نسويّات عربيات: “كورونا” حرب جديدة على المرأة

تُظهر لنا مثل هذه الأزمات قسوة النظام الأبوي وفشل بلداننا الذريع في حماية النساء أو وضع حدٍ للعنف الجنساني.وما أكدته الأزمة أيضاً هو أن العمل النسوي ليس نشيطاً وحيوياً فحسب بل أيضاً ابتكاري ومرن ويساعد في إنقاذ الأرواح.

من المستبعد أن نكون قادرين على تحديد جميع انعكاسات جائحة كوفيد-19 وتعريفها، مع احتمال استمرار بعض التداعيات الخطيرة لهذه الأزمة بعد فترة طويلة من انتهائها وبطرائق يصعب علينا تخيلها. الواضح لدينا في تلك اللحظة، وفيما أصبح الوباء في أقصى ذروته، هو أن هذه الأزمة سلطت الضوء أكثر على أشكال موجودة بالفعل من الاضطهاد وعدم المساواة والقمع والتمييز، وفاقمتها، كما كنّا نتوقّع.  

كنتُ جزءاً من اجتماعٍ افتراضي عبر الإنترنت لمجموعة من المنظمات النسوية وجمعيات حقوق المرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها البحرين ومصر والعراق والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين وتونس. في الأوقات العادية، أي قبل ظهور الوباء، كانت هذه المنظمات تتصدى لقضايا عدّة، من بينها العنف الجنساني والتمكين الاقتصادي للمرأة وقضايا مجتمع الميم والاشتغال بالجنس والدفاع عن حقوق المرأة والمشاركة السياسية وغير ذلك من المجالات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية. 

عقدنا هذا الاجتماع من أجل التحدث سوياً وتبادل الخبرات التي مررنا بها واستكشاف الروابط المحتملة وأيضاً الاستلهام من تجارب بعضنا بعضاً. باختصارٍ، كانت هناك حاجة إلى التضامن النسوي، وما زالت تلك الحاجة قائمة، لأننا نتعامل مع وضعٍ هائل وغير مسبوق، ويمكننا القول إن لا أحد منا كان مستعداً له.

واصلت منظمات نسوية وجمعيات تعنى بحقوق المرأة، العمل خلال هذه الفترة بعد مرحلة تهيئة أولية تم خلالها التوصل إلى سبلٍ لضمان استمرار العمل في ظل الإغلاقات الكاملة التي عمّت دولاً كثيرة. لم يكن التحول إلى العمل من بعد سهلاً أو سلساً كما كان الحال في القطاع التعليمي أو القطاع الخاص. في الواقع، يتطلب العمل من بعد توافر المكان المناسب والتكنولوجيات واللوجستيات التي تعد رفاهية كبيرة بالنسبة إلى كثيرين بخاصة عندما يتعلق الأمر بتأمين مساحة ملائمة والتمتع بالخصوصية.

ومثلما جاء في روايات تبادلتها ناشطات نسويات، فقد شهدت قضايا العنف المنزلي بالفعل زيادة هائلة خلال الإغلاق مع التعقيدات الإضافية المتعلقة بالصعوبات التي تواجهها النساء عند محاولة طلب المساعدة سواء من الأصدقاء أو العائلة أو الخطوط الساخنة والجهات القانونية.

أدى الإغلاق إلى عجز الأصدقاء والعائلة عن توفير الأمان أو التخفيف عن الضحية وقد أصبحت السلطات أيضاً ببساطة… غير متاحة. في أي حال، ومثلما اوضحت ناشطات نسويات فإن “أنظمتنا معطوبة وعقيمة وغالباً ما يندم المرء على اللجوء إليها من البداية… إذ لا يمكنها الصمود أمام هذه الصدمة ولن تعطي الأولوية لتوفير السلامة والملاذ الآمن لضحايا العنف من النساء”. بالنسبة إلى زملائنا من فلسطين، فقد أدى الأثر المزدوج للعنف الناتج عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وممارسات الرجال في المنزل إلى مضاعفة الضرر والتمييز ضد النساء والفتيات. 

أظهرت لنا جائحة “كورونا” حجم التكلفة البشرية المترتبة على عدم الاعتراف بها والتصدي لها. وبدأت النقاشات العامة والاجتماعية تتطرق أخيراً إلى العلاقات الأسرية غير المتكافئة بين الجنسين وعبء الرعاية الذي يقع على كاهل النساء والفتيات. 

ويكون الوضع مأساوياً خصوصاً بالنسبة إلى النساء السجينات واللاتي ما زلن ينتظرن مصيرهن ومصير أطفالهن المعلق في يد محاكم الأسرة التي على ما يبدو لا تشاطرهن الإحساس ذاته بمدى إلحاح الوضع! أعربت معظم الناشطات النسويات عن أسفهن من الخيارات القاسية التي تضطر النساء المعنفات إلى اتخاذها في ظل الحظر. 

في الواقع، ومع تزايد صعوبات كسب العيش وتوفير الأمان ولو الجزئي لأطفالهن، تفضل النساء المعنفات في ظل الحظر البقاء مع أطفالهن، فلا سبيل آخر يمكنهنّ اللجوء إليه ولأن مسؤولياتهن تجاه أطفالهن تحتل الأولوية على حساب سلامتهن الشخصية. تحدثت ناشطات نسويات أخريات من الأردن عن القرارات المُتعجلة غير المدروسة المتمثلة في توصيل المساعدات للأسر من خلال رب الأسر الذكر على رغم الدليل الدامغ على أن إيصال المساعدات بتلك الطريقة يقلل من فرص انتفاع النساء والفتيات في المنزل بها.

في سياق متصل، ثمة أدلة كثيرة متبادلة حول الصعوبات التي تواجهها النساء لتأمين دعم آمن لصحتهن الإنجابية والجنسية، وهو أمر يبدو أن رب الأسرة الذكر وأيضاً مقدمي الخدمات الصحية يقللون من أهميته. وبناءً على ذلك، تتعرض كثيرات للحرمان من الحصول على خدمات ووسائل منع الحمل.

اتفقت ناشطات نسويات كثيرات، انطلاقاً من تواصلهن مع النساء، على أن إجراءات الحجر الصحي -بخاصة عند إضافة أعباء العمل من بُعد والتعليم المنزلي- تغفل عن أعمال الرعاية المضافة على عاتق النساء اللاتي عليهن الآن تأدية مهمات إضافية من دون أن يكنّ بالضرورة مستعدات أو في مقدورهن القيام بذلك. ولهذا، فإن الانتباه إلى بعض المسائل مثل الصحة العقلية والرعاية الذاتية قد بات مستحيلاً.

ولكن تواجه فئات أخرى من النساء، نظراً إلى أوضاعهن الاجتماعية، أشكالاً إضافية من الإساءة خلال الإغلاق، وأعني بتلك الفئات النساء ذوات الاحتياجات الخاصة والمهاجرات والمشتغلات في الجنس وصاحبات الميول الجنسية الحرة. وشاركتنا ناشطة شابة رائعة من مجتمع الميم في تونس تجربتها في تشكيل مجموعات مكونة من شباب متطوعين لتأمين الأدوية ومنتجات النظافة الشخصية الأساسية للمشتغلين بالجنس المشردين وكيف أنهم يوفرون خطاً ساخناً متاحاً طوال الوقت للمثليين المحاصرين وسط عائلات مسيئة تؤذيهم.

كانت هناك قصص مشابهة من لبنان تضاف إليها مضاعفات الأزمة المالية والاقتصادية. كان أحد آثار الأزمة، الذي يتفاقم بفعل العنصرية المشينة في البلاد، هو عمليات “التخلي المخزية” عن المهاجرات العاملات في الخدمات المنزلية ورميهن في الشوارع بل وحتى “بيع” اللاتي لم يعد في مقدور مشغليهن تحمل أعبائهن بعد الآن.

في الواقع، تُظهر لنا مثل هذه الأزمات قسوة النظام الأبوي وتشعبه في المؤسسات. من المؤكد أن الاضطراب الذي أحدثته جائحة كوفيد-19 هائل، وسوف يلازمنا لفترة طويلة. لكنني أتمنى أن تحمل تلك الأزمة آثاراً إيجابية ولا يمكن الرجوع عنها إلى حدٍ كبير. إذ لم يعد من الممكن إخفاء أو تبرير فشل بلداننا الذريع في حماية النساء أو وضع حدٍ للعنف الجنساني. ولم يعد ممكناً أيضاً تجاهل العنف الممارس ضد النساء والفتيات، وقد اعترف الجميع بالفعل بأنه جائحة في حد ذاته، وربما أظهرت لنا جائحة “كورونا” حجم التكلفة البشرية المترتبة على عدم الاعتراف بها والتصدي لها. وبدأت النقاشات العامة والاجتماعية تتطرق أخيراً إلى العلاقات الأسرية غير المتكافئة بين الجنسين وعبء الرعاية الذي يقع على كاهل النساء والفتيات. 

بدأت منظمات نسوية بالفعل تعمل على صوغ سياسات عامة لا تأخذ في الاعتبار تكلفة الاضطلاع بمهمات الرعاية وحسب، بل وتسعى أيضاً إلى توزيع تلك التكلفة. علاوة على ذلك، وربما الأكثر أهمية، هو أنه لم يعد يمكن إسكات المثليين والمشتغلين بالجنس وغيرهم من الفئات وتهميشهم. ما أظهرته الأزمة لنا هو أن العمل النسوي ليس نشيطاً وحيوياً فحسب بل أيضاً ابتكاري ومرن ويساعد في إنقاذ الأرواح.

بالنسبة إلى لبنان، أنا متفائلة من حقيقة أنه لم يعد يمكن الاحتفاء والإشادة بالأداء متوسِّط الجودة وحسب، وقشرة الحداثة لم تعد كافية ومرضية. فقد تبين أن نظامنا ليس مؤثراً، هو والهياكل التابعة له، التي تتظاهر بالعمل لمصلحة حقوق المرأة، ولا يجب بالتأكيد أخذ هؤلاء على محمل الجد.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

أروى الوقيان – صحافية وحقوقية كويتية
ما قالته مها المطيري يعكس حقيقة الكثير من المراكز الأمنية، حيث تسود عقلية تعتبر اغتصاب العابرين حقاً مكتسباً بل هدية للمساجين بل وربما بمباركة رجال الداخلية.
أسيل العلائلي – ناشطة في الشؤون الجندرية
تتيح أزمة “كوفيد-19” الفرصة للدول العربية ليتحوّل العنف الأسري من شأن عائلي خاص، إلى قضية عامة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
لقيت الطفلة حتفها بطريقة بشعة بعد أيام من عودتها إلى المنزل، إذ نحرها أبوها وهي نائمة، مستخدماً المنجل.
ريد مطر – صحافية مصرية
فيديو منة عبد العزيز صفع سذاجتنا وألصق أنوفنا في مشهد شديد العفونة، مشهد يقول للمرأة إن انسحبتِ من المجال العام سيتم جلبك من الفضاء الافتراضي ليُمارس عليك الانتهاك اليومي ذاته، وهذا الجسد الذي تتباهين بجماله ستحملينه مثل صخرة سيزيف على ظهرك.
مويتري موخوبادهياي – نسوية وباحثة اجتماعية هندية
ربما تأجلت الثورة بسبب الوباء، ولكنها لم تنته بعد، إذ إن الحنين إلى الحرية والديموقراطية سيعيد إثبات وجوده من جديد ولكن ذلك لن يحدث تلقائياً. وإذا لم يعد الحنين تأكيد مكانته، فإن مستقبلنا الديموقراطي معرض للخطر
فاطمة بدري – صحافية تونسية
“سيبقى لكنّ شرف الحرية لأنكنّ وقفتنّ بشجاعة في وجه النظام البائد وهتفتن بملء حناجركن ضد الظلم والاستبداد”
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني