لبنان: اعتقال محمود ووضاح درسٌ في الثورة

المقال ليس للحديث عن محمود كشخص، لأن العمل الأخير صار قضية رأي عام وصرخة من كل مواطن خنقته سلطة المصارف وتعديها على جنى عمره.
محمود مروة ووضاح غنوي

بعدما ضجّت وسائل إعلامية وإخبارية لبنانية بخبر إلقاء القبض على مجهولين قاما بزرع عبوة ناسفة تزن نحو 400 غرام، من مادة الـTNT في مصرف “فرنسبنك” في صيدا – شارع المصارف، صدر بيان عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي يوضح ما حصل. يشير البيان إلى عملية “نوعية وخاطفة”، قام خلالها فرع المخابرات برصد الشابين وتوقيفهما. هذا البيان المؤلف من نحو 200 كلمة، يحاول بصراحة تلميع صورة هذه القوى الأمنية التي لم تتمكن من تحقيق أي إنجاز ميداني، أو محلي، فهي لم تتحرك قضائياً أو أمنياً لإلقاء القبض على أي فاسد، أو ضبط الأسعار المتفلّتة في السوق على الأقل. لكنها تمكنت من إلقاء القبض على من نفذ هذا “العمل التخريبي” الذي مسّ الأملاك الخاصة والعامة، بحسب ما غرد الوزير محمد فهمي بعد عملية القبض بنحو نصف الساعة. 

بعيداً من بيانات شعبة المعلومات وقوى الأمن ووزيرها، اهتمت صحف ومحطات الإعلامية بهؤلاء الذين نفذوا عملية التفجير هذه، ليتضح أنهما محمود مروّة (مواليد 1967) ووضاح غنوي (مواليد 1976)، وهما لبنانيان جنوبيان. لم يتوقع محيط محمود ووضاح من عائلة وأولاد وأصدقاء ومعارف أن الرجلين الخمسينيين سيقدمان على هذه الخطوة، بخاصة أنهما يعتبران من أكبر الموقوفين عمراً منذ بداية ثورة 17 تشرين. وبحكم قرابتي بمحمود مروّة (والدي)، يمكنني أن أقدم التحليل الذي أجده ملائماً ويرد على الأسئلة الكثيرة التي تصلنا يومياً، ويربطها ببيان المديرية التي حكماً لا تعلم، على رغم براعة أجهزتها، من تحتجز اليوم خلف قضبان سجونها. 

أقدما على عمل لا نجرؤ على فعله، فأثبتا أن التمرد ليس عليهما، بل على من يسكت عن الحق ويذوب في طوابير التصفيق لزعماء شربوا من دمائنا.  

محمود مروّة رجل في العقد الخامس من العمر، لا يحب أن يعرف عن نفسه على أنه “رجل أعمال”، بل تاجر شغوف بعمله. وعن سؤالي له عن ثلاثة أمور لا يمكنه العيش من دونها قال: “شغلي، وولادي وأهلي”. وبحكم عمله، تمكن من تكوين سلسلة علاقات مبنية على الاحترام والمحبة. محمود شيوعي سابق، شارك في المعارك بمواجهة إسرائيل وجيش لحد بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، له تاريخ حافل بالعمل والمواقف، التي لم أسمعها منه، بل عملت جاهدةً على تجميعها من أصدقائه ومن يعرفه خلال تلك الحقبة. 

هذا المقال ليس للحديث عن محمود كشخص، لأن العمل الأخير صار قضية رأي عام وصرخة من كل مواطن خنقته سلطة المصارف وتعديها على جنى عمره. هذا المقال هو مجرد تحليل لجميع المعطيات المتعلقة بهذا الموضوع والتي جمعتها خلال هذا الأسبوع.  

السؤال الأكثر الحاحاً هو عن سبب استهداف “فرنسبنك” تحديداً، الذي لا يملك وضاح أو محمود أي حسابات لديه، على رغم من تورط المصارف كلّها في الهندسات المالية وتواطئها بشكل مباشر مع الطبقة الفاسدة. إلا أن المفارقة هي أن “فرنسبنك” استولى على التبرعات التي منحت لجريدة “17 تشرين” التي صدرت من رحم الثورة للثورة، وتحاكي مطالب الثوار وحكاياتهم اليومية في الشارع المطلبي. احتجز “فرنسبنك” التبرعات ظناً منه أنه يحجز على حرية تنقل المعلومات والصرخات، فاستحق هذه الضربة لرمزيتها. لم يصب البنك بأضرار جسيمة، اقتصرت الإصابات على سقف مستعار وزجاجتين وبعض الإنارة، لكن حجم الرعب الذي أصاب المصارف عامة هو الذي أعطى التفجير هذا الوزن، حتى أقدم المصرف على رفع دعوى شخصية على كل من محمود ووضاح.

نفذت العملية بسيارة محمود الشخصية التي اشتراها أخيراً (مرسيدس 2018) بماله الخاص، لم ينفذها بسيارة مموهة أو يريد التخلي عنها من دون أسف، نقل العبوة محمود وضاح بالسيارة التي يحافظ عليها، والتي تؤكد أنه يوجه رسالة إلى التجار الذين يظنون أنهم غير معنيين بوجع الأقل منهم قدرةً على الصعيد المالي.  

محمود ووضاح، المتهمان من قبلنا، نحن الجيل الجديد الذي أشعل الثورة، بأنهما من جيل الحرب الأهلية الذي شارك في إنتاج هذه الطبقة السياسية الفاسدة، أثبتا بهذا العمل أنهما كما كان يقول لي محمود “نحن قدامكن”، فعلاً كانا أمامنا، وخدمانا بخبراتهما، وأقدما على عمل لا نجرؤ على فعله، فأثبتا أن التمرد ليس عليهما، بل على من يسكت عن الحق ويذوب في طوابير التصفيق لزعماء شربوا من دمائنا.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
رامي الأمين – صحافي لبناني
لا يستطيع أي زائر أو مغادر لمطار بيروت إلّا أن يلاحظ ضعف التنظيم وتراجع الخدمات وتهالك البناء والبنية التحتية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني