fbpx

لا أريد العودة إلى 17 تشرين

لا أريد العودة إلى 17 تشرين. أريد العبور منه إلى ما بعده. أخاف من أن يصبح 17 تشرين مثل 22 آب، أو 14 آذار، فيُمضَغ طيلة أعوام بحثاً عن سُكَّر المضغات الأولى.

أجسادٌ تُقدّم قرابين على مذبح الانتفاضة. هي دوماً أجساد الأكثر اضطهاداً. نتحمّس مِن على أسرّتنا، وكنباتنا، وشرفاتنا، وشوراعنا، هاتفين: “للوطن للعمّال تسقط سلطة رأس المال”. الهتاف من الأشياء القليلة التي ما زلنا نملكها ونحارب بها، إلى جانب بعض الألفاظ التي نستعين بها حين تجفّ اللّغة إفساحاً في المجال أمام حلول الوجع.

لا خطب في التعبير والمشاركة ونحن جالسون في أمكنتنا لأسبابٍ خاصّة وعامّة لا تُحصى. الخطب في تسليعنا، مرّةً تلو الأخرى، لأهالي الأطراف التي تُمعن الدولة في بترها.  

أشاهد الذين يدينون العنف، كما أشاهد الذين يمجّدونه. وفي الحالَتين، أعرف في قرارة نفسي أنّ الأمور ليست على ما يُرام. في الحالة الأولى، يسهل عليّ توصيف انزعاجي. فببساطة، هناك مَن بإدانته مظاهرَ الغضب، يلوم الغاضبَ وينسى جلّادَه وناهبَه، وينكر له واقعه وحقّه في أدواته تبعاً لوضعه، أو ينسى الـ”كتفي بكتفك” التي صرع بها رؤوسنا في الشارع، فيتبرّأ من حقيقة أنّ الظلم والسخط أمران متلازمان. مهما غضب المحتجّ وكسّر، لن يوازي خرابُه ذرّةً في الخراب الذي أنزله عليه حكّامُه والمستثمرون في وجعه وعمله على مرّ عقودٍ من الزمن.

في الحالة الثانية، تصعب مهمّةُ التدقيق في الشعور، فيستقرّ الشرح الأوّلي على ما يشي به التمجيد من استسهال رمي المعركة على مَن يُظَنّ أن ليس لديهم ما يخسرونه، فتسقط قيمةُ حيواتهم وتنخفض أسهم سلامة أجسادهم، وإن بشكل غير مقصود، لتعود وتسود ممارسة “تغريبهم” بوصفهم إمّا “مُعدَمين” أو “مُحازبين” مظلومين. وبين تغريب الأجساد واختلاف المواقع، شعرةٌ رفيعة يتطلّب التقاطها الكثير من التمرين والتفكيك.

يُعيد التغريب و”التطريف” إنتاجَ المشاهد الدمويّة المنتصف-ليليّة نفسها التي رأيناها في الأسابيع القليلة الماضية، لا سيّما في طرابلس، وقريباً في سائر المدن. وأحد أبرز مظاهرها، اتّقادُ المواجهة بين المُقيم المتظاهر وجارِه العسكري الذي يستحيل في لحظة معيّنة خصمه اللّدود. نتابع “الماتش”. نرتعب من حجم العسكرة وما قد تعنيه. نرفع الأدعية لئلا يقع ضحايا، مع يقيننا بأن لا مجال للتقدّم بلا دم، ولا مجال للتوقّف عن المواجهة. لا ننام. أو ننام كثيراً. نحزن. نغضب. نُخدَّر. نختفي. نتورّط. نجد أنفسنا أمام عمليّة استهلاك موصوفة للأجساد المستشيطة غيظاً من حولنا، كمَن يستهلك مشاهد مفعمةً بالأحداث الساخنة، مُنتظراً أن تدقّ ساعة تدخّله.

نردّ على القساوة بوعدٍ بالعودة. “راجعين”، نقول. وكأنّنا نحتفي بنوستالجيا سُلبت منّا. ثمّ نتذكّر أنّنا كنّا جزءاً من المشهد منذ فترة ليست ببعيدة، لكن فايروساً ما أعادنا عنوةً إلى غرفنا. يفوتنا أنّ كلمة “راجعين” لم تعد دقيقة، وتكاد بحنينها تقتل مبتغاها عبر ترحيله إلى حقبة “الزمن الجميل”.

العودة رجوعٌ إلى أيّام خلت. وبصراحة، لا أريد العودة إلى 17 تشرين. أريد العبور منه إلى ما بعده. أريد أن نبني على الضربة التي سدّدناها في مرمى النظام ونسدّد غيرها. أن نستفيد من بذور تدهوره، ولو فوق رؤوسنا. أخاف من أن يصبح 17 تشرين الأول مثل 22 آب 2015 – مع العلم أنّ أزمة النفايات التي أشعلت احتجاجات 2015 عائدة- أو أن يصبح مثل 14 آذار 2005، فيُمضَغ طيلة 15 عاماً بحثاً عن سُكَّر المضغات الأولى.

أريد أن أقسو على نفسي اليوم، وأقول من الآن، أنّ تاريخاً حديثاً إلى هذا الحدّ، كـ 17 تشرين، أصبح من الماضي. دروسُه غنيّة، ومستمرّة، وحفلاتُه جميلة في الصور. أمّا الأسباب التي أدّت إليه وأحالته تاريخاً مفصليّاً، فلم تنتفِ أو تتغيّر في جوهرها. الفارق أنّها ازدادت قبحاً وووقاحةً واستشراساً، ما يستوجب فصلاً جديداً من الاستعداد والرؤية والتنظيم. لن تنفع الدولة حلول تقاسم السلطة المعتادة لأن هزّةً كبيرة أصابتها، وهذه فرصة ينبغي انتهازها.

المُفقَرون الذين وُعدوا بالجنّة فحُرِموا من الأرض، انطلقت العمليّة الجراحيّة المفتوحة فوق أجسادهم قبل أن نستجمع أنفاسنا. وعلى خطٍّ موازٍ، يدندن أبي في منزله “خلّيني حبِّك على مراحِل”. على الأرجح، هو يغنّيها لأنه يعلم أن المقصّ الجراحي آتٍ ليقضم أتعابَنا، على مراحل، ويطمر ما تبقّى للعمّال والعاطلين من العمل من أحلام.

لا أريد المزيد من التكرار، لي أو لأهلي. 1986، 1992، 2005. لا أريد وجوهاً معلوكة. أريد لنا فيديوهاتٍ جديدة نشيّدها قبل أن نشيّرها. تعلّقتُ بالرموز كثيراً في حياتي، وأودّ الآن لو أوئدها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
مشهدية المشانق الرمزية ودعوات المحاسبة من أعلى هرم السلطة في لبنان وليس من أسفله تلك هي المشكلة التي أغضبت زعماء لبنان وجعلتهم ربما يتحسسون رقابهم فعلاً.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني