fbpx

البدلة المرقّطة… قصة عشق وخيانة وخذلان

ليتني كنت أعرف أن من ضربني وسحل رفاقي في الشارع وأفرغ كل ما لديه من شتيمة لم يكن أصلاً محسوباً على مؤسسة الجيش، إذاً لماذا مارس عليّ النقيب هذا القهر النفسي؟ لماذا وضعني أمام خيارين: حقّي أو حب المؤسسة العسكرية!

كان حاجز الجيش اللبناني متمركزاً عند عين العريش منذ ذكرياتي الأولى، وعلى بعد أمتار قليلة تقع الثكنة. كان العسكريون لطفاء دائماً وكنّا صغاراً، يُذهلنا أن تجتمع هيبة البدلة المرقّطة وسلاحها، مع اللطافة والضحكة الأبوية، وكنا نحب ذلك كثيراً.

كان أبي يحرص على ألّا يمرّ عيد الجيش أو عيد الاستقلال من دون أن نحتفل نحن الأطفال به. كنّا، أولاد الحي جميعنا، نلبس الثياب الجميلة ويحمّلنا أبي الورود مع إعلام الجيش والاعلام اللبنانية ونسير كالجنود من حارة حليمة إلى عين العريش، نقدّم الورود والتحية ويحملنا الجنود في صورة للذكرى ونحفظ الكلمات المطبوعة داخل دائرة العلم: شرف تضحية وفاء.

وحدها أختي تحدّت العلم يوم غرّرت بنا كي نمزّق أعلامنا لأن “بنص الدويرة في هديّة للولاد”. وحدها تجرّأت عليه، هي التي تعاند الأنظمة على طريقتها منذ خطواتها الآولى.

اختفى الحاجز من قريتي… لا أذكر متى ولكن أذكر وخزة الحسرة بأن فرقتنا لن تؤدي التحية بعد ذاك اليوم في عيدَي الجيش والاستقلال.

لقد خانتني المؤسسة العسكرية عندما دافعت عن حارس يلبس بدلتها زوراً أمام حقّي في إعلاء صوتي.

كبرت، وصرت أقود السيارة من الشوف إلى بيروت وبالعكس وأبي بجانبي في كل مرّة. يحرص دائماً على أن أتمهّل أمام حاجز الدامور بحرص شديد، ويمدّ رأسه ليحيّي العناصر داعياً لهم بالحماية والنصر والقوّة. لم أسأل يوماً لماذا كان أبي يحب المؤسسة العسكرية. قصصه عن الحرب، هو المراسل الذي حارب بقلمه كانت كافية لأفهم أن “الجيش بيحمي البلد، وما إلنا غير الجيش”. كنت أكرّر خلفه العبارات عينها، لأن أبي دائماً على حق.

كبرت أكثر، وقفت في أول تظاهرة لي في 29 آب/ أغسطس 2015، أردّد “يسقط يسقط حكم الأزعر” – مساكين إخوتنا في الدول العربية، ينادون بسقوط حكم العسكر… لكن هنا “الحمد لله” الوضع مختلف. كرّت سُبحة التظاهرات، وكان لا شيء يخيفني سوى مواجهة الجيش لأن هذه المواجهة تعني أن أقف بوجه ندى ابنة السنوات الـ8 وما تحبّه في البدلة المرقّطة، وهي مواجهة ما كنت بوارد خوضها يوماً.

أن نواجه الموروث يعني أن نتعرّى من أنفسنا وننظر إلى “خصمنا” بعين موضوعية، وأن نقبل الصاعقة في اختلاف نفسنا عن سابق عهدها، وهذا ما اندلع في ذاتي يوم 17 حزيران/ يونيو 2017. يومها كان من مقررات مجلس النوّاب التمديد لولاية ثالثة جزئية وكان الوقوف بوجه القرار هذا بأي ثمن واجباً وضرورة. أذكر التفاصيل بدقّة: رفيقي يوجّه كلامه للضابط “كرمالنا وكرمالك يا وطن”، يستشيط الضابط غضباً ويعطي أمره بالهجوم وأضيع أنا في موجة من العصي والعنف والسباب والرعب انتهت بعصا أحد أبناء البدلة على ذراعي. بعد هدوء الموجة وعلى رغم سخونة الضربة ونتوء ذراعي أقف وأغني “تسلم يا عسكر لبنان يا حامي السارقينّا”

أغضب من نفسي لأغنية كهذه. كيف أجرؤ على قول كلام كهذا لحامي الوطن!

“هؤلاء هم حرس مجلس النوّاب”. أقول لنفسي إن هذا أمرٌ جيّد وإن لا دخل للجيش بحفلة الجنون التي كنت فيها قرب بلدية بيروت.

أما كان لمؤسسة الجيش أن ترفض مواجهة متباينة القوّة بينها وبين الناس؟

تعد قيادة الجيش بالتحقيق بما حصل، وأُستدعى مع رفاقي إلى مركز الشرطة العسكرية على الأونيسكو. كنت سعيدة جداً وواثقة بما سيؤول إليه التحقيق، أما ما حصل في مكتب النقيب فهي معركة أخرى أتمنى اليوم لو كنت أعرف تكتيتها لأدافع عن نفسي وقتها. جلست وحيدة في مكتب النقيب أروي ما حدث ويملي هو على الكاتب ما يجب كتابته. أصل إلى توصيف “الاشتباك” وأروي: “طارق ملقى على الأرض وحوله خمسة عناصر يضربونه بوحشية، لم أتمكن من رفع نظري عن العصا التي كان يهوي بها العسكري على جسم طارق النحيل فركضت لأمسكها فقط لأمنع الضرب عن صديقي”. 

  • سجّل عندك “حاولت انتزاع العصا من العنصر”.

سارعت للتصحيح لاهثة “لا لا، لم أكن بوارد انتزاعها منه، أردت فقط أن أمسكها كي لا تنزل على جسد طارق، عليك أن تفهم أنني لم أكن أريد أخذ العصا”.

  • لا مشكلة سنذكر هذا في محضر التحقيق.

أذكر أنني رجعت في كرسيّ محاولة تذكّر الحاجز في عماطور، ولطف أبناء البدلة. أقسم أنني حاولت ألّا ترتفع دفاعاتي وأن أعيد إلى نفسي المحبة التي علّمني إياها أبي عن الجيش… لكنّني لم أتمكن من التنصّل من شعور الخذلان، الذي اشتدّ وقعه عندما قرأت سطور المحضر وعندما وقّعت عليه. وكبر الخذلان حين قال لي النقيب: “هل تعلمين أنك ستؤذين العناصر بشكواكِ هذه؟ ستتأخر زودة المعاش، وسيحرم من أولاده وعائلته شهرين؟ هل تعلمين أنك تساهمين في جعله أحطّ من رفقائه؟”.

ليتني كنت أعرف أكثر عن الحرب النفسية… ليتني كنت أعرف أن من ضربني وسحل رفاقي في الشارع وأفرغ كل ما لديه من شتيمة لم يكن أصلاً محسوباً على مؤسسة الجيش، إذاً لماذا مارس عليّ النقيب هذا القهر النفسي؟ لماذا وضعني أمام خيارين: حقّي أو حب المؤسسة العسكرية!

لقد خانتني المؤسسة العسكرية عندما دافعت عن حارس يلبس بدلتها زوراً أمام حقّي في إعلاء صوتي. أعني هل من تعريف آخر للخيانة؟ أن تحب ثم يذهب من أحببت إلى أحضان آخر أمام عينيك؟ هذا حقّاً ما حدث.

أما اليوم، مع اندلاع الموجة الثانية المباركة من ثورة تشرين ومع سقوط شاب جديد برصاص الجيش، لا أدري كيف ستنظر ابنة السنوات الست إلى هذا الواقع… أود أن أخبئها خلفي وأقول لها ألّا تخاف وأن الأيام الآتية أفضل، وأودّ أن أحميها من المقارنة بين العسكر بالضيعة والعسكر بالمدينة… ولكن واقع اليوم أوضح من ذاكرة الأمس. هذا الواقع الذي يقول إن المؤسسة العسكرية تحمي الأغنياء وتستقوي على الضعفاء، وإنها تقف في وجه أهلها في مواجهتهم المحقّة مع منظومة تسحقهم كل يوم. أما كان لمؤسسة الجيش أن ترفض مواجهة متباينة القوّة بينها وبين الناس؟ أما كان لدموع أبنائها الذين وضعتهم المنظومة في وجه أهلهم ذرّة قيمة لدى قياداتها؟

إن شرف البدلة يُحمى بالانحياز للناس لا بالتضحية بتقديرهم لهذه المؤسسة وفاءً لمنظومة تُمعن في إفقار المدنيين والعسكريين كل يوم على حدٍّ سواء.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني