موسيقى الراب في غزة : شغب وفوضى… واعتقال

بين أروقة المخيم الأكبر للاجئين في قطاع غرة أنتج الكثير من الأغاني التي تجسد حياة المقهورين والمحاصرين، وطرق بأعماله جدران المسؤولين الفلسطينيين، ليكون مصيره الاعتقال والتعذيب لدى الأجهزة الأمنية مرات عدة.
محمد لافي

في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة حيث المساكن متلاصقة ومكتظة، كان سطح المنزل هو موقع التصوير، والغرفة الضيقة التي يتشاركها مع شقيقه الأصغر هي استوديو التسجيل. هكذا كانت بداية مشوار الرابر الغزي محمد لافي البالغ من العمر 24 سنة. 

يقول لافي لـ”درج” إنه بدأ مشواره الفني عام 2011، بإمكانات محدودة، معتمداً على ذاته في جميع محطات إنتاج الأغنية، لتمر 6 سنوات أصبح فيها أكثر نضجاً وخبرة في فن الراب، لينطلق عام 2017 لإعلاء صوته وإيصاله للجميع، فكانت لغة الأغاني التي يؤديها هي ذاتها “الدارجة” في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ونجح في ترجمة واقع الغزيين وقضاياهم في أعماله.

“شغب”… 

لافي يُطلق على نفسه اسم” شغب”، وهو اسم مستوحى من لغة الشارع والمخيمات، واختار هذا الاسم قصداً لأنه يعبر عن الفوضى، كما يقول. وكان أول عمل أنتجه هو “بكفي”، تحدث فيه عن المسؤولين في غزة الذين يستغلون الدعم الخارجي الآتي للفلسطينيين، ويستفيدون منه، ولاقت إعجاب كثيرين، وكان لها صدى كبير، بخاصة لأنها تناولت قضية سياسية يعرفها الجميع ويخشون الحديث عنها.

يضيف لافي،” حالة العشق التي أعيشها مع فن الراب هي وسيلة للتعبير عن آرائي تجاه ما يواجهه أبناء شعبي، وإيصال صوتهم إلى العالم عبر كلمات الأغاني والألحان الموسيقية، فكانت لغة الأغاني جريئة تناقش القضايا وتتخطى أحياناً حدود المسموح والممنوع، بحسب بعض المسؤولين”.

يؤكد لافي أنه لم يتلقَّ دعماً من أي جهة كانت، وهو ينفق على الأعمال الفنية التي ينتجها من جيبه الخاص، فلا أحد يدعم الراب في غزة.

جرأة لافي في تناول المواضيع السياسية والاجتماعية، أزعجت المسؤولين، فعام 2017، أنتج كليب” حقك” الذي أشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وكان تشجيعاً للشباب الذين خرجوا في حراك جباليا الشعبي، وأطلقوا ثورة سياسية ضد انقطاع التيار الكهربائي عن المواطنين، وعدم انقطاعها عن بيوت المسؤولين، ونجح الحراك وشارك فيه عشرات الآلاف من شباب المخيمات في القطاع مطالبين بتوفير الكهرباء أو قطعها عن بيوت المسؤولين.

وبسبب مشاركة لافي في الحراك، ونجاح أغنية” حقك” التي تحدث فيها عن حق الشباب بالدفاع عن حقوقهم والخروج في تظاهرات، أقدمت قوة من جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة حماس إلى منزله واعتقلته وتعرّض للتعذيب. وبعد الإفراج عنه اعتقل مرة أخرى في العام نفسه على خلفية أغنية راب، “ازدهار”، انتقد فيها أحد المسؤولين في حركة حماس.

الهجرة من غزة

من وسط أزقة قطاع غزة الضيقة، والملبدة بغيوم الانقسام والحصار، بدأ الشاب إبراهيم غنيم رحلته في فن “الراب” عام 2006. 

بصوت مختلف استطاع أن يتجاوز حدود المدينة المحاصرة ليصل خلال أعوام قليلة إلى مدن وعواصم عربية وغير عربية.

ظروف نشأة إبراهيم مع فن الراب والمنحصرة بأحداث الاقتتال بين حركتي “فتح” و”حماس”، وحالة الانقسام، وظروف الحصار الإسرائيلي، والحروب المتكررة على غزة، تمظهرت في أعماله التي تحدثت جميعها عن تلك الوقائع، وحق الفلسطيني في الحرية والعيش بكرامة. 

هذا الفن لم ينل إعجاب بعض الفئات في غزة، وبخاصة الجهة الحاكمة التي منعتنا من إقامة حفلات راب في قطاع غزة، وفرضت رقابة على الأعمال التي نؤديه

يقول غنيم لـ”درج”: “على رغم وصول فن الراب إلى قطاع غزة متأخراً إلا أنه لاقى إقبالاً كبيراً وبخاصة الشباب، الذين وجدوا فيه ضالتهم لإيصال رسالتهم والتعبير عن أرائهم بطريقة جديدة، وأصبح لهذا الفن جمهور واسع، وبدأنا ابتكار أفكار جديدة لتطوير هذا الفن حتى يتناسب مع المجتمع المحافظ.”

قدّم الكثير من أغاني الراب التي تدور في فلك هذه القضايا، منتجاً لها فيديو كليبات مصورة، أبرزها أغنية “كلاكيت آخر مرة”، التي تناول فيها أخطاء الفصائل الفلسطينية في إتمام المصالحة الوطنية.

أمام تفاقم معضلة الانقسام الداخلي، وضبابية الرؤية المستقبلية، إلى جانب أزمات الحصار التي أثقلت هموم المواطنين الغزيين وبخاصة الشباب، ضاق صدر إبراهيم ذرعاً، ولم تلائم ظروف الحياة أحلامه، فغادر غزة باحثاً ع أفق أرحب من من غزة المحاصرة، وكان ذلك نهاية عام 2017، ” الوضع هنا دفعني إلى الهجرة للبحث عن مكان آخر لأغني بحرية وبلا قيود.”

سافر إبراهيم الذي يبلغ من العمر 28 سنة إلى تركيا، حيث أمضى شهوراً، لينتقل بعدها إلى تونس لإنتاج وتصوير أغنية مشتركة مع المطرب التونسي لطفي بوشناق، بعنوان “ماذا ستفعل”، والتي تتحدث عن مآسي الشعب الفلسطيني، وقد بثت عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي في منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. واستقر بعد ذلك مدة عام في تونس، وأنتج عام 2019 أغنية بعنوان “عربائيل”، مع مغني الراب التونسي “كلاي بي بي جي”.

بعد تونس، انتقل غنيم إلى محطة جديدة في نهاية عام 2019 في ماليزيا، إلا أنه بفعل ظروف “كورونا”، بقي محجوراً في منزله، في صورة أعادت إلى ذهنه الحصار داخل غزة، ” في ظل حالة الحجر التي تعيشها معظم شعوب العالم بسبب جائحة كورونا، أستغل تلك الفترة بالتفكير لإيجاد أفكار جديدة وإنتاج الكثير من أغاني الراب متعددة الأفكار والقضايا، لأتمكن من إقامة حفلات بعدما حُرمت من ذلك في وطني فلسطين بسبب انغلاق المجتمع الغزي الذي تحكمه عادات وتقاليد متشددة”. 

ابراهيم غنيم

صوت المجتمع

مشوار غنيم الصعب انعكاس للصراع الذي يواجهه مؤدو الراب في غزة مع واقعهم المعقّد، جراء قيود مجتمعهم وسلطاته الحاكمة من جهة، وتردي ظروف الحياة بفعل استمرار الانقسام وتشديد الحصار المفروض من جهة ثانية، فغزة تلك البقعة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها، 365 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، تعاني من مشكلات جمة أبرزها الانقسام الداخلي والحصار الإسرائيلي، وارتفاع نسبة البطالة، فأراد عدد من شبابها التعبير عن هذه القضايا بطريقة جديدة، مستخدمين فن الراب و”الهيب هوب” لإعلاء أصواتهم ومناصرة قضاياهم.

ويعد فن الراب من الفنون الغربية، التي ظهرت في بداية السبعينات في الولايات المتحدة الأميركية، وانتشر عالمياً ليصبح وسيلة الشباب للتعبير عن آرائهم ومناصرة المظلومين والمقهورين، واستغل شباب القطاع موسيقى الراب للتعبير عن همومهم التي أثقلها الحصار الإسرائيلي والانقسام بين حركتي “فتح” و”حماس”.

لجأ عدد من الشباب الذين تخرجوا من الجامعات في قطاع غزة، وأصبحوا بلا فرصة عمل، إلى فن الراب الغربي، لعل أصواتهم تصل إلى العالم ويجدون حلاً لمعاناتهم، فأنتجوا عدداً من أغاني الراب التي تعبر عن الواقع السياسي والاجتماعي وتناصر قضايا المظلومين والمقهورين، من دون أن يتلقوا دعماً مادياً أو لوجستياً من أي جهة كانت.

وعلى رغم قلة الإمكانات، إضافة إلى القيود المجتمعية والحكومية التي تحيط بهم، استمر هؤلاء الشبان في هذا الفن، وتوجهوا إلى “الراب السياسي”، فالرسالة التي حملتها أغانيهم كسرت تلك القيود جزئياً بقوتها وواقعيتها وأصبح لها صدى في المجتمع الغزي، وغيره. 

احد مخيمات غزة

قيود

الكاتب والناقد الفني شفيق التلولي، يؤكد أن حالة الإبداع التي يبديها شباب غزة الموهوبين في فن الراب تحاصرها قيود ومعيقات عديدة، والتي تتمثل في فرض رقابة على الكلمات المستخدمة في الأغاني، ومنعهم من إقامة حفلات راب في القطاع.

ويوضح أن تشديد القيود على مطربي الراب في غزة، وحرمانهم من تحقيق طموحاتهم، دفعا عدداً منهم إلى هجرة قطاع غزة، مجبرين على البعد من الأهل والعائلة، في سبيل مواصلة مشوار أحلامهم خارج حدود الحصار.

وبحسب التلولي، فإن الشباب في قطاع غزة وجدوا ضالتهم في فن الراب، وهو ما دفعهم إلى الإبداع فيه باستخدام أسلوبهم الناقد، وإيصال رسالتهم الفنية إلى العالم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني