fbpx

فلسطين: فوضى تشريعات ورواتب خيالية وإهدار المال العام

أثار إصدار الرئيس محمود عباس قرارين لتعديل قانون مكافآت ورواتب أعضاء المجلس التشريعي وأعضاء الحكومة والمحافظين، غضباً فلسطينياً عاماً، في ظل انتشار فايروس "كورونا"، وحاجة الفلسطينيين إلى المزيد من التقشف وتخفيض النفقات...

اعتبر كثيرون أن القرارين من شأنهما زعزعة الثقة بالتوجهات والجهود الرسمية الداعية إلى التعاضد وحشد الدعم من القطاعين الخاص والعام ومن المواطنين لمواجهة الآثار الاقتصادية لجائحة “كورونا”.

ويعد ذلك استغلالاً لإعلان حالة الطوارئ والتي تم تجديدها للمرة الثالثة في تحايل واضح على القانون الذي يتم تفصيله وفقاً لمصلحة السلطة.

كل ذلك نبه الفلسطينيين إلى سيل التشريعات التي يصدرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وطرح أسئلة حول فوضى التشريعات في فلسطين المتمثلة بإصدار قرار بقانون. ووفقاً للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، أنه منذ تعطل المجلس التشريعي عام 2007، فإن عدد القرارات التي صدرت بلغت 270، وبعضها في مضمونه ليس تشريعاً، إنما هي عبارة عن قرارات، مثل قرار رفع الحصانة عن بعض النواب في المجلس التشريعي، وقرار للمصادقة على تعيين بعض المناصب.

الفوضى في التشريعات مستمرة منذ عام 2007 وهي تصدر وتطبق في الضفة الغربية ولا تسري على قطاع غزة، وهناك قرارات تعزز الفساد، والحديث للأسف لم يعد عن توحيد السلطة الفلسطينية وإنهاء الانقسام ويبدو أن الفلسطنيين فقدوا الأمل بالوحدة، ولم شملهم.

وهناك نحو 20 قراراً حول المصادقة على الموازنة العامة، و20 قراراً بشأن المصادقة على اتفاقيات دولية أو قروض، و30 قراراً بشأن المصادقة على الحكومة أو إصدار تعيينات أو إحالة للتقاعد، ما يعني أن هناك 200 قرار (بقانون) تتعلق بالتشريع.

في فلسطين عام 2018 صدر 40 قراراً أي بمعدل قرار كل أسبوع.

وبحسب تفسير مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان الدكتور عمار الدويك فإن الهدف من القرار بقانون، هو أن يأخذ الرئيس الصلاحية التشريعية من المجلس التشريعي بصفة موقتة، لكن الرئيس عباس أخذ كامل صلاحيات المجلس التشريعي الرقابية والتشريعية والصلاحيات المتعلقة بالموازنة والمصادقة على التعينات والمصادقة على الاتفاقيات الدولية، وهذا يدل على التوسع في مفهوم “القرار بقانون”.

وعلى رغم من استناد الرئيس الفلسطيني الى نص المادة 43 من القانون الأساسي الفلسطني ( دستور السلطة الفلسطينية) التي تعطي الرئيس صلاحية إصدار قرار بقانون، إلا أن ذلك مقترن بالأمر الطارئ، وبالتالي فإن القرار الصادر يجب العمل على تنفيذه، لكن ذلك لا يحدث.

على سبيل المثال لا الحصر، فإن أول قرار بقانون صدر بعد الانقسام، هو قرار بقانون 1 عام 2007 بشأن الانتخابات، لكنه لم ينفذ، علماً أن المتوقع من إصدار القرار في حالة الضرورة هو تطبيقه لإعادة تنظيم الأمور، لكن هذا القانون الذي صدر في 2007 لم يتم تطبيقه حتى الآن.

في ظل هذه الحالة والخطر الذي يحيط بالفلسطينيين ومستقبلهم الغامض وغياب الديموقراطية والمشاركة واستمرار الانقسام، والأخبار التي تقول إن إسرائيل أبلغت مصر ببدء تنفيذ المرحلة الأولى من صفقة القرن وفرض سيادتها على الحرم الإبراهيمي خلال الفترة المقبلة وبشكل كامل، إضافة إلى معظم  المنازل والأراضي الملاصقة والمجاورة والمؤدية إلى الحرم.

وفي غياب أي أمل بتغيير في النظام السياسي الفلسطيني وحالة التفرد والخوف الذي يبديه كثر من المراقبين على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وتفرد الرئيس محمود عباس بالحكم، فهو رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولديه الشرعية الوطنية، وتطرح أسئلة حول من سيخلف الرئيس عباس بخاصة أنه لم يعين نائباً له وقام بحل المجلس التشريعي كي لا يخلفه رئيس المجلس الحمساوي، ومن حق الناس معرفة مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، في حال أصبح منصب الرئيس شاغراً.

ولا يستطيع أحد فتح نقاش حول الموضوع أو حتى وضع سيناريو من سيخلف الرئيس ومن سينوب عنه حتى في الفترة الانتقالية ولترتيب الأوضاع من الآن، والتي تركت للأقدار، فيما تدور معارك من تحت الطاولة في انتظار أن يصبح منصب الرئيس شاغراً.

السلطة الفلسطينية استغلت حالة الطوارئ مع أنه لم تكن هناك حاجة لاستخدام الطوارئ في ظل وجود قوانين تنظم مواجهة “كورونا”، غير أن السلطة وحكومتها قوضتا الحريات ومنحتا المحافظين والأجهزة الأمنية صلاحيات لاستمرار حجب المواقع الإلكترونية الإخبارية، وتمديد توقيف المعتقلين.

وبالعودة إلى القرارت بقوانين ومقارنة الوضع القانوني في فترة المجلس التشريعي الأول (1996 – 2006) الذي أصدر نحو 95 قانوناً، مقابل 270 قراراً بقانون منذ عام 2007 حتى الآن، ما يوضح أن عملية إصدارها سهلة. وهي تتعلق بقطاع الحكم، كإنشاء مؤسسات عامة جديدة، تنظيم عمل مؤسسات عامة، أو مؤسسات لها صلة بالشأن القضائي أو يتعلق بالأجهزة الأمنية أو حقوق الموظفين، كما أن عدداً أقل من تلك القرارات بقوانين تتعلق بالقطاع المالي الاقتصادي، وأقل منها بالتشريعات العقابية.

لكن أقل حقل من الحقول هو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، وترتب عليها التزامات مالية على السلطة تنفيذها وتشكيل حماية اجتماعية للمواطنين.

ووفقاً للمراقبين القانونيين والحقوقيين، فهناك عشوائية وتخبط في التشريع، في غياب الدراسات والنقاش مع المجتمع الفلسطيني، وغياب خطة تشريعية، مرتبطة بالخطة التنموية أو خطة الحكومة الثلاثية أو الخمسية، إضافة إلى أن الكثير من القرارات بقوانين، التي صدرت، عُدِّلت ثم ألغيت مثل قانون الضمان الاجتماعي الذي اثار الرأي العام الفلسطني، مع أهميته لخدمة قطاع كبير من الفلسطنيين.

وهناك عدد قليل من تلك القرارات بقوانين تتواءم مع الاتفاقيات الدولية التي تم الانضمام اليها منذ عام 2014.

وهناك قرارت بقوانين لم تتواءم مع انضمام فلسطين للاتفاقيات الدولية وأغلب هذه التشريعات صدر بلا مشاورات وطنية كافية وبعضها صدر في السر، ويتم تسريبها أو تم نشرها في الجريدة الرسمية على استحياء.

وعلى سبيل المثال، أقرت اتفاقية مناهضة التعذيب، فيما لم يصدر قانون يعارض التعذيب، كما حصل تعديلان للقوانين بعد الانضمام إلى اتفاقية سيداو، لكنهما لا يعكسان كل ما هو مطلوب من الاتفاقية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فكل ما يتعلق بقوانين النشر لم يتواءم مع ذلك العهد، بل على العكس، فقد صدر قانون الجرائم الإلكترونية وهو من القوانين الأشد خطورة على حرية التعبير عن الرأي.

معظم تلك القرارات لم تشهد مشاورات حولها، وبعضها لم يخضع لمشاورة مع الحكومة مثل القرارين الأخيرين المتعلقين برواتب التقاعد، والهدف من تعديل القوانين هو المصلحة العامة، لكن بعض القوانين تم تعديله من أجل شخص واحد، فبعضها عُدل لفائدة شخص بعينه، مثل تعديل قانون مكافحة الفساد من أجل التمديد لرئيس هيئة مكافحة الفساد السابق، وبعضها عُدل للتخلص من شخص ما، كما حصل في قانون التأمين لاستبعاد بعض الأشخاص.

وفي خطوة خطيرة توضح حجم الفساد والمحسوبية، بعض الوزراء وقبل انتهاء عملهم في الوزارة أسسوا هيئات جديدة وجهزوها وفصلوها وانتقلوا إليها، باعتبارها مشروع المستقبل.

والأخطر وجود نحو 80 هيئة ومؤسسة تحصل على نثريات مالية، وهذا أمر غير قانوني وفي حاجة إلى مراجعة جدية وشاملة للهيئات والمؤسسات غير الوزارية، والنظر في جدواه وفعاليته والحاجة إليه في ظل الأوضاع الراهنة التي تمر فيها السلطة والفلسطينيين والأزمة المالية الكبيرة التي تعاني منها السلطة والفلسطنيين على حد سواء.

هناك وزراء يرفضون أن تعود بعض الهيئات الرسمية وفقاً لقانون الوزراة المختصة، إليهم بسبب تضارب المصالح، بخاصة أن نظام 2016 الخاص بالمكافآت يعطي كل وزير يستطيع ترؤس هيئتين، ويعقد أربعة اجتماعات، الحق بالحصول على مكافآت مالية وبدل مهمات وسفريات.

ووفقاً لمراقبين، هناك مؤسسات تدير نفسها من مالها العام ومن إيراداتها مثل هيئة سوق رأس المال، إذ نصت تشريعات على أن الأرباح الخاصة بها تذهب إلى الخزينة العامة، وخسائرها تتحملها الخزينة العامة مع منح رواتب عالية، وعند التدقيق في موازنتها نجد أنها دائماً تتكبد خسائر، بالتالي هذا تناقض مصالح، والتشريع يخدم هذا التناقض.

الفوضى في التشريعات مستمرة منذ عام 2007 وهي تصدر وتطبق في الضفة الغربية ولا تسري على قطاع غزة، وهناك قرارات تعزز الفساد، والحديث للأسف لم يعد عن توحيد السلطة الفلسطينية وإنهاء الانقسام ويبدو أن الفلسطنيين فقدوا الأمل بالوحدة، ولم شملهم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
طارق اسماعيل – كاتب لبناني
يعرف “حزب الله”، ونعرف نحن أيضاً، أنه يملك “فيتو” هو سلاحه. ويُفترَض أن ندرك أيضاً سبب إصرار الحزب دائماً على إعطاء هذا السلاح شرعيته الدستورية من خلال ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني