fbpx

عن عصر صناعة الرغبة والديكتاتوريات المستنيرة (3): صياغة عقل الأمـّة

قبل الاستطلاع العلمي للرأي العام الذي أسسه غالوب، كانت الأفكار الأكثر شيوعاً هي أنه لا يمكن الوثوق بالرأي العام لأنه لاعقلاني، غير ذي علم، فوضوي، وجامح.. لكن غالوب كان يرى أن الناس عقلانيون، وأنه يمكن أخذ قرارات صائبة منهم.

في نهاية أكتوبر 1929 نَظّم مؤسس العلاقات العامة إدوارد بيرنيز حَدَثاً وطنياً ضخماً للاحتفال بالذكرى السنوية الـ 50 لاختراع المصباح الكهربائي، تمّت دعوة الرئيس الأمريكي آنذاك هربرت هوفر، رؤساء الشركات الكبرى، المصرفيون أمثال جون دافيسون روكفيلر تمت دعوتهم جميعاً من قبل بيرنيز للاحتفال بـقوة الأعمال الحرة الأمريكية، لكن بمجرد تجمُّعهم، تَواردت الأخبار التي تفيد بأن الأسهم في سوق الأوراق المالية في نيويورك قد بدأت انهيارها المدوّي.

طوال العشرينات، وتحت تأثير أساليب بيرنيز الدعائية، اقترض المضاربون مليارات الدولارات، روّجت البنوك لفكرة أن هذا عصر لا يمكن أن ينهار فيه السوق، لكن سرعان ما حدث أكبر انهيار للسوق عرفه التاريخ في (الـ 29 من أكتوبر عام 1929).

كان تأثير الانهيار على الاقتصاد الأمريكي كارثيا، توقَّف ملايين العمّال تحت وطأة الكساد والبطالة عن شراء البضائع التي لا يحتاجونها، ليختفي الازدهار الاقتصادي الذي كان قد صمّمه بيرنيز للمستهلكين قبل ذلك… وهنا بات يبدو أن زمن قوّته القصير قد انتهى، أو شارف على النهاية.

كذلك كان تأثير انهيار وول ستريت على أوروبا مأسوياً أيضاً، واشتدت الكارثة على الديموقراطيات الجديدة ذات الاقتصاد والسياسة النامية في كلٍّ من ألمانيا والنمسا، كان ثمة قتال شوارع عنيف بين الأجنحة المسلحة للأحزاب السياسية المختلفة.

من خلف الستار، وأثناء معاناته من سرطان الفك، وانسحابه مرة أخرى إلى جبال الألب، كتب فرويد كتاباً أسماه “الحضارة ومساوئها” (قلق في الحضارة حسب الترجمة العربية عن الفرنسية) وقد كان هجوماً حاداً على فكرة  “أن الحضارة تعبّر عن تقدّم الإنسان”، إذ في المقابل كان يرى فرويد أن الحضارة قد أُنشِئت للسيطرة على القوى الحيوانية الخطرة الكامنة تحت السطح، وما تَضمّنَه طرح فرويد هو أن الحرية الفردية المثالية -التي هي قلب الديموقراطية- مستحيلة، وأنه لا يُمكن السماح أبداً للبشر بالتعبير عن أنفسهم بصدق، لأن هذا خطر جداً، يجب دائماً السيطرة عليهم، الأمر الذي سيجعلهم بالمحصّلة دائمي القلق والسخط.

يرى فرويد أن الإنسان لا يريد التحضّر -باعتبار الحضارة هي عملية السيطرة على القوى الحيوانية اللاواعية لدى الإنسان- يرى أنه لا يريد التحضّر، وأن الحضارة ستجلب الاستياء، لكنّها ضرورية للبقاء لأنها الطريقة الوحيدة التي من شأنها أن تُبقيه داخل حدوده اللازمة لاستمرارية العالم ككل، حتى وإن كانت تجلب استياءَه وقلقه وسخطه.

لم يكن فرويد متشائماً وحده… سياسيون كـ أدولف هتلر ظهروا من اليأس المتنامي تجاه الديموقراطية في العشرينيات؛ رأى النازيون أن الديموقراطية خطرة لأنها أطلقت “الفردانية الأنانية”، لكنهم في الوقت نفسه لم يكونوا يملكون الوسائل اللازمة للسيطرة عليها، وهكذا فقد خاض حزب هتلر (الوطني الاشتراكي) الانتخابات بدعاية تعِد بهجر الديموقراطية لما أدّت إليه من الفوضى والبطالة، وبشعارات ساخرة من قبيل: “الأحزاب الديموقراطية تعِد بجنة على الأرض!” … “38 حزب وأكثر من 6 مليون عاطل عن العمل!”

كان هتلر ينادي بأنه لن يكون ثمة ألمانيا قبل أن تفنى تلك الأحزاب كلها، ورأى الألمان أن ذاك الرجل وحده هو من سيضع حدّاً لتلك “الكوميديا”؛ لذا في مارس 1933 تم انتخاب (الوطني الاشتراكي) لتولّي الحكم في ألمانيا، وما إن تسلّم زمام الأمور حتى بدأ الحزب رحلته الخاصة للسيطرة على الإنسان بشكل مختلف، وقد كانت أولى خطواته السيطرة على الأعمال الحرة. 

كان غالوب يثق بشدة أن صوت الناس هو صوت عقلاني ويجب الاستماع إليه

كان الحزب النازي يرى أن تخطيط الإنتاج لابدّ وأن يتم من قبل الدولة، وأن السوق الحرّ غير مستقرّ -بشهادة الانهيار المدوّي في أمريكا- حتى أن وقت استراحات العمال رسمها الحزب من خلال منظّمة تُدعى “القوّة عبر البهجة” (Kraft durch Freude)، وقد كان أحد شعاراتها: “الخدمة ليست للذات”، وجعل الحزب من سيارة فولكس فاغن “سيارة الشعب”.

بالطبع، لم يكن يرى النازيون أن ذلك عودة لشكل قديم من الحكم الاستبدادي، إنما بديلاً جديداً عن الديموقراطية، بديلاً تظلّ فيه مشاعر ورغبات الجموع محوريّة، على أن يتم توجيه تلك المشاعر والرغبات لصالح توحيد الأمّة ببعضها عوضاً عن مشاعر الأنانية الفرديّة التي في الديموقراطية، وقد كان الدليل الأساسي على هذه الأفكار جوزيف غوبلز، وزير الدعاية الذي يقول: “قد يكون من الجيّد امتلاك القوة بالسلاح، لكن الأفضل والأقوى بكثير هو كسب قلب الأمة، والحفاظ على اتّقاد عاطفتها وتأثيرها”.

غوبيلز

نظّم غوبلز مسيرات هدفها “صياغة عقل الأمة في قالب من وحدة التفكير، المشاعر، والرغبات”، وقد أخبرَ صحفيّاً أمريكياً يدعى Karl von Wiegand أن إحدى الأشياء التي ألهمته كانت كتابات قريب فرويد، إدوارد بيرنيز، تحديداً كتاب Crystallizing Public Opinion المنشور عام 1929.

لاحقاً في العام 1933 قام الصحفي الأمريكي بإخبار بيرنيز أنه التقى غوبلز، وأن لديه مكتبة ضخمة أطلعه عليها لم يرَ مثلها سابقاً، وأنه قد أطلعه أيضاً على بعض خططه الدعائية، وأن بيرنيز بالنسبة له هو أحد ملهميه…. ليقوم بيرنيز لاحقاً بابتكار مفهوم “العلاقات العامة” كـ بديل للبروباغندا “لقد كانت البروباغندا سيئة الصيت لاستخدامها من قبل النازيين، لذا قمت بابتكار مصطلح العلاقات العامة”، وقد عبّر عن غضبه من النازيين في سيرته الذاتية عام 1965: “لقد علِمت بأنهم كانوا يستخدمون أعمالي كأساس لحملة مدمّرة تستهدف اليهود”.

في عمله عن سايكولوجيا الجموع، وصف فرويد كيف يمكن أن تَخرج المخاوف والرغبات اللاعقلانية من داخل الإنسان في المجموعات حين يتم ما أسماه “منح قوى الرغبات الشهوانية لصالح القائد”، ويَقصد بالرغبات الشهوانية أي مشاعر الحب، ويتم -حسب فرويد- إطلاق الغرائز العدوانية على أولئك الذين هم خارج المجموعة. 

يرى فرويد أن الجموع مقيّدة بـ “القوى الشهوانية”، إنهم يحبّون بعضهم، يتبادلون أفكارهم وأحاسيسهم عبر رأس جاك/رأس المجموعة وقيادتها (شخصيّة Jack في رواية أمير الذباب لـ ويليام غولدنغ) يمنحون بعضهم الحب، ويُوجهون مشاعر الكراهية إلى أولئك الذين هم خارج المجموعة… كتبَ فرويد ذلك كتحذير، لكن النازيين عمدوا على تشجيع تلك القوى حين اعتقدوا أن بإمكانهم السيطرة عليها والتحكم بها.

في الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً كانت الديموقراطية مهدَّدة… أثرُ انهيار سوق الأوراق المالية كان كارثياً، وبدا العنف يتنامى تدريجياً، صبّت الجماهير جام غضبها على الشركات التي كانت في نظرهم مَن تسبب بالكارثة؛ وفي العام 1932 تم انتخاب رئيس جديد سيعمل على استخدام قوة الدولة في السيطرة على السوق الحر، لكنَّ هدفه لم يكن تدمير الديموقراطية كما هو الحال في ألمانيا، إنما تعزيزها، ولفعْل ذلك كان عليه أن يبتكر طريقة جديدة في التعامل مع الحشود.

في حفل تنصيبه، خصّص الرئيس روزفلت كلمته التي استمرت حوالي 20 دقيقة للحديث عن مأساة البلاد الاقتصادية، سخِر من أصحاب رؤوس الأموال الضخمة وجشعهم، توعّد باستعادة القوة منهم، شدّد على أنه سيضع حدّاً للمضاربة بأموال الآخرين، ثم قال: “إنني على استعداد بحكم مسؤوليتي الدستورية أن أُوصي بالتدابير اللازمة التي تتطلّبها حالة كارثيّة لأمّة مصابة وسط عالم جريح، وبينما لاتزال محنة الوطن في مرحلة حرجة فإنني لن أستطيع الفكاك من طريق الواجب الذي سيواجهني، لذا فإنني أطلب من الكونغرس الأداة الوحيدة الباقية لمواجهة الكارثة: قوة تنفيذيّة مُطلقة”. وهو ما بات يُعرف لاحقاً بـ “الصفقة الجديدة“.

حشدَ روزفلت مجموعة من صغار التكنوقراطيين، الفنيين المتخصّصين ، والمخططين في واشنطن، وأخبرهم أن مهمتهم هي تخطيط صناعات جديدة عملاقة لصالح الأمة.. كان روزفلت على قناعة بأن انهيار سوق الأوراق المالية قد أظهر أن مبدأ عدم التدخّل/ Laissez-faire لم يعد قادراً على إدارة الاقتصادات الصناعية الحديثة، وأن هذه الإدارة يجب أن تكون مهمة الدولة.

أفزعت سياسة روزفلت (الصفقة الجديدة) مثلما هو متوقّع كبارَ أصحاب الأعمال الحرة ، لكنها أثارت إعجاب النازيين، على الأخص وزير الدعاية جوزيف غوبلز الذي عبّر في إحدى مقابلاته بأنه “مهتم جداً بالتطور المجتمعي في أمريكا، إنني أؤمن بأن الرئيس روزفلت ومستشاريه قد اختاروا المسار الصحيح، إننا نتعامل مع أكبر مشاكل اجتماعية عُرفت على الإطلاق، الملايين من العاطلين عن العمل يجب أن يستعيدوا وظائفهم، وهذا لا يمكن أن يُترك للمبادرات الخاصة -يقصد أصحاب الأعمال الحرة- إن الحكومة هي من يجب عليها التصدي للمشكلة”.

لكن على الرغم من أن روزفلت -كالنازيين- كان يحاول تنظيم مجتمع بلاده بطريقة ما، إلا أنه -بعكس النازيين- كان يؤمن بأن البشر عقلانيون، ويمكن الوثوق بهم في القيام بجزء حيوي في الحكومة، وقد آمن بأنه من الممكن تفسير سياسته للأمريكيين العاديين وأخذ آرائهم بعين الاعتبار، وللقيام بذلك فعلاً كان قد استعان بأفكار جديدة أتى بها آنذاك عالم اجتماع يدعى “جورج غالوب“.

وصل فرويد لندن حين كانت بريطانيا تستعد للحرب، واستقرّ مع ابنته آنّا في بيت في منطقة  Hampstead، لكنّ السرطان لديه كان في مرحلة متأخرة

رفضَ جورج غالوب وهو مؤسس ومدير “المعهد الأمريكي لاستطلاعات الرأي العام” رفضَ إلى جانب محلل اجتماعي يدعى “إلمو بوبر” نظرة بيرنيز للإنسان (أنه تحت رحمة قوى لاواعية وأنه يجب السيطرة عليه)، في كل أسبوع كانا يطلّان على الشاشات الأمريكية ومن خلال الصحف ليخبران الناس فيما يفكّر عموم الأمريكان، غالوب من مكتبه في (برينستون – نيوجيرسي)، و بوبر من نيويورك.

قام نظام استطلاعِهِم للرأي العام على فكرة أن الناس يمكن الوثوق بهم ليعرفوا ما يُريدون، وقد كان طرحُهم أنه يمكن للإنسان أن يقيس ويتوقّع تصرّفات وآراء العامة في مختلف القضايا إن استطاع سؤال أسئلة واقعية صارمة خالية من التلاعب بالعواطف.

قبل الاستطلاع العلمي للرأي العام الذي أسسه غالوب، كانت الأفكار الأكثر شيوعاً هي أنه لا يمكن الوثوق بالرأي العام لأنه لاعقلاني، غير ذي علم، فوضوي، وجامح.. لكن غالوب كان يرى أن الناس عقلانيون، وأنه يمكن أخذ قرارات صائبة منهم، وهذا ما اعتُبر فرصة للديموقراطية وتوجيهها من قبل الرأي العام، عبر إعطاء الجميع صوتاً في كيفية إدارة الدولة. 

كان غالوب يثق بشدة أن صوت الناس هو صوت عقلاني ويجب الاستماع إليه، الأمر الذي انتهجه روزفلت عبر صياغة صلة جديدة بين الجماهير والسياسيين، حيث لم يعد الأمريكيون هم أولئك المستهلكون الذين يجب على الدولة إشباع رغباتهم، إنما هم مواطنون مُدرِكون يمكنهم لعب دور واعٍ في عملية إدارة الدولة، وهكذا في العام 1936 خاض روزفلت الانتخابات مرة أخرى وفاز باكتساح، ووعد بالمزيد من السيطرة على الأعمال الحرة.

كان ذلك بالنسبة للشركات بداية الديكتاتورية، وقد أبدى العديد من رجال الأعمال الكبار غضبهم، وعبّروا عن سخطهم، مطالبين روزفلت بترك (البزنز) وشأنه، ولأجل ذلك قررت الشركات ردّ القتال لاستعادة القوة في أمريكا… وفي قلب المعركة كان من البديهي أن يتواجد إدوارد بيرنيز والحِرفة التي اخترعها، حرفة العلاقات العامة.

بدأ رجال الأعمال الكبار بالاجتماع، خوض النقاشات المغلقة، والحديث عن الحاجة المحلّة لشنّ حرب آيديولوجية على (الصفقة الجديدة)، وذلك من خلال التأكيد المتواصل على مدى ارتباط الديموقراطية من جهة بالقطاع الخاص من جهة أخرى.

في تلك الفترة، وتحت مظلّة منظَّمة لاتزال موجودة حتى اليوم تُدعى “الرابطة الوطنيّة للمصنّعين“، والتي كانت ولاتزال تضم آلاف الشركات الكبرى في الولايات المتحدة، انطلقت حملة مصمَّمة بشكل خاص لإنشاء ذاك (الرابط العاطفي) بين عموم الأمريكان، وبين قطاع الأعمال الكبرى، بمشاركة فاعلة من إدوارد بيرنيز.

ستحوّل الحرب العالمية الثانية الطريقة التي ترى الحكومة الأمريكية من خلالها مفهومي “الديموقراطية” و “الشعب” بشكل جذري

صُمّمت الحملة خصيصاً لتظهر -بشكل درامي- أن قطاع الأعمال الكبرى والشركات الخاصة هي من أنشأت أمريكا الحديثة، وأن “جنرال موتورز” التي كان يعمل بيرنيز مستشاراً لصالحها هي التي بَنَت الولايات المتحدة بصيغتها المتطورة، وليس السياسيون هم من فعلوا.

إبان ذلك انتعشت المهنة التي ابتكرها بيرنيز الذي لم يعد وحدَه، قام المئات من مستشاري العلاقات العامة بتنظيم حملات موسّعة لذاك الغرض (غرض الحرب على الصفقة الجديدة)، لم يستخدموا اللوحات الإعلانية فقط، إنما وصلوا إلى افتتاحيات الجرائد.. باتت الحرب قاسية بين الطرفين، ولمواجهة ذلك أخرجت الحكومة من جانبها أفلاماً وتقارير إعلامية تحذّر الناس من تلاعب رجال الأعمال بهم في الصحافة ووسائل الإعلام، وتؤكد على أن المواطنين قادرون على اكتشاف علامات التلاعب والتوجيهات الخفيّة داخل الصحف، وتشدّد كذلك على أن مجموعات رجال الأعمال أولئك يعملون للوصول إلى غاياتهم من خلف الستار لإفساد الرأي العام، وأنهم وإن كانوا جيدين أو سيئين فإن أساليبهم الدعائية تشكل خطراً كبيراً على المؤسسة الديموقراطية. وقد كان ذلك هو الشكل الجديد لرجل العلاقات العامة، علاقات عامة بطابع حكومي.

لكن تلك التعليمات الحكومية الجادّة لم تكن تستطيع الصمود أمام سعة الخيال الرهيبة لدى إدوارد بيرنيز، الذي كان على وشك خلق رؤية يوتوبيّة لأمريكا يستطيع فيها السوق الرأسمالي بناء أمريكا الأحلام شرط أن يكون ذاك السوق حرّاً غير خاضع لسلطة الدولة.

في العام 1939 استضافت نيويورك “المعرض العالمي” وقد كان إدوارد بيرنيز المستشار المركزيّ الفاعل فيه، والذي بدوره أصرّ على أن يكون موضوع المعرض هو ربط الديموقراطية بقطّاع الأعمال الحرة، وفي قلب المعرض كان ثمة قبّة بيضاء عملاقة، أسماها بيرنيز “مدينة الديموقراطية / Democracity“، وقد كان تلك القبة عرضاً واستعراضاً ضخماً عن ماهيّة المستقبل والحلم الأمريكي، أنشأته جنرال موتورز.

عن المعرض العالمي تقول آن بيرنيز، ابنة إدوارد: “بالنسبة لوالدي كان المعرض العالمي فرصة لترسيخ أن الرأسمالية مقترنة بالديموقراطية، الديموقراطية مقترنة بالرأسمالية.. لا حرّية دون سوق حرّة.. كان يحاول المزاوجة بينهما، والتلاعب بالناس وجعلهم يظنون أنه لايمكن تطبيق الديموقراطية في أي مكان سوى في مجتمع رأسمالي، وأن المجتمع الرأسمالي هو القادر على فعل كل شيء، قادر على تعبيد طرق سريعة رائعة، وعلى عمل صور متحركة داخل منازل الجميع، قادر على صناعة الهواتف التي لا تحتاج لأسلاك، قادر على صناعة سيارات ملساء ذات سقف مفتوح… إنها الاستهلاكية… لقد تماشت الديموقراطية والرأسمالية مع بعضهما بشكل مضحك”.

كان المعرض العالمي نجاحاً فوق الطبيعي، أخذَ بـ لبّ المخيال الجَمعي الأمريكي، وقد كانت الرؤية التي صوّرها المعرض شكلاً جديداً للديموقراطية، شكلاً يستجيب فيه قطاع الأعمال لأعمق رغبات الناس، وبطريقة لم يستطع أحد من السياسيين أبداً أن يقوم بها؛ لكنه في الوقت نفسه يصوّر شكلاً للديموقراطية لا يقوم على معاملة الناس كمواطنين فاعلين، إنما مستهلكين سلبيين، وذلك لأن بيرنيز كان يرى أنه الطريق الوحيد للتحكم بالناس في عصر الديموقراطية الشاملة الخطِرة.

لم يكن بيرنيز يرى أن الناس هم من يخضعون للسيطرة، إنهم أحرار، لكن رغباتهم هي المُتَحَكَّم بها، وكان بذلك قد اختزل الديموقراطية من فرضيّة المواطَنَة الفعّالة للأفراد، إلى النظر إليهم على أنهم مستهلكون سلبيون تقودهم غرائز حيوانية بدائية لاواعية، وأنك مهما أطلقت فيهم رغبات واحتياجات فإنك ستنال ما تريده منهم.

كان هذا الصراع بين الرؤيتين أعلاه (البشر عقلانيون – البشر غير عقلانيين) كان على وشك التاثّر بشكل كبير بمجريات الأحداث في أوروبا، أحداث ستغيّر مصائر عائلة فرويد نفسها.. في مارس 1938 استولى النازيون على النمسا فيما يعرف بـ Anschluss حيث قاموا بعملية تملّق واسعة للقول بأن الشعبين الألماني والنمساوي تربطهما علاقات وثيقة جداً، وبينما كانت سيارة هتلر تطوف فيينا، كان النازيون من خلف الكواليس يقومون بحشد وإطلاق كراهية الجموع ضد أعداء (ألمانيا الجديدة الكبيرة): اليهود وكل من يعارض النازية في النمسا، وهكذا بدأت أعمال النهب والقتل والسرقة في البدايات المبكّرة للحرب العالمية الثانية.

في ذلك الوقت، وبينما كان العنف والقتل يزداد اتساعهما في فيينا، قرر فرويد أن عليه الرحيل والذهاب إلى بريطانيا، لكنه كان يعلم أن بريطانيا كالعديد من الدول في ذلك الوقت كانت ترفض دخول معظم اللاجئين من اليهود، إلى أنْ جاءته مساعدة من محلل نفسي رائد في بريطانيا يدعى “إيرنست جونز” الذي كان عضواً في نادٍ للتزلج على الجليد مع مسؤول في البيت الملكي البريطاني يدعى “سير سامويل هول”، حيث أقنع جونز المسؤول الملكيَّ بإصدار تصريح عمل لفرويد، وفي مايو 1938 استقرّ فرويد وابنته آنّا وآخرون من عائلته في لندن.

وصل فرويد لندن حين كانت بريطانيا تستعد للحرب، واستقرّ مع ابنته آنّا في بيت في منطقة  Hampstead، لكنّ السرطان لديه كان في مرحلة متأخرة، وفي 1939 بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بثلاثة أسابيع فقط، مات.

ستحوّل الحرب العالمية الثانية الطريقة التي ترى الحكومة الأمريكية من خلالها مفهومي “الديموقراطية” و “الشعب” بشكل جذري، سنرى لاحقاً كيف ستقتنع الحكومة الأمريكية -عبر نتيجة الحرب- بأن هناك قوى همجيّة خطرة داخل قلوب وعقول البشر جميعاً، قوى تحتاج لأن يتم السيطرة عليها، الدلائل الفظيعة التي خرجت من (معسكرات الموت وغرف الغاز) يبدو أنها وضّحت ما الذي سيحدث حين يتم إطلاق تلك القوى… السياسيون والمخططون الاستراتيجيون في أمريكا -ما بعد الحرب- سيؤمنون بأن قوى خطرة مشابهة مدفونة أسفل سطح مجتمعهم، الأمر الذي سيدفعهم باتجاه عائلة فرويد طلباً للمساعدة في السيطرة على ذاك العدو الجديد (النفس البشرية).. وبتكيّفه المعهود، وخياله الخصب، لن يعمل إدوارد بيرنيز فقط لصالح الحكومة الأمريكية، إنما لصالح وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA أيضاً.. وابنة فرويد (آنا) ستصبح ذات نفوذ قوي في الولايات المتحدة، إذ أن لديها نظرية هي الأخرى بأنه يمكن تعليم الناس كيفية التحكّم بالقوى اللاعقلانية التي بداخلهم، الأمر الذي ستتولد عنه برامج حكوميّة موسّعة لإدارة (الحياة السايكولوجية الداخلية لدى الجماهير).

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني