطاء المجتمع الذين كشفوا تسترها على ظهور العدوى في كانون الأول/ ديسمبر 2019، إذ تعرضت إلى حملة شرسة من وسائل إعلام النظام وأدواته الدعائية، التي اتهمتها بالخيانة وخدمة الغرب والمتاجرة بالضحايا ومصالح البلاد. وكانت الروائية بدأت تدوين يومياتها الـ60 في 23 كانون الثاني/ يناير، وأنهتها نهاية آذار/ مارس الماضي، ورصدت خلالها لحظات الرعب المزدوج بالخوف والغضب والأمل لدى 11 مليون شخص من أهل مدينة ووهان والمستشفيات التي ازدحمت بالمرضى. وتحدثت فانغ عن تجرتبها الشخصية في الحجر، ووصفت مشاهد الموت الفردي والجماعي وتراكم الجثث في المحارق، موجهة في الوقت نفسه انتقادات لاذعة لتقاعس بعض رجال الدولة عن مسؤولياتهم وإنجاز واجباتهم في حماية الناس والمجتمع والعالم.

لم تكن فانغ الوحيدة في مرمى القمع الشيوعي، بل يبدو أن شهرتها العالمية حمتها من العنف المفرط لأجهزة السلطة مثلما حدث مع ثلاثة نشطاء آخرين من بينهم رجل أعمال وناشط حقوقي ومراسل صحافي، كلهم اختفوا بظروف غامضة فور إطلاق تحذيراتهم من “كورونا”. وذكر موقع “دويتشه فيلله”، أن الثلاثة عملوا في إطار مشروع على الإنترنت هدفه إعادة نشر وأرشفة تقارير ومعلومات أزالتها أجهزة الرقابة، ترتبط ببداية ظهور العدوى وتمددها وانتشارها”. وأشارت إلى أنه في مطلع شباط/ فبراير 2020، دوت طَرقات مخيفة على باب منزل رجل الأعمال الصيني فانغ بن الذي ما أن فتح الباب حتى اقتحمه رجلان مدنيان واقتداه مباشرة إلى الحجر الصحي، ليكتشف لاحقاً أن الرجلين لم يكونا طبيبين، وإنما من عناصر الشرطة، وطلبا منه عند التحقيق التوقف عن نشر فيديوات عبر “يوتيوب”، تكشف واقع تفشي “كورونا” في البلاد.

وكان بن بدأ نشر فيديواته في مدينته تحت شعار «ننقل لكم الموقف الراهن هنا»، واعداً متابعيه «ببذل قصارى الجهد» في إفادتهم بكل جديد. وصور بن فيديو يظهر تكدس أكياس جثث الموتى من المصابين بالعدوى خارج أحد المستشفيات، شاهده أكثر من 200 ألف شخص قبل أن تحجبه الرقابة، كما ذكر تقرير لصحيفة “ديلي ميل” البريطانية. وقال الموقع الألماني إن عنصري الشرطة قاما بتفتيش شقة بن ومن ثم اقتاداه إلى المركز للاستجواب، حيث أمراه بالتوقف عن نشر «شائعات!» حول الفايروس وصادرا جهاز الكمبيوتر الخاص به. وقد أُطلق سراحه في ما بعد، ولكن بعد بثه فيديو آخر في 9 شباط قال فيه: «فلتكن ثورة من الجميع – أعيدوا السلطة إلى الشعب»، اختفى نهائياً ولم يعرف مصيره حتى الآن.

في سلوفاكيا وجه رئيس الحكومة السلوفاكية يا نيس يانوشه كلمات قاسية إلى القناة التلفزيونية (RTV) على حسابه في “تويتر” قائلاً: “من الواضح أن عددكم كبير جداً، ورواتبكم عالية جداً”

أما المختفي الثالث فهو المحامي والناشط الحقوقي تشين كيوشي الذي تحول إلى صحافي فيديو في وسائل التواصل الاجتماعي، واشتهر من قبل بتغطيته احتجاجات هونغ كونغ في آب/ أغسطس الماضي. وكان كيوشي اختفى هو الآخر بعد نشره فيديو يكشف عن الفوضى في مستشفيات ووهان ووجود ضحايا الفايروس في الممرات. ويتابع كيوتشي أكثر من 400 ألف مشترك عبر موقع “يوتيوب” وأكثر من 250 ألف متابع عبر «تويتر»، وأبلغت عائلته في اليوم التالي لنشره الفيديو بأنه محتجز في الحجر الصحي في مكان لم يكشف عنه. وقبل اعتقاله بلحظات أبلغ متابعيه قائلاً: «طالما أنا على قيد الحياة، سأتحدث عما رأيته وما سمعته. أنا لست خائفاً من الموت. لماذا أخاف منك أيها الحزب الشيوعي؟»، وبعدها اختفى من دون أي أثر. أما الثالث فهو المراسل التلفزيوني السابق لي زيهو البالغ من العمر 25 سنة، والذي تحول إلى عدو للسلطة بعد إبلاغه عن أعداد الموتى في ووهان. ونجح زيهو ببث مباشر أثناء اعتقاله عندما وصل ضباط شرطة بملابس مدنية إلى شقته. وفي وقت سابق من ذلك اليوم، قدم زيهو مجموعة صور وفيديوات تعرض مشاهد مخيفة للمجتمعات التي تعاني من نقص الطعام في المناطق المتوطن فيها “كورونا” في ووهان، كما وصف كيفية ملاحقته من الشرطة بعد زيارته لمعهد علم الفايروسات في مدينة ووهان، الذي تحوم شكوك أن الفايروس تسرب منه، وهو ما تنفيه الصين رسمياً. ومن المفيد الإشارة إلى أن المختفي الوحيد الذي خرجت بكين بتعليق رسمي بشأنه هو الملياردير ومالك العقارات رن تشي تشيانغ (69 سنة)، والذي كان اختفى في آذار، بعدما وصف الرئيس شي جينبينغ بـ”المهرج”، لفشله في التعامل مع تفشي الفايروس، إذ بعد أسابيع من اعتقاله، أعلن مسؤولون أن رن محتجز بسبب ما سموه «الانتهاكات الخطيرة» للقانون وللوائح الحزب الشيوعي. ويبقى أستاذ القانون شو زانغرون على قائمة المختفين منذ وضعه قيد الإقامة الجبرية في بكين وقطع اتصاله بالإنترنت بعد نشره انتقاداً شديداً للرئيس، وكان تنبأ بالقبض عليه، إذ قال “قد يكون هذا آخر ما أكتبه”. وقالت جماعات لحقوق الإنسان في بكين إن الثلاثة يتعرضون للتعذيب والإرغام على كتابة اعترافات في مراكز احتجاز خارج نطاق القضاء، بعدما كشفوا قصصاً مأساوية عن تفشي “كورونا”، وينظر إليهم على أنهم أعداء للدولة. وذكرت فرانسيس إيف، نائبة مدير الأبحاث في منظمة حماية المدافعين الصينيين عن حقوق الإنسان ومقرها هونغ كونغ: «كل شخص اختفى في الصين معرض لخطر التعذيب أو على الأرجح محاولة إجباره على الاعتراف بأن أنشطته كانت إجرامية، أو ضارة للمجتمع. وكما رأينا في حالات سابقة، يتم إخضاع المختفين وإجبارهم على الاعتراف أمام شاشة التلفزيون الرسمي”.

دول أوروبا الشيوعية وفرصة “كورونا”

منظومات الحكم في معظم دول أوروبا الشرقية التي تحررت من السوفياتية والشيوعية قبل أكثر من ثلاثة عقود وجدت في الجائحة فرصة لا يمكن تفويتها لتعزيز قبضة أحزابها الحاكمة وإعادة ترميم المنظومة الشيوعية وقوانين تقييد الحريات. تكمن إشكالية هذه الدول في أن أحزابها الشيوعية التي تحولت بعد الانتفاضات الشعبية في تسعينات القرن الماضي إلى أحزاب (الاشتراكية الديموقراطية) لم تتخل عملياً عن محتواها الايديولوجي ونظامها القمعي. وأشارت خبيرة الميديا فيسيسلافا انتونوفا إلى أن فرض القيود لم يقتصر على «الدول الاستبدادية»، لأن دولاً في الشمال اتخذت هي الأخرى إجراءات كهذه، ووصل الأمر في بعضها حتى إلى معاقبة وكالات أنباء دولية مرموقة، مثل «رويترز»، التي علقت الحكومة العراقية عملها لمدة ثلاثة أشهر، بداعي نشرها “أخباراً كاذبة بشأن الفايروس”. وطردت مصر أيضاً مراسلة “ذا غارديان” البريطانية، بسبب نشرها تقريراً شككت فيه بالإحصاءات الرسمية لحالات الإصابة بـ”كورونا” في أكثر دول العالم العربي سكاناً. وقالت الصحيفة إن مراسلتها، روث مايكلسون، غادرت عائدة إلى لندن بعدما أبلغها ديبلوماسيون غربيون في القاهرة برغبة أجهزة الأمن المصرية في تركها الأراضي المصرية “على الفور”. وكانت مايكلسون استندت إلى بحث غير منشور لمتخصصين كنديين في الأمراض المعدية، يقدر حجم تفشي المرض بأكثر من 19 ألف حالة في مصر. وعقب طرد المراسلة ألغت هيئة الاستعلامات المصرية، اعتمادها وأصدرت بياناً اتهمتها فيه بنشر دراسة “مضللة”، تستند إلى “استنتاجات وتكهنات خاطئة”. وتلقت الصحيفة البريطانية تهديداً رسمياً بإغلاق مكتبها في القاهرة، إذا لم تقم بسحب القصة وتقديم اعتذار رسمي.

سيطرة الأوليغارشية السياسية على الميديا

أفادت دراسة نشرها الاتحاد الدولي للصحافيين بأن ظروف عمل الصحافيين والمراسلين حول العالم تدهورت خلال أزمة “كورونا”. وبحسب “أسوشييتد برس”، فإن الاتحاد، تواصل مع 1308 صحافيين في 77 دولة، وقال إن ثلاثة من كل أربعة صحافيين واجهوا قيوداً أو عرقلة أو تخويفاً أثناء تغطيتهم أزمة الفايروس. وذكر أن ثلثي الصحافيين المستقلين يعانون من ظروف عمل أسوأ، بما في ذلك تخفيض أجورهم، وخسارة إيراداتهم وبعضهم فقدوا وظائفهم. واعتبر الأمين العام للاتحاد أنتوني بيلانغر أن “هذه النتائج تظهر اتجاهاً مقلقاً لتقلص حرية الإعلام في الوقت الذي يكون فيه الوصول إلى المعلومات والصحافة الجيدة أمراً بالغ الأهمية، الصحافة منفعة عامة وتستحق دعماً عاماً، وإنهاء العوائق أمامها وكذلك التدخلات السياسية”. هذا فيما تمارس حكومات هذه الدول رقابة صارمة على المحتوى الإعلامي لوسائل الإعلام المستقلة، وتلك التي تديرها مجالس اجتماعية، وتمولها الدولة على نموذج الإذاعة البريطانية “بي بي سي”. ففي سلوفاكيا وجه رئيس الحكومة السلوفاكية يا نيس يانوشه كلمات قاسية إلى القناة التلفزيونية (RTV) على حسابه في “تويتر” قائلاً: “من الواضح أن عددكم كبير جداً، ورواتبكم عالية جداً”، وأضاف: “ندفع لكم لكي تقدموا للمجتمع المعلومات، بدل تضليله”. وبعد ساعات على هذه التغريدة انتقد المجلس الأوروبي، والمنظمة الأوروبية للإذاعة والتلفزيون تصريحات المسؤول السلوفاكي الذي سارع إلى الرد قائلاً إن “الصحافيين هم الذين يتحملون مسؤولية سوء سمعتهم!”. وفي صربيا اضطرت الحكومة إلى التخلي عن قرارها بحصر تقديم المعلومات عن عدوى “كورونا” في البلاد إلى الصحافة في المركز الإعلامي الحكومي، وذلك بعد انتقادات شديدة تلقتها من منظمات الدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان المحلية والدولية. وكانت الشرطة اعتقلت الصحافية آنا لاليتش بسبب إعدادها تقريراً عن أوضاع المستشفيات في مدنية نوفي سآد، ولكن أطلق سراحها بعد حملة واسعة من الاحتجاجات في وسائل الإعلام المحلية. وفي كوسوفو، اعتقلت السلطات الأمنية رئيسة تحرير الموقع الإلكتروني المستقل KoSSev، تاتيانا لازاريفيتش بتهمة خرق الحجر الصحي. أما في مدينة “توزلا” البوسنية فلقد صادرت الشرطة أجهزة القناة التلفزيونية المستقلة، وقامت بمسح المحتوى بشكل كامل الذي يسجل أوضاع المستشفيات في المدينة.

لاحظت صحيفة “زيوت دويتشه تشايتونغ” أنه على رغم ارتفاع منسوب الحريات الصحافية في ألمانيا مقارنة بغيرها من الدول الأوروبية، إلا أنها ليست وسط العشرة الاوائل في تصنيف منظمة “محررون بلا حدود”. وقالت: “إن انحسار المداخيل بسبب الجائحة والازمة الاقتصادية الناتجة عنها أدت إلى رفع وتيرة بيع مالكي الصحف الصغيرة إلى مؤسسات الميديا الكبرى، ونبهت إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي تزدحم بالمواد التي تشوه وتسيء إلى سمعة الصحافيين الذين يرفضون التخلي عن استقلاليتهم وشرفهم الاعلامي، إذ تنشر أحزاب وتيارات قومية متشددة ونازية قوائم بأسماء الصحافيين وعناونين منازلهم واقاماتهم وتعتبرهم أعداء للوطن”. بولندا هي الأخرى تعيش الظاهرة نفسها، إذ ومنذ وصول حزب “القانون والعدالة” الشعبوي والقومي المتشدد إلى الحكم تدهورت أوضاع الصحافة المستقلة، وقام الحزب الحاكم بفرض السيطرة الكاملة على محطتي الإذاعة والتلفزيون الرسميتين اللتين كانتا تخضعان لإدارة مجلس اجتماعي مستقل عن الدولة. وتواجه الصحف والمواقع والقنوات التلفزيونية المستقلة حملة ترهيبية من السلطة التي ترفع شكاوى للقضاء الذي تسيطر عليه بالكامل ضد هذه المؤسسات والصحافيين الذين ينتقدون أداء الحكومة وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة. أما في بلغاريا فنبه تقرير صادر عن منظمة الصحافيين الأوروبيين إلى أن “الأوليغارشي والنائب في البرلمان ديليان بييفسكي الذي يتحكم بالكثير من أدوات السلطتين التنفيذية والقضائية يحتكر سوق الإعلام في البلاد، حيث قام بشراء غالبية القنوات التلفزيونية ومؤسسات الميديا الورقية والإلكترونية، وراح يوجهها إلى محاربة الصحافة المستقلة والصحافيين الاستقصائييين العاملين فيها الذين يفضحون عمليات فساده الواسعة، وعلاقاته المشبوهة بكبار مسؤولي الدولة والحكومة. كما ويستخدم العاملين في وسائل الاعلام التي يسيطر عليها لتمرير ألاعيبه السياسية ومصالحة الاقتصادية واستغلال منصبه النيابي للاستحواذ على مشاريع تمولها الدولة من الصناديق الأوروبية وتسخير جزء من هذه الأموال لتشويه سمعة الصحفيين المستقلين الذي يقومون بتحقيقات استقصائية عن شركاته الافشور وتهربه الضريبي”.

 يتضح من تقرير اصدره المعهد الدولي للصحافة» أن أكثر من 130 انتهاكاً محتملاً لحرية الإعلام حدث منذ تفشي الفايروس، كما سجل اعتقال 40 صحافياً على الأقل، فيما أكدت منظمة «مراسلون بلا حدود»، أن “دولاً تفشى فيها الفايروس مثل الصين وإيران لم تتمكن وسائل الإعلام فيها من أداء وظيفتها”، أما في تركمانستان فحظرت الحكومة استخدام تعبير “فايروس كورونا” في وسائل الإعلام الحكومية. ليس هذا فقط ما يعانيه الصحافيون في العالم، فلقد كشفت انطونوفا التي اعدت بحثاً عن تأثير الجائحة في وضع الصحافيين النفسي أن “العمل في ظروف أزمة الفايروس أثر في الصحة العقلية للصحافيين، فأكثر من نصفهم باتوا يعانون من التوتر والقلق”. وأشارت إلى أن “أكثر من ربع المراسلين في الكثير من دول العالم قالوا إنهم يفتقرون إلى المعدات المناسبة للعمل من المنزل في ظروف آمنة وسط إجراءات الإغلاق التي تطبق على نطاق واسع لإبطاء انتشار الفايروس”.
في مبادرة تعد الأولى من نوعها على المستوى الأوروبي والدولي، قام موقع “دويتشه فيلله” الألماني بتكريم 17 صحافياً ومدوناً من أربع قارات من الذين يعملون باستقلالية كاملة في ظروف قاسية وتحت ضغوط مختلفة، وبشجاعة متناهية لتقديم المعلومات الموثقة والدقيقة عن جائحة “كورونا”، والفساد في بلدانهم، بجائزة حرية التعبيرFreedom of Speech Award. وقال المدير العام لوكالة “دويتشة فيلله” بيتر ليمبورغ “تلعب الصحافة دوراً محورياً في هذا الوقت حيث يعيش العالم أزمة صحية شاملة يتحمل خلالها كل صحافي مسؤولية جسيمة”. وشدد على أن “الناس لهم كامل الحق في الوصول إلى المعلومات المستندة إلى الحقائق والبيانات المدروسة، إضافة إلى التقييمات التي تحتوي على انتقادات موضوعية دقيقة”. واعتبر أن “أي محاولة من السلطات لتجريم الصحافيين لنشرهم المعلومات ينتهك بشكل صارخ حرية الرأي”. ومن بين الصحافيين الذين تم تكريمهم، المدون السعودي المعتقل في السجن منذ سنوات رائف بدوي، والمحلل السياسي والبروفيسور في جامعة طهران صادق زيباكالام المهدد بدخول السجن في إيران، والصحافية المكسيكية آنابيل خيرنانديز التي تعيش في المنفى بعدما تعرضت لتهديدات عصابات الجريمة المنظمة في بلادها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
منذ إعلان حالة الطوارئ في بداية شهر آذار/ مارس الماضي والخشية كانت ولا تزال قائمة من تقويض حرية التعبير والصحافة، وما حصل من ممارسات أكد الهواجس بل وضاعف منها.
جاد شحرور – صحافي لبناني
الاعتداءات لن تنتهي، وهذا ليس مهماً. المهم أن يبقى الصوت عالياً ضد الاستبداد وضد كل من يريد ترويض هذه المهنة بحجة الاستقرار
“درج”
تعاون “درج” مع “سراج” على إنتاج تحقيقات استقصائية نالت جوائز.
خولة بو كريم – صحافية تونسية
معركة حريات أخرى قد تكون طويلة الأمد تنتظر الصحافيين ونشطاء المجتمع المدني إن انقضت جائحة كورونا بسلام وهذه المرة بحجة محاربة الأخبار الزائفة …
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
أتت أزمة “كورونا” حجّة على “طبق من فضّة” للسلطات والحكومات العربية. إذ إنها تستخدم الوباء ذريعة لتشديد قبضتها على وسائل الإعلام وتضييق الخناق على المعلومات.
ICIJ
إن قانون الإعلام الرقمي الجديد في بنين “يشبه السلاح الذي يستهدف معابد… الصحافيين”
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني