لبنان في يوم الصحافة : “حريات” لا ملاذ آمناً لها

الاعتداءات لن تنتهي، وهذا ليس مهماً. المهم أن يبقى الصوت عالياً ضد الاستبداد وضد كل من يريد ترويض هذه المهنة بحجة الاستقرار

الحريات في لبنان ملاذ غير آمن، لا بل يمكن تعليبها ووضعها في المتحف الوطني مع لوحة فضية محفورة بتاريخ مبني على فعل ماضٍ. قد ينساق هذا المقال في مساره التقليدي والطبيعي، ويبدأ تصنيف الانتهاكات ضد الصحافيين منذ بداية العام التي وصلت إلى 78 انتهاكاً… لكن يبقى السؤال ما قيمة التعداد، إذا لم يغير الرقم في ذهنية المجتمع والسلطة؟

لم يعد ينفع التعداد عموماً بحسب أرقام الانتهاكات الإعلامية والثقافية في لبنان. لماذا؟ ببساطة مهما ارتفعت أرقام الاعتداءات فهي أرقام كبيرة بالنسبة إلينا فقط، نحن الذي نناشد أن يكون مناخ العمل الصحافي الحر أكثر عدالة وحرية. أما بالنسبة إلى المرتكبين فهو نظام طبيعي لا بل يشتد حزمه عندما تكبر عملية الضبط، التي نعتبرها نحن انتهاكاً.

الاعتداءات لن تنتهي، وهذا ليس مهماً. المهم أن يبقى الصوت عالياً ضد الاستبداد وضد كل من يريد ترويض هذه المهنة بحجة الاستقرار…

المؤسسات الإعلامية المستقلة في لبنان لا تتخطى أصابع اليد، وأثبتت خلال العام الماضي والمنصرم، جودة محتواها، لأنها كانت صوتاً خارج المألوف على الأقل في نقل أحداث الثورة، وكان لها دور أساسي في تغيير مفهوم الصحافة وتوسيع رقعة تصنيفات الصحافة وخصوصاً إلكترونياً. فالإعلام الإلكتروني المستقل برز في الثورة اللبنانية من دون كلفة واستطاع أن يكون الإعلام الأبرز على هواتف الناس قبل شاشاتهم في المنازل. وكان هذا المحتوى المستقل الأكثر موضوعية في نقل صورة الشارع. التحدي هو حماية هذا الإعلام من الانتهاكات والقمع…

فضلاً عن موضوع الانتهاكات، برز هذا العام صراع السيطرة على الإعلام، بين وزارة الإعلام ونقابة المحررين والمجلس الوطني للإعلام من جهة، ووزارة الداخلية من جهة أخرى. ولم ينتج عن هذا الصراع سوى ضبط مخالفة سير بحق صحافي في صحيفة “الأخبار”، على رغم التعاميم التي تعفي الصحافيين من التعبئة العامة في زمن “كورونا”، لكن ننتظر أن يطالعنا نظام المحاصصة الطائفي انقساماً جديداً على مستوى توزيع ملكيات مؤسسات الاعلام ونقاباتها.. ! وبعيداً من الاستدعاءات الأمنية، برز هذا العام موضوع الضرب المباشر عن سبق إصرار وترصد بحق صحافيين، وتعداد الأمثلة يحتاج أكثر من مقال إذا أردنا حصد ما حصل منذ بداية ثورة تشرين/ أكتوبر 2019. إلا أنه مع هذه الانتهاكات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية ومناصرون للأحزاب… يبقى النوع الأخطر على المشهد الإعلامي، إنهم صحافيو البلاط.
لا يمكن أن تتعافى الصحافة من الانتهاكات ضدها، إلا إذا كان الصحافيون أنفسهم غير مساهمين في هذه الانتهاكات… لا يمكن أن نهاجم السلطة السياسية ولا الدولة الأمنية إن لم يوجد صحافيون غير مساهمين في نفوذ عصابات الإعلام التي تعمل كأجهزة أمنية واستخباراتية ومكنات للأخبار المزيفة لحساب رجالات السلطة ورجال أعمالها. 

ليس هناك نموذج لإعلام مستقل طاغٍ على المشهد الصحافي في العالم، لكن ذلك لا يبرر أن يكون العمل الصحافي مرتبطاً بمؤسسة حزبية أو رجل أعمال، وألا يحافظ على هامش من الموضوعية يحترم معايير المهنة ويجنبها خطر الانزلاق في الأخبار المزيفة.

اختلاف المفاهيم بين مرتكب الاعتداء والمجتمع الذي لم تكن له فرصة إلا ليكون ضحية، من شأنه أن يوسّع هوة مفهوم الحقوق بين الناس والدولة. لذلك، ما على الدولة من حرج في تأدية واجبها القمعي، ولا من حرج على الناس في الخروج إلى الشارع ثائرين ضد الظلم. إلى الآن، لم يتخطَّ المشهد كلاسيكيته في أي بلد يعاني من إخفاق في انتظام دقات دستوره.

الاعتداءات لن تنتهي، وهذا ليس مهماً. المهم أن يبقى الصوت عالياً ضد الاستبداد وضد كل من يريد ترويض هذه المهنة بحجة الاستقرار… الاستقرار الوحيد هو في صحافة حرة من دون قيود، في صحافة بلا خوف وبلا ضغوط وبلا تهديد.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

محمد خلف – صحافي عراقي
يواجه الإعلاميون في جميع دول العالم تحديات جديدة، تحديات تقنية غير مألوفة، إضافة إلى تضييق وتقييد من الحكومات ومؤسساتها المختلفة.
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
منذ إعلان حالة الطوارئ في بداية شهر آذار/ مارس الماضي والخشية كانت ولا تزال قائمة من تقويض حرية التعبير والصحافة، وما حصل من ممارسات أكد الهواجس بل وضاعف منها.
“درج”
تعاون “درج” مع “سراج” على إنتاج تحقيقات استقصائية نالت جوائز.
خولة بو كريم – صحافية تونسية
معركة حريات أخرى قد تكون طويلة الأمد تنتظر الصحافيين ونشطاء المجتمع المدني إن انقضت جائحة كورونا بسلام وهذه المرة بحجة محاربة الأخبار الزائفة …
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
أتت أزمة “كورونا” حجّة على “طبق من فضّة” للسلطات والحكومات العربية. إذ إنها تستخدم الوباء ذريعة لتشديد قبضتها على وسائل الإعلام وتضييق الخناق على المعلومات.
ICIJ
إن قانون الإعلام الرقمي الجديد في بنين “يشبه السلاح الذي يستهدف معابد… الصحافيين”
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني