fbpx

المرأة العاملة في اليمن : بين حدّي القبيلة والحرب…

تتعامل المرأة اليمنية -في الغالب- مع العمل كضرورة للبقاء على قيد الكرامة، الآن ومن قبل ولاحقاً، وإن كانت الحاجة الراهنة أكثرها إلحاحاً وأشدها ضرورة.

 في المقابل تتعثر جهودها، ومحاولاتها الدؤوبة للتواجد والحضور الفعال والمؤثر بقائمة طويلة من جداً من التحديات يتصدرها الإطار الاجتماعي الخانق، والنزعة الذكورية لدى راسمي السياسة العامة للدولة، وليس انتهاءً بتبعات الحرب الدائرة في البلاد، والتي كبحت أو -كادت تفعل- جماح قدرات وإمكانات نسوة المجتمع اليمني، إلا من استثناءات قليلة جداً استطاعت التحليق بأجنحة خُلقت لتطير، والصمود في وجه التنميط القبلي الدارج والموت المجاني الذي أزهق الأرواح والأحلام معاً. 

شريحة عريضة.. فرص هزيلة

 6 % هي نسبة النساء اليمنيات من القوى العاملة في البلاد ككل؛ تشغل منهنّ 7% فقط وظائف حسب تقرير منظمة العمل الدولية للعام 2013. إحصائية طرأ عليها عديد تحولات عقب خمس سنوات من الحرب، انخفضت فيها عمالة الإناث بنسبة 28% مقارنةً بنسب انخفاض عمالة الذكور البالغة 11% وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي العام 2017. أرقام ما تزال قابلة للتدهور أيضاً في ظل ضغط الوضع العام العالمي المتأثر بتداعيات فيروس كورونا، واستمرار الحرب التي يبدو أفق انتهائها غير قريب. 

  في حديث لـ”خيوط”، تقول أسمهان الإرياني، وهي ناشطة مجتمعية، إن هناك آراء ترجح أن “اليمنيات استفدن من الحرب في اتجاهين متوازيين: الأول متمثل في انخراطهن في أعمال كانت -حتى وقت قريب- حكراً على الرجال، والثاني متعلق باكتساحهن وظائف المنظمات وهيئات المساعدات الإنسانية، التي تنشط أثناء النزاعات والحروب”. غير أن الناشطة المهتمة بقضايا النوع الاجتماعي، ترى أن هذه الآراء بحاجة لمراجعة، وأن “مدعاة هذه المراجعة نابع من أنه لا دراسات حتى الآن تبين ما إذا كان المجتمع اليمني قد أصبح واعياً بأهمية دور المرأة اقتصادياً بعد الحرب”. 

“المشاريع الصغيرة التي تمكنت المرأة من خوض غمارها مؤخراً ممولة ذاتياً، وهذا وحده لا يكفل استمرارها وتطويرها في ظل الوضع الاقتصادي المحلي والدولي المتذبذب، حيث انهارت كبريات الشركات والبيوت التجارية.” أردفت أسمهان، مشيرةً إلى تراجع تمثيل مصالح وحصص النساء -المتدنية أصلاً- في الميدان السياسي، إذ فرضت الحرب حضوراً طاغياً للذكور على حساب الإناث، سواءً كان ذلك في المجال العام أو على مستوى الأحزاب والتنظيمات السياسية، وبالتالي فرض إرادة أطراف الصراع والمنتسبين للمجال العسكري، في مقابل تغييب الفئات الأخرى في المجتمع وعلى رأسها فئة النساء.

اضطرتنا الأوضاع لتقديم تضحيات قيمية والرضوخ لابتزاز الدفع مقابل الحصول على مرتباتنا التي هي في الأساس ضئيلة ولا تلبي حتى احتياجات الدواء والإيجار

تحديات الحرب 

تسببت الحرب التي اندلعت منذ مارس/ آذار 2015، بقتل وجرح أكثر من 17500 مدني بحسب مشروع “بيانات اليمن” التابع لهيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر العام 2019، في بلد يعاني أكثر من 20 مليون إنسان فيه من انعدام الأمن الغذائي، 10 مليون منهم معرضين لخطر المجاعة. ذلك ضاعف الحمل الملقى على عاتق المرأة التي وجدت نفسها معنية بدرجة رئيسية بإيقاف انهيار الحياة من حولها؛ “لقد تعرضت حياتي للخطر في كل مرة اضطرّ فيها للنزول إلى مناطق نائية لاستلام راتبي المدرج تحت بند (نازح)” تقول -أستاذة الإعلام والاتصال بجامعة صنعاء- بلقيس علوان لـ”خيوط”، مضيفةً أن هذه الأوضاع “اضطرتنا لتقديم العديد من التضحيات القيمية والرضوخ لابتزاز الدفع مقابل الحصول على مرتباتنا التي هي في الأساس ضئيلة ولا تلبي حتى احتياجات الدواء والإيجار”. وتتابع: “لقد أقمنا أنا وشقيقتي وصديقتانا مشروعاً من المنزل لإنتاج المأكولات والحلويات والمخبوزات بجهود وتوصيل ذاتي. هذه المحاولة للفكاك ومواجهة تبعات الحرب التي استمرت بالنسبة لي لشهور فقط، نظراً لمرض زوجي، هي من التجارب التي أفخر بها، إضافةً إلى محاولاتي المستمرة في فتح منافذ للدخل عبر الكتابة وإنتاج أعمال فنية وإن كانت بعائدات متدنية”. 

تكرس التنشئة المجتمعية واقع التمايز بين الجنسين منذ طفولة المرأة، حيث تتسع حرية الذكر كلما كبر في حين تتقلص حرية البنت كلما كبرت، حتى أن هذه الثقافة انعكست على اتخاذ قرارات مصيرية تخص النساء، تتضح أكثر بمجرد ذهاب المرأة لقطع بطاقة شخصية، حيث يُطلب منها ولي أمرها مهما بلغت من العمر. 

تدخلات القبيلة 

 تحتل اليمن أسفل القائمة في التقرير العالمي عن الفجوة بين الجنسين لكل عام على مدار العقد الثاني من الألفية الثالثة. تعزو الدكتورة عفاف الحيمي -أستاذ علم الاجتماع- أسباب ذلك إلى طبيعة الثقافة الاجتماعية السائدة التي لا ترى في المرأة أنها راشدة. وتضيف الحيمي لـ”خيوط” أن التنشئة المجتمعية تكرس هذا الواقع منذ طفولة المرأة، حيث تتسع حرية الذكر كلما كبر، في حين تتقلص حرية البنت كلما كبرت، حتى أن هذه الثقافة انعكست على اتخاذ قرارات مصيرية تخص النساء، تتضح أكثر بمجرد ذهاب المرأة لقطع بطاقة شخصية، حيث يُطلب منها حضور ولي أمرها مهما بلغت من العمر. 

  من هذا الواقع تأتي تجربة نسيم جرادة (32 سنة) التي تعرف مهنتها بـ”الشارعة” (وهي باللهجة الصنعانية، السيدة التي تتولى تزيين ونقش النساء والعرائس في الأفراح والمناسبات). تحكي (أم مؤيد)- كما تحب أن يناديها الناس- لـ”خيوط” عن الصعوبات التي واجهتها منذ قررت امتهان “النقش” (رسم الكفوف بالحناء والخضاب) قائلة: “أنحدر من أسرة قبائل بمقياس التمايز الطبقي المجتمعي، وعندما بدأت ممارسة المهنة كهواية في البداية العام 2014، قامت القيامة عليّ؛ والدي شخصياً قاد حملة (المنع القبلي) ضدي، لكني وبحكم خلفيتي التعليمية -بكالوريوس صحافة ونشر /قسم العلوم الإنسانية / جامعة العلوم والتكنولوجيا 2018، وحصيلتي المعرفية عبر عدد من الدورات والورش، ثم بدعم زوجي، تمكنت من الانتصار لإرادتي، والانتصار للحياة من بعدها. الآن مهنتي تعيل أسرتي المكونة من أربعة أطفال، وأولاد أخي المتوفى، وأساهم في دعم والدي الذي يعاني كغيره من انقطاع المرتبات وتردي الظروف المعيشية.” تنهي نسيم حديثها.

مرّرت نفسي على التخطي 

  دقت مسامير العادات والتقاليد في عرض الآمال والتطلعات لكثيرات، لكنهن بالرغم من ذلك مرّرن أنفسهن على لياقة التخطي وعدم الالتفات للخلف؛ عايدة (أم أيمن)، (35 سنة) تروي لـ”خيوط” مشقة أن تعمل المرأة “دلاّلة” (بائعة متجولة للملابس والأغراض الشخصية للنساء في البيوت). تقول عائدة: على مدى سنوات ظل والدي الذي يملك مزرعة للدواجن، يرسل لي مبلغاً من المال بين الحين والآخر، لإدراكه ظروف زوجي -ابن أخيه- الصعبة. كنت أتلقاها بامتنان كبير وإن كانت لا تغطي جزءاً من متطلبات الإيجار، وتعليم الأولاد، ومصاريف الأكل والشرب. ذات مرة قررت أن أبيع بعض الجوارب ومستلزمات التجميل للنساء أثناء لقاءات عابرة؛ جمعت عيديّتي واشتريت البضاعة لأتفاجأ بقبول النساء عليها. كررت التجربة وطورتها إلى أن أصبحت معروفة في الحارة وحواري مجاورة، وحين علم أبي وإخواني، قطعوا عني المبلغ الذي كانوا يرسلونه لي، وبدى عليهم الاستهجان وعدم الرضا الذي عبروا عنه بطرق مختلفة أولها تحريض زوجي ونعته بـ”عديم الرجولة”، ثم قطعوا الزيارة عني”. وتضيف عايدة: “آلمتني ردة الفعل هذه، لكني أمام قسوة المعيشة أكملت ما بدأت به، إلى أن تمكنت، بالتعاون مع زوجي، من شراء قطعة أرض صغيرة، حيث باع بدوره حصته من ميراثه في القرية، وبنينا بيتنا البسيط، الذي حفظ ماء وجوهنا من إذلال المؤجرين”. 

مهام مزدوجة.. تعليم مفقود 

  الأمر أشبه بصراخ في بئر عميق مع علمها أنه لن يسمعها أحد؛ هكذا يمكن وصف وضع المرأة في الريف. فمنذ أن تفتح عينيها على الحياة وهي محكومة بأدوار ومهام روتينية، نمطية ترافقها حتى نهاية العمر؛ أدوار قد يضاف لها عبء تحمل مسئولية مزدوجة، إذ يضطر الكثير من أرباب الأسر إلى الاغتراب خارج البلاد لتأمين لقمة العيش، وعلى المرأة أن تؤدي دور الأب والأم في الوقت ذاته، إضافة لأدوارها المتعددة داخل وخارج البيت. 

القضية لا تنتهي عند جيل نسوي بعينه، بل يبدو أنها ستتمدد لأجيال متعاقبة في ظل أوضاع قد تفاقم من احتمالات حرمان الفتاة في الريف من التعليم الذي سيكفل لها الخروج من هذه الحلقة المفرغة. 

  وإجمالاً، كل هذه التحديات التي تواجه المرأة اليمنية بشكل عام، والعاملات منهن على وجه الخصوص، تقابل بعزائم ترى أن قبول الانتقاص نوع من الاستسلام وتبرير مهذب للهزيمة التي لا تتصالح معها المرأة اليمنية إطلاقاً عبر تاريخها الحضاري الحافل بالحضور المؤثر والقائد. 

التحقيق من إعداد دولة الحاصباني

نشر هذا الموضوع في موقع “خيوط” اليمني

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني