fbpx

عن تنويعات العزلة : “قل هو الله أحد”…

"ليس هناك عزلة، إننا على الدوام ممتلئون بالآخرين".

حين فرض انتشار فايروس “كوفيد-19” على المجتمعات التباعد الجسماني، فُتح المجال للحديث عن موضوعة نادراً ما تناقش على هذا المستوى، وهي العزلة. لم يكن من المتوقع نقاش العزلة جمعياً. خرجت العزلة كموضوعة من الإهمال، ومن تصنيفها بما هو أقرب إلى المرض الاجتماعي، لتصبح ظاهرة جامعة بين الناس. والأدق، أن العزلة استعادت مكانتها كموضوعة محورية في ذات الفرد، وفي الفكر الجمعي. فالعزلة سؤال أساسي وأولي يطرح على الذهن حين يكتسب وعياً في الوجود، وتلعب الإجابة عنه دوراً في تحديد شخصياتنا، المهن التي نختارها، السلوكيات التي نلجأ إليها. لأن العزلة ليست واحدة ومتشابهة، فللعزلة تنويعات، من العزلة الخلاقة إلى العزلة كفعل سياسي، إلى العزلة الإيروتيكية. 

هنا نماذج ليست حصرية لتنويعات الوحدة التي اختبرناها قبل “كوفيد-19” ويبدو أنها سترافقنا طويلاً حتى بعده.

“تبدو لي العزلة مستحيلة. في الوحدة يحضر الآخرون دوماً. فنقرأ كتاباً من كتابة آخر، أو نستمع إلى الموسيقى التي ألفها وعزفها آخرون. وحين نفكر بالكتابة مثلاً فإننا نفكر بالآخر. حتى العزلة كثيفة في التواصل مع الآخرين”.

الاستقلال – التكامل

في علم الأحياء تسمى الكائنات الأولى بـ”وحيدات الخلية”، وهي بحسب داروين أصل الكائنات الأولى التي وجدت في الماء. لكن في علم الأحياء الخالق الأول يخلق نفسه، بينما في الدين الخالق الأول يخلق غيره. وحيدات الخيلة تتكاثر بالانشطار، من دون الحاجة إلى تفاعل مع كائن آخر. إنه التكامل الذاتي القادر على توليد الحياة. في كتابه “دموع إيروس” يبين المؤلف جورج باتاي أن القوانين الاجتماعية والدينية حرمت الاستمناء الذاتي لأنه يعيق عملية الإنجاب وتكاثر المجتمعات. فليس من مصلحة أي نظام ديني أو اجتماعي أن يقلل عدد أفرداه. تم تحريم الاستمناء الذاتي ذكورياً وأنثوياً، وفرضت العقوبات على عملية الاستمناء، بينما يصفها جورج باتاي بـ”الاستمتاع الذاتي”. إن القواعد الدينية والاجتماعية ترفض التلذذ من دون إنجاب، وتصفه بالانحراف. برأي باتاي، إن الجسد ولد بسمات طبيعية تسمح له بالتمتع ذاتياً. أليس الاستمتاع الذاتي وصولاً إلى النشوة هو ما يفرق الإنسان عن بقية الكائنات؟ وأليس الاستقلال الذاتي يؤدي إلى الكمال؟

العزلة الخلاقة

في قصص الأنبياء، تحضر العزلة الخلاقة. يكلم موسى الله وحيداً، والمسيح عاش راعياً يمتلك أوقات التأمل الطويل، ومحمد كان راعياً إضافة إلى ساعات التأمل الطويلة المعروفة في غار حراء، هناك حين استلهم الوحي أو تواصل معه. إنها العزلة الخلاقة. في بداية مسرحية “فاوست، غوتيه”، يلقي فاوست مونولوغاً طويلاً يشرح فيه الأيام التي أمضاها في القراءة والبحث. لقد تميز فاوست بفضول واسع، ورغبة ملحة للإجابة على الكثير من الأسئلة في الوجود، والفيزياء والعلوم وغيرها. وكذلك العالم فرانكشتاين في رواية “ماري شيللي”. تبدأ الرواية وهو وحيد يحاول أن يبث الحياة في الجسد الهامد أمامه. صحيح أن نهاية كل من فاوست وفرانكنشتاين مأساوية، إلا أن هذين العملين الأدبيين يكرسان العزلة كحالة إبداعية. فاوست يبحث، وفرانكشتاين يكتشف، وكلاهما في حالة عزلة وفي لحظة ابتكار. كذلك النحات “بجماليون” يكون وحيداً في حالة إبداعية حين تبدأ حكايته. بجماليون النحات يتقن تمثاله عن جسد امرأة حتى يقع في حبها، فتدب فيها الروح. والجد النجار صانع “بينوكيو” يتقن صنع اللعبة لتتحول إلى فتى حقيقي. 

 العزلة توّلد الصوت الداخلي للتفكير والمساءلة، بينما ترتبط الجمعية بالحالة القطيعية والتي تقودنا أحياناً إلى أفعال وسلوكيات لم نسائلها كفايةً.

في الدفاع عن حق المرأة في الكتابة والقراءة، كتبت “فرجينيا وولف” نصها الشهير بعنوان “غرفة تخص المرأة وحدها”، دافعت فيه عن حق النساء في العزلة، لتتمكنّ من الكتابة والقراءة. قد يبدو الأمر بدهياً الآن، لكن كتابة فرجينيا وولف عن ذلك كان ضرورة في تلك الفترة التاريخية، وهذا النص الذي يشجع على توفير المكان والزمن للمرأة لكي تعيش العزلة، يربط العزلة بالإبداع. نرى كم الفيديوات التي يصورها الناس من أنحاء العالم عن أنفسهم وهو يعزفون، ويغنون ليشاركوها مع العالم في عزلة “كورونا”.

الواحد الأحد

تعتبر سورة الإخلاص من أشهر الآيات القرانية، ومن أساسيات الفكر الديني. أسلوبها اللغوي عبارة تدور بشكل محوري حول فكرة أحادية الله: “قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.” إن الله الخالق مكتمل في الوحدة. الوحدة هنا قمة الاكتمال. لذلك، فإن “الأول” و”الواحد” من أسماء الله الـ99 في الرؤية الإسلامية. وبما أن العزلة من سمات الله فهي من سمات الخالق. وبينما يتعلم الإنسان أن يخشى الوحدة، فإنها تمنح الله الكمال، بحسب الرؤية الدينية طبعاً. كان الله وحيداً أيضاً حين خلق الأرض، لذلك سيرتبط فعل الخلق والابتكار في المخيلة الجمعية بالوحدة.

العزلة كفعل سياسي

منح الوجوديون، وخصوصاً سارتر، كامو، هنري باربوس، العزلة معنى وتأويلات، منها رفض النظام السائد سياسياً، وثقافياً. مع كتاب “اللامنتمي، كولن ويسلون”، يبدو أن العزلة يمكن أن تكون رفضاً للمنظومة الأخلاقية والسياسية. لقد تحولت العزلة من الكآبة التي رسمتها الرومانسية عن الفنان، إلى الفاعلية السياسية والنقدية للمجتمع. لقد حولوا فعلاً سلبياً، إنطوائياً كالعزلة إلى موقف سياسي فاعل. في ما بعد ستختلف مقاربة سارتر وكامو حول هذه النقطة، سيدافع سارتر عن مفهوم الثورة التي تقود إلى التغيير، بينما دافع كامو عن التمرد الأبدي، بغض النظر عن أي سلطة آتية أو أي تغيير.

العزلة الإيروتيكية

تتطلب الاستيهامات الجنسية حالاً من العزلة. تبدأ رواية “دفاتر دون ريغوبيرتو، ماريو يوسا”، حين يختلف دون ريغوبيرتو مع زوجته التي يعشقها، ويتفارقان. يعيش دون ريغوبيرتو عزلته محاطاً بالأعمال الفنية الإيروتيكية، والأدب الذي يعبر عن أحاسيس الجسد، والاستيهامات التي تبني فانتاسمات جنسية فائقة الجمال والجاذبية. وتكون زوجة دون ريغوبيرتو هي بطلة هذه التخيلات التي يمضي في تأليفها لمتعة الخيال والحواس. هكذا، يمكن أن تمتلئ العزلة بابتكار أحاسيس وتجارب في اللذة. وقد ذكرنا كيف دافع جورج باتاي عن الاستمناء، متعة الذات بحواسها وجسدها، وذلك يتطلب وقتاً من العزلة.

العزلة التأملية

تتحطم سفينة “روبنسون كروز” في رحلة في البحر الأطلسي، لينجو وحيداً على جزيرة مجهولة. هذه العزلة الإجبارية تجبره على الابتكار، ويصبح الممتع في حكاية روبنسون كروزو هو محاكمته وتفكيره بالحياة المدينية التي يعيد تعريفها. وحيداً، يطبق وربنسون كروز المعارف الإنسانية ليتمكن من البقاء على قيد الحياة. إن العزلة تدفعه إلى التأمل بكامل المعارف الإنسانية. إن العزلة تسمح لنا بإعادة تأمل أفكارنا، سلوكياتنا، وهذا ما يشكل الوعي بطريقة أمتن. العزلة توّلد الصوت الداخلي للتفكير والمساءلة، بينما ترتبط الجمعية بالحالة القطيعية والتي تقودنا أحياناً إلى أفعال وسلوكيات لم نسائلها كفايةً.

حاربوا الوحدة… 

في العلاقات العاطفية يفتح الحديث عن الوحدة: “وحداني أو وحدانية؟ وحيدة أو وحيد؟”، في محاولة السؤال عن العلاقة العاطفية للآخر. لكن لماذا لا يبنى السؤال بمنحى آخر: “هل أنت حر؟ هل أنت مستقل؟” إن غياب العلاقة العاطفية يعني الوحدة بلغة العلاقات العاطفية، وينظر إليها باعتبارها نقصاناً يحتاج إلى الكمال. وهكذا تبني الثقافة عبر اللغة طبيعة مشاعرنا. وتصبح الاستقلالية العاطفية ذنباً من النقصان. وهاهي الأغاني العربية أكثر ما تكرس استحالة العيش بلا الحبيب، والشعور بالأسى بالفشل المصيري في حال غيابه. تكرس كلمات هذه الأغاني الأكثر رواجاً شعوراً بالنقص، وبأن أكبر نجاح أو أكبر فشل في الحياة هو الموضوع العاطفي. ذلك أن الغناء عن القضايا السياسية والاجتماعية يكاد يكون ممنوعاً، ولا يحقق أعلى المبيعات. فالمجتمع يرغب في زيادة الإنتاج، والتكاثر، وأغاني الحب في مجتمع مكبوت جنسياً تعني زيادة نسب الزواج، والقضاء على الفردية، والانتصار على الأمم الأخرى.

“قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.” إن الله الخالق مكتمل في الوحدة. الوحدة هنا قمة الاكتمال.

العزلة العائلية

اليوم، يكرر الناس من العالم كلّه أن تجنب الخروج خوفاً من انتشار فايروس “كوفيد-19″، منحهم الفرصة للتواصل أكثر مع أفراد العائلة من الأهل، الأخوة أو الأبناء. هذا هو نوع العزلة التي اقترحها “غابرييل ماركيز” في روايته الشهيرة “مئة عام من العزلة”. عزلة أميركا اللاتينية المملوءة بالعائلة التي يتكاثر أفرادها لأجيال وأجيال. يمكن القول ألا لحظة عزلة واحدة حقيقة في الرواية، فالمدينة كلها العائلة، والعائلة هي المنزل بغرفه ومداخله وممراته. بعدما كان الأدب الأوربي السائد هو أدب أفراد، شخصيات وحيدة في الروايات، أعاد الكولومبي ماركيز الروايات المملوءة بالعائلات، وحكايات الأجيال التي تعج بالأحداث، والمبالغات، والتقلبات لمئة عام. جعل العزلة مع ضجيج العائلة، وتقلبات أحوال الأعمام، والأخوال والجدات والأحفاد والأولاد. 

“ليس هناك عزلة، إننا على الدوام ممتلئون بالآخرين”.

في اللقاء الذي أعقب تسلم الروائي التركي “أورهان باموق” جائزة نوبل للآداب عام 2006، وفي منتصف الحديث سأله العضو الدائم في لجنة الجائزة: “سيد باموق، إن قراءاتك واسعة في الأدب الغربي، وكذلك أمضيت السنوات في التعريف عن الآداب الشرقية، كما أن أحجام رواياتك هي كبيرة للغاية. مما يعني أنك أمضيت الكثير من الوقت وحيداً؟”. بدا السؤال شخصياً وحميماً. كان فضول عضو اللجنة على سنوات العزلة الطويلة التي يمضيها الكاتب في القراءة والتأليف، لكن باموق قدم واحدة من أجمل الإجابات عن موضوعة العزلة والتواصل: “تبدو لي العزلة مستحيلة. في الوحدة يحضر الآخرون دوماً. فنقرأ كتاباً من كتابة آخر، أو نستمع إلى الموسيقى التي ألفها وعزفها آخرون. وحين نفكر بالكتابة مثلاً فإننا نفكر بالآخر. حتى العزلة كثيفة في التواصل مع الآخرين”.

إذاً، إن العزلة مملوءة بالآخرين، يتم التواصل عبر الفنون، عبر الذكريات، وعبر الأفكار المتعلقة بالمستقبل.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سارة العريفي – كاتبة وصحافية سودانية
قد لا يحقق التطبيع تحت رعاية الولايات المتحدة الأميركية أي مصلحة للسودان، ولا يساعد في إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب… بمعنى أن ما تقوم به إدارة ترامب ما هي إلا مناورات لمصالح تخصها.

2:57

2:57

2:09

2:09
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني