fbpx

عن رامي مخلوف وقص أجنحة رجال أعمال النظام السوري

خروج مخلوف للمرة الأولى وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يعني أن قنوات التواصل الرسمية مع النظام والأسد شخصياً وأصحاب القرار الحقيقي باتت مغلقة، أو في أحسن التقديرات لم تعد تعمل...

توحي المناشدة المباشرة والنادرة التي وجهها رامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام السوري، بشار الأسد، عبر صفحته في “فايسبوك”، بأنّ ما كان يقال في الخفاء ويسري على شكل شائعات في أوساط السوريين والمحللين، عن صدام داخلي في أروقة النظام منذ فترة، خرج جزء منه إلى العلن، وبات يكشف عن قضية لا تزال تكبر ككرة الثلج، ولا أحد يعلم إلى أين تسير.

ظهور مخلوف “أونلاين” في فيديو لمدة ربع ساعة، يشكو، ويشرح، ويطالب الأسد بالتدخل شخصياً للنظر في مطالبة الحكومة السورية إياه بدفع ضرائب (100 مليون دولار) متراكمة عن سنوات عمل سابقة لواحدة من أكبر شركاته في سوريا، وهي شركة “سيريتل موبايل تيليكوم”، التي تضم 11 مليون مشترك، و6500 مساهم، وفق قوله.

بالأرقام، عام 2018، حققت “سيريتل” أرباحاً تجاوزت 58 مليار ليرة، وصافي إيرادات أكثر من 184 مليار ليرة سورية. وفي نهاية العام الماضي، أدرج سهم الشركة في سوق دمشق للأوراق المالية، وبدأ سهمها يتداول عند حدود 8 آلاف ليرة سورية. 

يحدث هذا لأول مرة ويعطي مجالاً أوسع لتأكيد الإخباريات التي كانت على شكل إشاعات عن علاقة غير مستقرة بين النظام ومخلوف.

وللمرة الأولى يتم تداول قضية بحجم مخلوف، وثرواته المتراكمة على امتداد أكثر من عقدين أمام جمهور السوريين داخل البلاد وخارجها، بهذا الشكل. 

قرار حجز أملاك رامي مخلوف

تقارير صحافية ذكرت العام الماضي، أن هناك تصدّعاً داخل العائلة الحاكمة في سوريا، جراء خلاف بين بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف.
مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا، أعلن مخلوف مباشرة وعلى الملأ أنه تنازل عن ممارسة الأعمال التجارية (البزنس) وتنازل عن ملكيته في الشركات لمصلحة شركات تعمل في المجال الإنساني يملكها ويرأس هو نفسه مجالس إدارتها.
كان يريد من هذا التنازل تخفيف العبء والحد من وطأة الهجوم الدولي على بشار الأسد ونظامه الذي بدأ يواجه تظاهرات حاشدة وانتفاضة عارمة تريد اقتلاع نظامه من الجذور والتأسيس لمرحلة تغيير شاملة. كان يريد القول إن العالم يتذرع في هجومه على نظام الأسد بسبب عنف السلطات والفساد وبسبب ثروات رامي مخلوف ابن خال الرئيس، وها أنا ذا أتخلى عن كل شيء، أملاً بتهدئة الرياح الغربية والتهديدات التي تأتي من كل حدب وصوب. 
من خلال نشاطه في قطاعات اقتصادية عدة، وتملكه استثمارات تشكل عصب الحياة لاقتصاد سوريا قبل عام 2011 وبعده، تعد شركاته امتداداً لنفوذ وثروة في عالم البزنس في الاتصالات والسياحة والطاقة والصيرفة، ومن تأسيسه شركات كبرى كشركة “راماك للمشاريع التنموية والإنسانية المحدودة المسؤولية”، وهي المساهم الأكبر في شركة “سيريتل” التي يرأس مجلس إدارتها بنسبة 40 في المئة، وشركات “الفجر” و”صروح” و”صندوق المشرق” وغيرها. 

ما تمكن مناقشته وإخضاعه للتحليل أن خروج مخلوف للمرة الأولى وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يعني أن قنوات التواصل الرسمية مع النظام والأسد شخصياً وأصحاب القرار الحقيقي باتت مغلقة، أو في أحسن التقديرات لم تعد تعمل كما كانت من قبل. هذا يعني أنه معزول ويبحث عن منقذ. 
قد يكون الأسد شخصياً في منأى عن الرد أو التواصل أساساً مع مخلوف ولديه المبرر، لكون القضية عبارة عن مطالبة من جهة حكومية رسمية إلى شركة يرأسها مخلوف، وهنا يجد الأسد مبرراً بأنه يعطي عملية المطالبة وعمليات التضييق والحجز المالي طابعاً رسمياً متعلقاً بجهود مؤسسات حكومية، ويختبئ هو خلف هذه المطالب الحكومية الموجهة إلى مخلوف وغيره من رجال الأعمال، مع إلزامهم بدفع الأموال، في حين يكون هو من يدير عملية قص الأجنحة، وإعادة تشكيل هياكل جديدة في مجالات الأموال والبزنس. 

هذا التوجه الجديد نوعياً في علاقة النظام برجال الأعمال الذين استفادوا من علاقتهم به، وبنوا ثروات من قربهم من المتنفذين في السلطة، قد تفسح المجال لرجال أعمال جدد يريد لهم النظام الآن الظهور

حاول مخلوف في جزء من خطابه استجرار عطف شريحة من السوريين في الداخل مستفيدة من كينونة شركاته واستثماراته والعمل في مجالات الدعم والإغاثة، وحاول التحدث مباشرة بأنه تحت الضغط وأن العلاقة مع الأطراف الأخرى ليست على ما يرام، وأن انهيار هذه الاستثمارات، إنما يعني بالضرورة خسارة أرزاقهم، وهو ما طلبه شخصياً من الأسد أي أن يتم أخذ ذلك في الاعتبار، عبر جدولة الدفعات لمنع الانهيار. 

من أهم الأسباب التي ساقت إلى هذا الواقع، هو تكاليف الحرب السورية، والضغط الاقتصادي الشديد الذي يعانيه النظام السوري بسبب العقوبات وتدهور وضعه مالياً واقتصادياً. وأمام هذا كان لا بد من التوجه إلى رجال الأعمال المستفيدين من وجوده ككيان، لمطالبتهم بالدفع وتحمل أعباء الإنفاق. 

يؤسّس على هذا، أن الحملة على مخلوف ليست حديثة العهد، فقد انتشرت أقاويل كثيرة ومن أكثر من اتجاه أن هناك من يجلس في مرتبة أعلى من مرتبة النظام السوري ويوجه الأوامر على امتداد الجغرافيا السورية، بتقييد أصحاب الثروات ومحاربة المستفيدين، بالتوازي مع حالة الفقر الشديد التي تصيب معظم السوريين، ونحن نتكلم هنا عن روسيا، صاحبة القرار الأول والأخير سياسياً وعسكرياً والآن اقتصادياً. 

في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ألقت وزارة المالية الحجز الاحتياطي على أموال شركة “آبار بتروليوم سيرفيس أوف شور” المسجلة في بيروت، والتي تبرم صفقات نقل الوقود والمواد النفطية إلى سوريا، وقد ورد اسمها في قائمة العقوبات الأميركية، وعلى أموال رامي مخلوف ورجالات أعمال آخرين، وهو ما دفع مخلوف لاحقاً إلى نفي علاقته بالشركة، مشيراً إلى عدم وجود أي علاقة قانونية تربطه بالشركة المذكورة. وأكثر من ذلك أنه وفي هذه القضية بالتحديد قد سدد للدولة مبلغ 7 مليارات ولم يرفع الحجز عن أمواله. 

أياً كان صاحب القرار بإجبار مخلوف وغيره من رجال الأعمال على الدفع، فإن الضغط مستمر، وكان بدأ منذ منتصف العام الماضي تقريباً عندما بدأت قرارت الحجز الاحتياطي تصدر بحقه على إثر التهرب الضريبي وارتكاب مخالفات. وعلى اعتبار أن الحجز الاحتياطي لا يعتبر قراراً نهائياً بالسيطرة على الأملاك لكونه قراراً احترازياً مرهوناً بتسوية قضية ودفع المستحقات المالية للجهة العامة، لكنه يعطي مؤشراً غاية في الأهمية عن كيفية التحوّل في العلاقة بين النظام السوري وجناحه الاقتصادي، في وقت لم يكن يتجرأ أحدهم على قول “لا” لمخلوف. 

على رغم أن مناشدة مخلوف تعكس حقيقة الوضع الذي باتت عليه علاقة النظام بأجنحته الاقتصادية الصلبة، إلا أنها تترك السوريين في بحر من التكهنات وجو من عدم اليقين في هذه المرحلة الحساسة، حيث التدخل الدولي في سوريا على أشده ووضع الناس المعيشي هو الأسوأ على الإطلاق. 

وهو ما يمكننا تلمسه من حجم التعليقات وردود الأفعال. وفق مصادر متابعة، فإن جزءاً كبيراً من السوريين ينظرون إلى أن مخلوف والنظام الآن في حلبة ملاكمة، لا أحد يعرف كيف ستكون النتيجة النهائية، ولمصلحة من لأن اللعبة لم تنته بعد.
والأهم أن هذا التوجه الجديد نوعياً في علاقة النظام برجال الأعمال الذين استفادوا من علاقتهم به، وبنوا ثروات من قربهم من المتنفذين في السلطة، قد تفسح المجال لرجال أعمال جدد يريد لهم النظام الآن الظهور، وهو هنا إذ يبدل وجوهاً بوجوه، فيما سياسة التحكم بالثروات وتوزيع الأدوار، هي نفسها. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني