“لن أستسلم ولن أتنازل” : في وجه من يصعّد رامي مخلوف؟

في التحليل وراء سبب عدم استسلام مخلوف لنفوذ القصر الجمهوري، يتّضح أن لدى مخلوف مجموعة نقاط قوّة، يأتي على رأسها انتزاعه الحاضنة الشعبية داخل المجتمع الموالي للنظام على أسماء الأسد.

عندما كنتُ في السنة الأولى في جامعة دمشق في بدايات الألفية الثانية، كان علينا دراسة مادة “ثقافة قومية”. 

هذه المادة مهمتها أن تشرح لنا نحن الطلاب الجامعيون أفكار الرئيس بشار الأسد “الإصلاحية” ومبادئ حزب البعث، ومنجزات انقلاب والده حافظ الأسد في فترة السبعينيات والمعروف باسم “الحركة التصحيحية المباركة”.

في إحدى المحاضرات، كان المحاضر يتحدّث عن “اشتراكية” حزب البعث، وكيف تعتمد مبدأ توزيع الأموال على الشعب بشكل عادل.

كان ذلك يحصل في نفس حقبة صعود طبقة رجال الأعمال المحيطين ببشار الأسد ومنهم أقرباؤه. أذكر حينها أنني شعرت بالغضب. لم أتمكّن من تمالك أعصابي فرفعت يدي طالباً الحديث، فسمح لي المحاضر، فوقفت وسألته: ” شو حقيقة الاشتراكية في سوريا بينما هناك أشخاص بيملكوا أكثر من نصف اقتصاد البلد؟”.

ساد الصمت وطلب منّي الاستاذ الجلوس من دون أن يعلّق.

بعد المحاضرة استدعاني عناصر أمن الجامعة وهدّدوني بأن عائلتي لن تعرف شيئاً عنّي في حال كررت ما قلته، وذلك بعد سلسلة توبيخات وشتائم.

على مرّ السنوات العشرين الفائتة من حكم الأسد الابن، كان رامي مخلوف من مكوّنات “الأمن القومي” في سوريا، وتنطبق عليه تماماً قاعدة “الحيطان إلها آذان”، لا يجب الحديث عنه لا خيراً ولا شرّاً والأفضل عدم ذكر اسمه نهائياً في الجلسات العامة أو الضيّقة، حتّى أنّني كنت أحفظ نكتة سورية قديمة عن رامي مخلوف، ولكن لم أكن أتجرّأ أن أقولها أمام أحد وهي أن “رامي مخلوف لديه فقط منزل في دمشق وآخر في اللاذقية ويريد أن يفتحهما على بعضهما بعضاً”. كنا نروي تلك النكتة خفية ونحن نشهد اتساع امبراطوريته المالية التي كادت تربط مدينتي دمشق باللاذقية بأملاكه وأمواله.

كان رامي مخلوف من مكوّنات “الأمن القومي” في سوريا، وتنطبق عليه تماماً قاعدة “الحيطان إلها آذان”.

اليوم، يبدو أن هذه القاعدة كُسرت تماماً، إذ بات الحديث عن مخلوف وحتّى شتمه أمراً عادياً، سواء داخل المنزل السوري الذي تُحجر داخله العائلة كاملةً بعد السادسة ليلاً، وقد يحدث أن تسمع البائع خلال تسوّقك في مدينة حلب وهو يقول “حاجتو صرلو عشرين سنة عم يبلع عملة”.

يعيش السوريون اليوم سلسلة مشاهد سريالية، إذ ما كان لأي مواطن سوري يعرف مكانة مخلوف في منظمة حكم الأسد الفاسدة، أن يتخيّل حالة الانقلاب عليه، أو أن يصبح شتمه أمراً عادياً، حتّى أنّه بات مادةً للسخرية، فمن النكات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، أن حاجزاً للمخابرات الجوية أوقف مواطناً وبدأ يفتّش ملابسه لعلّه يجد معه شريحة اتصال “سيريتل” التي يملكها مخلوف ليقوم باعتقاله إلى الفرع.

ظهوران مختلفان

لا يختلف الظهور الأول لرامي مخلوف على مواقع التواصل الاجتماعي عن الظهور الثاني من حيث “لوكيشن” التصوير وأجوائه، فقد ظهر الحوت الاقتصادي جالساً على الأرض جلوس “العبد الفقير لله” وعنون الفيديو بالآية القرآنية “وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين”.

ولكن بعيداً من الشكل الإخراجي والبصري للفيديو، هناك فوارق هائلة بين الفيديو الأول والثاني من حيث المحتوى، ففي إطلالته الثانية، بدا مخلوف أكثر ثقةً بنفسه، كما أن حديثه اتسم بالهدوء ورفع حدّة الهجوم ضد من وصفهم بـ”الآخرين” المحيطين بكرسي الحكم، في إشارة إلى تلك “المرأة البريطانية الرقيقة” أو “أسماء الأسد”.

الفيديو الثاني أعطى مجموعة تأكيدات أن مخلوف الذي وصف نفسه بـ”خادم الأفرع الأمنية” لا يظهر أمام العامة لأنّ تواصله مع الأسد انقطع، بل لأنّه أراد القول إنّه جاهز لخوض أي معركة.

ثلاثة أسلحة

حتّى الآن، جميع المؤشّرات تذهب إلى أن مخلوف لم يستسلم أمام أسماء الأسد وزوجها بشّار، لم يستجدِ عطفهما، ولم يحاول استمالة أي منهما أو تهدئة الأجواء، بل إن مجرّد خروجه عبر الانترنت لنقل الصراع إلى العلن يعني أنّه ليس في موقفٍ ضعيف.

رامي مخلوف

في التحليل وراء سبب عدم استسلام مخلوف لنفوذ القصر الجمهوري، يتّضح أن لدى مخلوف مجموعة نقاط قوّة، يأتي على رأسها انتزاعه الحاضنة الشعبية داخل المجتمع الموالي للنظام على أسماء الأسد، ففي الوقت الذي كانت أسماء تعيش حياةً باذخة، وتشتري لوحةً باهظة الثمن، كان مخلوف يدير حملة تبرّعات لتوزيعها على الموالين له من الطائفة في الساحل السوري، حيث تبرّع بـ500 مليون ليرة سورية على شكل مواد غذائية ومستلزمات أساسية للمجتمع الموالي، حيث يتحصّن بينهم الآن، وهذه الحاضنة تشكّل أقوى أسلحة مخلوف في وجه أسماء التي تهالكت صورتها أمام مؤيدي النظام السوري.

من وجهة نظر اقتصادية، فإن الباحث والخبير الاقتصادي السوري يونس الكريم، رأى أن الضريبة المفروضة على مخلوف تُعتبر “رقماً صغيراً” أمام حجم ميزانيته، إذ يستطيع مخلوف تعويض المبلغ بعملية مضاربة في السوق السورية، ولكنّه يرفض الدفع لأسبابٍ معنوية تجعله غير جاهزٍ للرضوخ أمام أسماء الأسد وزوجها بشار، مضيفاً: “لو كان مخلوف خائفاً لكان تخلّى عن شركة سيريتل وأنهى الخلاف، ثم تفرّغ لاستثماراته الأخرى التي توازي 65 في المئة من القوّى الاقتصادية السورية، والتي تقوم على آلاف الشركات الضخمة، لكنّه ليس في موقع الرضوخ.

كما أن لدى مخلوف سلسلة استثمارات وأرصدة مالية ضخمة في روسيا والإمارات العربية المتحدة وأوروبا ودولٍ عدّة حول العالم، وهذه الاستثمارات تزيد من قوّته على المواجهة، وتجعل القضاء عليه أمراً يصعب على الأسد وزوجته، اللذين لم يصدر عنهما حتّى الآن أي ردّ فعل واضح على فيديوات مخلوف.

رفع مستوى التهديدات

في سوريا، تتردد انباء يتداخل فيها الصحيح بالكاذب حول تضييق أمني يطال مقربين وعاملين لدى مخلوف. وكان مخلوف نفسه قد افتتح مقطع الفيديو الثاني له بالكشف عن أن الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري بدأت اعتقال موظفين تابعين له، رافعاً حدّة التهديدات بالقول: “الأمور وصلت إلى مرحلةٍ لم يعد يمكن السيطرة عليها، وأصبحت الضغوط بطريقة غير مقبولة وبشكل غير إنساني”.

وقال مخلوف: “الأفرع الأمنية بدأت تعتقل موظفين تابعين له مع العلم أنّه كان من أكبر داعمي وخادمي هذه الأفرع الأمنية”، مُعتبراً أن ما يحصل هو استخدام السلطة لمصلحة الأشخاص.

“طلبتُ من الرئيس التدخل لإنصاف شركاتي لأنهم طالبوني بأموال لم يكونوا محقّين فيها، ولم يكن الهدف من ظهوري هو عدم الدفع، ولكن كنت أريد أن تذهب هذه الأموال إلى مستحقيها”، يتابع مخلوف في المقطع الذي هاجم فيه أسماء الأسد بشكلٍ أكثر وضوحاً عندما دعا بشار إلى “وضع حد للتدخلات المحيطة حول صاحب القرار لأنّها أصبحت لا تطاق ولا تُحتمل إلى درجة مقرفة وخطرة”.

لدى مخلوف سلسلة استثمارات وأرصدة مالية ضخمة في روسيا والإمارات العربية المتحدة وأوروبا ودولٍ عدّة حول العالم، وهذه الاستثمارات تزيد من قوّته على المواجهة.

وقال أيضاً: “هيك ما فينا نكمل” وأن “ما يحدث بحقّه هو ظلم وتعدّي على الملكية الخاصة”.

مخلوف هاجم “الآخرين” موجهاً كلامه لبشار الأسد: “لا يجب أن نترك الآخرين يتعاطون معنا بهذه الطريقة لأنهم يتعدّون على القانون والدستور الذي أنت ترعاه”.

وخلال الفيديو أكّد مخلوف أنه لن يتنازل عن أمواله، مردفاً: “هؤلاء يضغطون علي لكي أتنازل وأنا لن أتنازل”، و”إذا استمررنا بهذه الحالة سيكون وضع البلد صعباً جداً، وسيكون هناك عقاب إلهي حتمي لأنه بدأ هنا منعطف جديد”.

كسر جدار الخوف

كانت الناشطة السورية الموالية للنظام ماغي خزام من أوائل من شنّوا هجوماً على مخلوف، حيث وصفته بـ”سارق البلد” بعدما وصف هو نفسه بأنّه “خادم الأفرع الأمنية”.

جاء حديث خزام في مقطع فيديو نشرته على “فايسبوك”، ردّاً على حذف مخلوف تعليق زوجها الذي خاطب مخلوف “متل ما عم تقاسمونا مشاكلكم تفضلوا قاسمونا أموالكم”، موضحةً أن مخلوف يستخدم الشعب ضد الرئيس كسلاح من دون أن يقدّم شيئاً له.

واستعرضت خزام مجموعة الشركات والأموال التي يملكها مخلوف خلال الفيديو ذاته، مثل “سيريتل”، “شركة شام القابضة”، بنك سوريا الإسلامي وحصة من بنك بيبلوس وشركة راماك للتعهدات، وغيرها من الشركات.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني