fbpx

فقراء طرابلس في مواجهة حكومة الرصاص الحي

"ما فعلناه في المصارف لا يساوي شيئاً أمام ما يتعرّض له الشعب اللبناني مجتمعاً، وبدل أن يتحرّك أحدهم لوقف الذل الواقع بحقّنا، أتت أوامر للجيش لقتلنا بالرصاص الحيّ. هذه هي الحكومة التي أرادونا أن نمنحها فرصة.."
فواز السمان

39 جريحاً وشاب فقد حياته هو فواز السمان (27 سنة)، هذه حصيلة ليل طرابلس (شمال لبنان) الدامي في 27- 28 نيسان/ أبريل، وهي حصيلة لم يسجّلها فايروس “كورونا” حتى في أقصى أيام جبروته في البلاد. وبذلك يكون رصاص الجيش اللبناني المصوّب على المتظاهرين أخطر من الفايروس الذي يجلسنا في منازلنا ويحجرنا عن العالم، ويكون الفقر أشدّ فتكاً من المرض.

من ظنّ في السلطة أن “كورونا” حليف وفيّ كافٍ لفرملة انتفاضة الناس، أساء التقدير، أو أنه لم يزُر السوبرماركت منذ وقت طويل ولم يرَ الأسعار الجنونية، ولم ينتبه إلى أن موادّ غذائية أساسيّة بدأت تختفي في الأسواق، ولم يسمع أحد العاملين في المتاجر وهو يقول: “قريباً لن تجدوا شيئاً”. 

التحرّكات عمّت مناطق لبنانية كثيرة مع الصعود الهستيري للدولار وعجز حكومة حسّان دياب عن فعل أي شيء في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المنهارة. لكنّ طرابلس، التي كانت فاعلة في انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، شهدت أحداثاً مؤلمة واشتباكات بين المتظاهرين والجيش، الذي لجأ هذه المرة إلى الرصاص الحي، ما أدى إلى إصابات خطيرة في صفوف المحتجين، وسقوط الشاب فواز السمان. وفواز كان يشارك في تحرّكات الشارع منذ تشرين الأول 2019، وهو متزوّج وله طفلة، وكان يعمل في تصليح الدراجات النارية، ويسكن في أسواق طرابلس. ومع تدهور الأوضاع، وجد فوّاز نفسه بلا عمل وكان الشارع خياره الوحيد، إلا أن رصاص الجيش كان أسرع من أي أمل ممكن وأنهى حياة الشاب. 

أعلنت قيادة الجيش اللبناني في بيان لها أنها ستفتح تحقيقاً في حادثة طرابلس التي أودت بحياة فواز السلمان. ويمكن فتح خيال الشؤم على مصراعيه أمام عبارة “ستفتح تحقيقاً”، وهو ما شهدناه في حوادث سابقة انتهى فيها الأمر على الأغلب بمعاقبة جندي أو ضابط، وغض النظر عمّن أعطى الأمر باستخدام الرصاص الحي. 

اللافت كان قيام صفحة الجيش اللبناني على تويتر بنشر فيديو ترويجي بعنوان “”هيك ردّ الجميل” ينتقد فيها المظاهرات ويعتبر أنها استهدفت الجيش الذي قام بتوزيع المساعدات على الفقراء. الفيديو أثار ردود فعل شاجبة وناقدة وقد سحب بعد أقل من ساعة على نشره لكنه طرح تساؤلات حول الوجهة التي يراد للقيادة السياسية أن يسلكها الجيش اللبناني في هذا الظرف الخطر الذي يمر به لبنان.

وكانت وردت معلومات عن منع وسائل إعلام من التغطية في الليلة الدامية، وقد تعرّض بعضها لـ”طرطوشة” من الرصاص.  

طرابلس تشيع فقيدها

تشييع فوّاز هو أيضاً لم يسلم من الاشتباكات، فهناك جهة سياسية طفقت تطلق النار باعتبار فواز محسوباً عليها، وهي بحسب متابعين “جماعة اللواء أشرف ريفي”. إلا أن عائلة فوّاز حرصت على عدم الاستثمار في موته، مؤكدة أنه غير منتمٍ إلى أي حزب أو تيار، “هو ينتمي إلى صوت الشارع والناس”. وبعد تشييع فواز، شهدت المدينة رشقاً بالقنابل المسيّلة للدموع وبالحجارة، إثر غزوة جديدة قام بها رفاق فوّاز على مصارف المدينة، وانتشر الجيش اللبناني وهو على أتمّ الاستعداد لكبح أي جموح. 

ماذا حصل؟

بدأ الأمر في طرابلس مع تجمهر مجموعات من المتظاهرين في ساحة النور، ويبلغ عددهم وفق مصدر أمني حوالى 2000 شخص، واتجهوا إلى عدد من فروع المصارف، وكسروا بعض واجهاتها، احتجاجاً على سطو القطاع المصرفي على ودائع الناس وتعريضهم للذل والمهانة، إضافةً إلى الإجراءات المزاجية والاستنسابية في عدد من المصارف، وتعاميم مصرف لبنان التي تزيد التضييق على المواطنين وتساهم في انهيار الليرة يوماً بعد يوم. عدد كبير من المشاركين في التحرّكات الأخيرة في طرابلس هم من العاطلين من العمل أو العمّال المياومين الذين باتوا بلا مدخول، ولم يعد لديهم ما يخسرونه.

محمد أحد المشاركين في ليلة طرابلس الحزينة يقول لـ”درج”: “لا أحد دفعنا إلى النزول سوى وجعنا. إنهم يستسهلون دائماً اتهامنا بأنّ أحزاباً وجهات تحرّكنا. لكنّ لا أحد في هذه الدولة يعرف معاناتنا. أنا أعمل في محلّ لتصليح السيارات، وقد طُردت من عملي منذ تشرين الأول 2019. ماذا يُنتظَر مني مثلاً؟ أن أسكت وأتحمّل هذه السلطة الفاسدة أو أعيش على الإعاشات التي لا تأتي؟”. ويتابع: “ما فعلناه في المصارف لا يساوي شيئاً أمام ما يتعرّض له الشعب اللبناني مجتمعاً، وبدل أن يتحرّك أحدهم لوقف الذل الواقع بحقّنا، أتت أوامر للجيش لقتلنا بالرصاص الحيّ”. ثم يضيف: “هذه هي الحكومة التي أرادونا أن نمنحها فرصة، حكومة الرصاص الحي”.

وتقول زينة وهي ناشطة طرابلسية لـ”درج”: “الكثير ممن يشاركون في الاحتجاجات الآن هم عمّال مياومون فقدوا مصدر رزقهم، وباتت عائلاتهم بلا مدخول، وهناك أطفال ينامون بلا طعام ومرضى لا يملكون ثمن دوائهم. وطرابلس كما دائماً منسية، ثمّ تحاسَب بذنب الفقر والتعتير”.

A man walks past a graffiti drawn on the wall of a building at the al-Nour Square in the northern port city of Tripoli on November 8, 2019. – An unprecedented protest movement has gripped Lebanon since October 17, demanding an overhaul of a political class that has remained largely unchanged since the end of the country’s 1975-1990 civil war. In the northern city of Tripoli, where mobilisation has been relentless since the protests erupted on October 17, demonstrators took down politicians’ portraits from city buildings and replaced them with the Lebanese flag. (Photo by JOSEPH EID / AFP)

لماذا طرابلس؟

لمن يسأل، لماذا طرابلس؟ لأنّها المدينة الأفقر في لبنان. شارع المنكوبين، باب الرمل، سوق الخضرا، حارة التنك (حيث البيوت عبارة عن غرف من التنك)، مقابر الغرباء (حيث تعيش مئات العائلات بين المقابر)، وغيرها من الأحياء والزوايا الطرابلسية، كلها تفيض وجعاً وبطالةً ومعاناة. ويوم قررت الدولة تذكُّر طرابلس واعتبارها جزءاً من الوطن، فعلت ذلك بالرصاص الحي والقنابل المسيّلة للدموع.

وفق دراسة أعدتها إحدى دوائر الأمم المتحدة (UN Habitat) عام 2018 على منطقة التبانة في طرابلس، يتوزع الوضع الصحي بين 14 في المئة في وضع مرضي خطير، و63.3 في المئة بحاجة إلى دواء، و26.9 بحاجة إلى علاج فيزيائي، و22 في المئة مرضى قلب، و22 في المئة مرضى حساسية ونقص مناعي.

وعن الأوضاع التربوية، تذكر أن 84.4 في المئة من الأطفال التحقوا بالمدرسة الابتدائية، و20.2 في المئة فقط بالمرحلة الثانوية، و6.5 في المئة من الأطفال لم يدخلوا المدرسة ولا مرة.

المباني تخصص للسكن بنسبة 74 في المئة، بني 47 في المئة منها بين عامي 1944 و1975، و51 في المئة بحاجة إلى تصليح نوعي مهم. 

عدد الأولاد في المنطقة يبلغ 83.2 في المئة، 31.8 في المئة لبنانيون، و44.1 غير لبنانيين. يعمل 9.3 في المئة من الأطفال في حرف وأعمال اقتصادية مختلفة. أما بالنسبة إلى الزواج، فـ11 في المئة من البنات يتزوجن بين 15 و18 سنة. أما البطالة فتبلغ 58.8 في المئة بين اللبنانيين و62.8 بين غير اللبنانيين. 

هذه التبانة فقط، زاوية واحدة من زوايا القهر الكثيرة في طرابلس.

ماذا بعد؟

وفق معلومات “درج” ستشهد المناطق اللبنانية عودة لافتة إلى الشارع، وإن كان أحياناً عبر مسيرات سيّارة في الوقت الراهن، بسبب الخوف من “كورونا”، فلا أحد يريد تحمّل مسؤولية تفشي المرض. لكنّ نشطاء يؤكّدون أن الوضع الاقتصادي وصل إلى مرحلة لا تحتمل والناس سيعودون إلى الشارع، لأنّ فشل الحكومة بات واضحاً، فهي تَعِد وتتحدّث عن المشاريع والدراسات ولا تفعل أي شيء. ويؤكّدون أنّ هناك تحضيرات مستمرّة للمجموعات المستقلّة، على رغم محاولات أحزاب التدخّل والاستثمار في غضب الشارع. 

دياب والجيش والعهد

كان لافتاً وقبيل التصعيد الأخير، زيارة رئيس مجلس الوزراء حسان دياب في 24 نيسان وزارة الدفاع الوطني وقيادة الجيش في اليرزه، وكان في استقباله نائب رئيس مجلس الوزراء وزيرة الدفاع زينة عكر وقائد الجيش العماد جوزف عون. وهكذا بعد ذلك بأيام قليلة، قرر الجيش مواجهة الفقراء بالرصاص الحيّ، ما يطرح أسئلة كثيرة حول ما دار حقاً في هذا اللقاء، وما إذا كان محاولة لتحصين حكومة “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” التي يرأسها دياب، في وجه غضب الناس والفقر الذي يهددهم بلا رحمة. 

وفي آخر اللقاء، وقف دياب مبتسماً، وألقى ما يشبه قصيدة غزل بالجيش قائلاً: “عندما تحضر عناوين الشرف والتضحية والوفاء، يصبح لها معنى أعمق في داخل عقولكم وفوق أكتافكم وعلى صدوركم، إنه الإيمان بالوطن الذي تحلمون به على قياس صفاء انتمائكم”. 

ولكنه الإيمان بالوطن من قتل فوّاز السمان. 

تجهد الحكومة ومن يحميها على إسكات صوت الشارع من جهة، حتى إذا احتاج الأمر إلى قتل الناس، ورمي وزر الأزمة المالية الاقتصادية على حاكم المصرف المركزي رياض سلامة دون سواه، من جهة ثانية، فيخرج شركاء سلامة على مدى 30 سنة، كالشعرة من العجين، ويبرأون من دم هذا الوطن، ويصوَّر سلامة وكأنه الشرّير الوحيد في هذه الغابة، وقد أصبح الجميع ملائكة. إسكات صوت الشارع و”البهورة” على رياض سلامة، من دون القيام بأي شيء مفيد، وشراء المزيد من الوقت والمزيد من الابتسامات العريضة أمام شاشات التلفزيون. أبرز إنجازات هذه الحكومة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
كيرا غورني – مركز المحققين الصحافيين الاستقصائيين ICIJ
قال مسؤولون سابقون في وزارة الخزانة الاميركية إن تحقيقاً بشأن ارتكابات الشركة قد تأجل خوفاً من إغضاب دولة الإمارات العربية المتحدة، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وعندما فشلت محاولات إقناع الإمارات بالعمل بمفردها ضد “كالوتي”، جرى تعليق التحقيق.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني