fbpx

تسليع المرأة: بين ميس حمدان ورامز جلال

استنكر الرأي العام والسلطة معاً إعلان ميس حمدان ارتكازاً على مبدأ رفض قيام امرأة بإبداء الإعجاب بجسد رجل، بينما مرّت إهانة رامز جلال لضيفته ووصفها بـ"المطلّقة"، مرور الكرام.

يحمل الموسم الرمضاني غزارة إنتاجية تأتي بالكثير من المفاجآت. وكذلك باتت الدراما المخصصة لهذا الموسم وكأنها تحمل سمة ثابتة، وهي المهانة للنساء، وتكريس مقاربات ذكورية نمطية في النماذج المقدمة في الأعمال الفنية أو الترويجية المقدمة. 

أخيراً شهد الإعلام المصري مفارقةً صارخة، فقد أوقفت السلطات المصرية إعلان “قطونيل” التلفزيوني للملابس داخلية، والذي تؤديه الفنانة ميس حمدان، بسبب إثارته الجدل باعتباره “خادشاً للحياء”، بعد ثلاثة أيام من عرضه على الفضائيات خلال شهر رمضان.  

تظهر الفنانة المصرية ميس حمدان في إعلان غنائي، وهي تغني لـ”ابن الجيران” مغازلةً مشيته وأسلوبه وملابسه الداخلية… هذا المشهد من إعلان شركة “قوطونيل”، المملوكة من رجل الأعمال السوري باسل سماقيه، أثار جدلاً بين الجمهور منذ اللحظة الأولى لعرضه، إذ اعتبره مصريون منافياً للعادات، وطالبوا البرلمان بالتدخل لتوقيفه.

ميس حمدان في إعلان شركة “قطونيل”

هذا الاعلان كان يمكن أن يكون عادياً، لكن مفارقة أن امرأة تبدي إعجاباً برجل أقام الدنيا ولم يقعدها، هذا طبعاً بصرف النظر عن مستوى الإعلان وجودته، لكن الفكرة التي أثارت الرأي العام والسلطة معاً ارتكزت على مبدأ استنكار قيام امرأة بإبداء الإعجاب بجسد رجل.

وعليه، أوقف جهاز حماية المستهلك بث الإعلان لعدم احترامه “الذوق العام” والعادات والتقاليد.

وقال الجهاز إنه قرر “وقف بث الإعلان لما يحمله من انتهاك واضح للكرامة الشخصية والعادات والتقاليد المجتمعية، ومخالفة لأحكام قانون حماية المستهلك والمواصفة القياسية الخاصة باشتراطات الإعلان عن السلع والخدمات”.

هذا الاعلان كان يمكن أن يكون عادياً، لكن مفارقة أن امرأة تبدي إعجاباً برجل أقام الدنيا ولم يقعدها.

“قطونيل” أكدت الالتزام التام بوقف بث الإعلان، وتفاعلت مع قرار جهاز حماية المستهلك حفاظاً على “قيم المجتمع المصري وتقاليده”، وفقاً لما ورد في بيانها.

لكن الأمور لم تقف هنا، إذ تقدّم عضوان من مجلس النواب على الأقل، بطلب إحاطة عاجل لتطبيق عقوبة “خدش الحياء” على الشركة، إضافة إلى طلب آخر إلى رئيس مجلس الوزراء ووزارة الدولة لشؤون الإعلام لمنع إذاعة مواد إعلانية “خادشة للحياء” عبر شاشات التلفزيون. كما طالبوا بطلة الإعلان بتوقيع عقوبة أيضاً. ما دفع الفنانة إلى حذف المادة الإعلانية من حساباتها الشخصية والاعتذار. وهذا الاعتذار بات يتكرر مع ممثلات وشخصيات نسائية عامة عديدة، أجبرتها القيود الاجتماعية والقانونية على التراجع، كي يتمكنّ من ممارسة عملهن أو البقاء في المشهد العام.

المفارقة، أن المجلس القومي للمرأة استنكر الإعلان باعتباره يُظهر المرأة المصرية في صورةٍ مهينة ومسيئة لدورها في المجتمع. بينما غاب هذا المجلس، عن إهانة المرأة في مواد إعلامية كثيرة أخرى، آخرها كان برنامج المقالب السنوي الذي يقدّمه الممثل رامز جلال. 

لم يكن برنامج “رامز مجنون رسمي” بعيداً من إثارة الجدل هذا الموسم، إذ تقدم عدد من المحامين ببلاغات للمطالبة بتوقيفه، بعد عرض الحلقة الأولى منه، باعتباره ينشر ثقافة العنف. 

فالبرنامج يعتمد على ابتكار “مقالب” يتم تنفيذها بمشاهير ونجوم، ويقدمه منذ سنوات بنسخة مختلفة. وفي هذا العام، البرنامج قائم على ممارسة السادية والإذلال، إذ يجلس الضيف على كرسي مقيّداً وتنفّذ بحقّه وسائل التعذيب بشكل “كوميدي”، من طريق الصعق بالكهرباء والإغراق في المياه، وإيقاع الأذى البدني والنفسي والمعنوي به، مستوحياً هذه الممارسات من سلسلة أفلام الرعب الشهيرةSAW . وهو ما يخالف معايير الحد الأدنى للأعمال الفنية والإبداع والابتكار، وما يؤدي حتماً إلى تحريض المشاهد، وبخاصة المراهقون والأطفال، على تقليد هذا المحتوى.

لكن البرنامج ذهب أبعد من ذلك، إذ قدّم في الحلقة الأولى منه، والتي استضاف فيها جلال الممثلة غادة عادل، محتوى ذكورياً صارخاً ومهيناً للمرأة المصرية تحديداً، ومثالاً على سوء استخدام السلطة الإعلامية على أساس جندري ظالم.

غادة عادل في برنامج “رامز مجنون رسمي”

بدأت الحلقة بوصف الضيفة “بالمطلّقة”، فقال جلال، “الضيفة شرفتنا قبل كده بس المرة الأولى كانت مدام والموضوع كان شائك وكلو محاذير، لكن دلوقت المعطيات اختلفت، والمدام بقت مطلقة متحررة، بعد ما كانت ترضع وتكرع بقت على أغاني المهرجانات ترقص وتبرطع، بعد ما كانت ست الحبايب بقت سكر ودايب، والموضوع بقا سايب في سايب…”.

هذا عدا عن الألفاظ الذكورية التي نطق بها المقدّم، بينما كانت الكاميرا في الكواليس تصوّر تفاصيل جسم الضيفة وهي تضع المايكروفون وتتحضّر لبثّ الهواء. كما وصفها بالأرنب، لأنها أنجبت خمسة أطفال.   

البرنامج قائم على ممارسة السادية والإذلال، إذ يجلس الضيف على كرسي مقيّداً وتنفّذ بحقّه وسائل التعذيب بشكل “كوميدي”.

في هذا السياق، تقول عليا عواضة، الناشطة الحقوقية والنسوية، إن ما يحصل لا يمكن فصله عن نقطتين أساسيتين، الأولى هي الإمبراطورية الإعلامية والإعلانية، التي تستفيد من أجساد النساء بسياق الترويج لمحتواها. والثانية هي منظومة القيم والعادات، التي تنصّب نفسها وصيةً على أجساد النساء.   

بالنسبة إلى برنامج “رامز مجنون رسمي”، لا تستغرب عواضة سوء المحتوى المقدّم وابتذاله، إذ إن البرنامج يُعرض على إحدى أكبر القنوات في العالم العربي، وهي MBC Group، والتي تسعى إلى هذا النوع من المحتوى لأنه ببساطة جذّاب، لا سيما أنه يُعرَض في موسم رمضان، وهو وقت الذروة لاستقطاب الإعلانات. وتقول، “إضافة إلى المادة المبتذلة، رسّخ البرنامج ثقافة الوصاية على النساء، من إظهارهنّ ضحايا وضعيفات وعاجزات في مواجهة الذكورية، إلى تكريس لغة تسليعية وتنميطية خطيرة”. 

ترى عواضة أن المرأة في المجتمعات العربية تظهر أخيراً تمرّداً على الصور النمطية والقوالب المعلّبة لأدوارها، إلا أنها تُقابل بجلدٍ مجتمعي. 

ربما هذا ما حصل مع ميس حمدان في إعلانها، إذ رفض الجمهور المصري صورة المرأة التي تُبادر في علاقتها مع الرجل، أو تغازله، باعتباره مشهداً خارجاً عن المألوف، ومخالفاً للصورة النمطية التي تقدمها المنظومة الإعلامية والمجتمعية للمرأة العربية.     

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني