fbpx

الإرهاب سيكون له وجه آخر بعد “كورونا”

شهد العالم بالفعل فشلاً في سبل التعاون الدولي في ما يتعلق بالتصدي لـ"كورونا"، والشعور السائد بالغضب والإقصاء والتهميش الذي سوف يتبع ذلك من شأنه أن يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من العنف

لا تزال ردود فعل الجماعات الإرهابية التقليدية مثل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والقاعدة والمنظمات الكثيرة التابعة لهما حول كوفيد-19، مضطربة في معظمها. إذ ينصب اهتمام البعض على الفوضى التي تمكنهم الاستفادة منها (في مناطق مثل غرب أفريقيا)، بينما يعتقد آخرون أن هذا المرض عقاب إلهي على غير المؤمنين (مثلما يرى تنظيم الدولة الإسلامية والحزب الإسلامي التركستاني، وهو منظمة مسلحة أيغورية انفصالية)، في حين يرى البعض فيه فرصةً لإظهار قدراتهم على الحكم وفرض النفوذ (مثل طالبان وحزب الله). في الوقت الذي أعادت فيه الحكومات تهيئة بعض أدوات مكافحة الإرهاب لدعم استجابتها لـ”كورونا” مع تحريف التعريفات القانونية للإرهاب وذلك لمحاكمة الأشخاص الذين يقومون بسلوكيات مناوئة للمجتمع، مثل تعمد السعال على الآخرين.

إلى الآن، لا تزال التصرفات التي يمكن فعلياً أن توصف بالإرهابية محدودة للغاية. وهي نابعة في معظمها من حالة عامة معادية للمؤسسات، تغذيها نظريات المؤامرة. أدى الخوف من أن شبكات الجيل الخامس قد تكون لها علاقة بانتشار الوباء إلى حرق أبراج الهواتف المحمولة في مختلف أنحاء أوروبا.

كثيراً ما يظهر الإرهاب في المناطق التي يسود فيها الاعتقاد أن الحكومة باءت بالفشل أو حيث يشعر الناس بأنهم مستبعدون من النظام. ومن المحتمل أن يؤدي الوباء إلى تقليل شعور الناس بالثقة في السلطة أكثر.

ففي الولايات المتحدة، أدى الخوف من الحكومة الضخمة إلى التخطيط لتفجير مستشفى في مدينة كانساس سيتي، مجهز لاستقبال الحالات المصابة بفايروس “كورونا”، وأيضاً محاولة إخراج قطار عن مساره لاستهداف مستشفى عائم في حوض بناء السفن في ميناء لوس أنجلوس. وفيما سعى بعض الجهاديين الأكثر جرأة إلى التسلح بفايروس كورونا، تحدثت الجماعات اليمينية المتطرفة كثيراً عن إمكان القيام بذلك ليس إلا.

تتمحور هذه التصرفات حول موضوعٍ واحد. فهي، كأغلب الأعمال الإرهابية، أعمال تمرد على النظام القائم بصورة جوهرية. يوجد في الولايات المتحدة ماضٍ عريق من الأنشطة المناهضة للحكومة، التي تستند إلى سرد ليبرتاري أوسع نطاقاً أكثر من عملها عبر الكتلة السياسية الأميركية.

أحيت مدينة أوكلاهوما سيتي الذكرى الخامسة والعشرين لتفجير تيموثي مكفاي مبنى ألفريد مورا الفدرالي عام 1995 الذي أودى بحياة 168 شخصاً. خرج مكفاي من رحم حركة أميركية أشمل أطلق عليها المحققون الفيدراليون اسم حركة “الوطنيين”، لطالما قلق المحققون من احتمال قيام هؤلاء الليبرتاريين المتطرفين بأعمال عنف وميلهم إلى جمع الكثير من الأسلحة. في الآونة الأخيرة، عبرت هذه الحركة عن آرائها من خلال جماعات وحركات لمواطنين مستقلين، تعارض اللوائح الفيدرالية وتستهدف الشرطة.

بالنسبة إلى الذين شكَّل هذا التاريخ من الأنشطة المعادية للحكومة عقلياتهم، فإن التوسع الهائل للدولة الذي يأتي في أعقاب أزمة وطنية مثل تفشي وباء سوف يكون مصدراً للقلق. وبالنسبة إلى مثل أولئك الأفراد، فإن خوفهم مصدره القلق من توسع الدولة وأيضاً انعدام الثقة في أنشطة الحكومة عموماً. وبات بعض مظاهر هذا الغضب واضحاً بالفعل في ولايات مثل ميشيغن وكنتاكي وكارولاينا الشمالية.

يتفاقم هذا الإحساس بالحرمان من الحقوق بسبب حالة انعدام الثقة المتزايدة في الحكومات على مستوى العالم، التي أصبحت ظاهرة للعيان. وبالنظر إلى ميل القادة إلى التصريح علناً بالأكاذيب أو أنصاف الحقائق، بدأ إيمان المواطنين الجمعي في الحكومة يتزعزع. وقد لاحظت منظمات إجرامية عديدة ذلك وسعت إلى تقديم نفسها بديلاً للحكومات.

فقد استغلت مجموعات مثل حزب الله وطالبان وهيئة تحرير الشام، التي تفرض سيطرتها على بعض المناطق، تلك الفوضى لاستعراض قدراتها الخاصة في مجال الصحة العامة، الواهية مثلهم. وتسعى العصابات الإجرامية في البرازيل والسلفادور والمكسيك إلى إظهار قوتها ومواردها. مع ذلك فإن هذه التحركات ليست بالضبط بدافع الإيثار، إذ تتولى معظم العصابات تلك المهمات اعترافاً منها بأهمية معركة الاستحواذ على القلوب والعقول التي يمكنهم الفوز فيها بتلك الطريقة.

إضافة إلى ذلك، يستغل آخرون هذه الحالة من انعدام الثقة ويمارسون أقصى درجات العنف، ومن المرجح أن تزيد أعدادهم بمرور الوقت. إذ ستزيد الاستجابة الحالية لمرض كوفيد-19 من هيمنة الدولة، مبرزةً الفوارق وأوجه عدم المساواة التي سوف تتفاقم في اقتصاد ما بعد “كورونا”، مع تسليط الضوء في نهاية المطاف على سياسات تقليص الميزانية التي سوف يتم اتباعها حتماً. قد يساور البعض الخوف من الحكومة الضخمة، لكن بدلاً من ذلك، سيزداد غضب آخرين إذا لم تُعالج مشاكلاتهم ومشاغلهم. تفتح هذه التصدعات الباب أمام الروايات الجاهزة لاستغلالها من قبل الفصائل المناهضة للحكومة والجماعات العنصرية والمتطرفين السياسيين من جميع الاتجاهات والمتشددين من الحركة اللاضية أو غيرهم من الجماعات المهمشة.

سوف يخلق الجيش المتنامي من المحرومين مجتمعاً من أشخاص مستعدين لإلقاء اللوم على أي شخص آخر. ففي الغرب كان هناك اتجاه قوي نحو إلقاء اللوم على الصين، وهو أمر رائج بين كبار المسؤولين (مثل ماتيو بوتينغر نائب مستشار الأمن القومي وتيد كروز في الولايات المتحدة، أو رؤساء لجان الدفاع والشؤون الخارجية المختارة في البرلمان بالمملكة المتحدة) ورائج أيضاً بصورة متزايدة بين السكان عامةً في بلدان تتزايد فيها مشاعر العداء تجاه الصين. ويزيد هذا الغضب أيضاً من حدة التوترات الاجتماعية القائمة أصلاً حول المهاجرين، وهو أمر ملاحظ في الكثير من النقاشات العنصرية البغيضة التي تدور حول مرض كوفيد-19.

مما يؤسف له أنه بمجرد أن تنتشر المشاعر المعادية للصينيين بين الناس، فإن تلك المشاعر ستفقد عادةً قدرتها على التمييز، وهو ما سيؤدي إلى إساءة المعاملة والعنف ضد كل من يبدو أنهم ينتمون إلى أصول شرق آسيوية. وعلى رغم أن جرائم الكراهية لا تتساوى دوماً مع الإرهاب، فإنها كثيراً ما تكون بمثابة مقدمة للأعمال الإرهابية. كما تُفضي التوترات بين الطوائف والتي تحض على جرائم الكراهية إلى إثارة أولئك الذين يميلون إإلى العنف، من أجل التصرف وفقاً لدوافعهم البغيضة، فضلاً عن توفير بيئة خصبة للجماعات التي تسعى إلى تعزيز الإيديولوجيات الداعية للانقسامات.

لا تقتصر هذه المشكلة على الغرب فحسب. ففي إندونيسيا حذر الباحثون من تصاعد التوتر تجاه المواطنين الصينيين داخل البلاد. وقد استند ذلك إلى مجموعة كبيرة من مظاهر الغضب إزاء الصين عموماً في البلاد، يعزو ذلك جزئياً إلى التوترات العرقية التاريخية بين البلدين، إلا أن التوترات تفاقمت في الآونة الأخيرة بسبب معاملة بكين لأقلية الإيغور المسلمة. بل صدرت تحذيرات من أن تلك المشاعر قد تؤدي إلى حدوث أعمال إرهابية ضد المقيمين الصينين في إندونيسيا، إذ ذكرت إحدى الخلايا الإرهابية أنها ناقشت استهداف العمال الصينيين. وقد يرسي هذا الأساس للتعبير بأشكال عنيفة عن الإرهاب الموجه ضد الصينيين في جنوب شرقي آسيا.

لطالما اتسمت العلاقات الصينية مع جنوب شرقي آسيا بالتوتر، وثمة أيضاً بعض مظاهر الغضب الأخرى ضد الصين في الوقت الراهن. فقد تورطت تايلاند في شجار على شبكة الإنترنت مع الصين عندما شعر الشباب التايلانديين بالغضب من المحاربين المقاتلين عبر الإنترنت الذين هاجموا ممثلين تايلانديين بارزين للتعبير عن وجهات نظرهم تضامناً مع تايوان وهونغ كونغ. وقد أثارت حركة “تحالف الشاي بالحليب” التي تشكلت نتيجة لذلك -والتي يُطلق عليها ذلك الوصف لأن الناس في هذه البلدان عموماً من محبي تناول الشاي بالحليب ذات المذاق الحلو- غضب بكين بل امتد الأمر إلى إعراب السفارة المحلية عن الغضب الصيني المعتاد إزاء اعتراف الآخرين وتأييدهم استقلال المناطق التي تعتبرها بكين جزءاً من الصين.

في كازاخستان، أثار منشور على شبكة الإنترنت الصينية يشير إلى أن كازاخستان رغبت في أن تصبح جزءاً من الصين، قدراً كافياً من الغضب لدفع وزارة الخارجية الكازاخستانية إلى استدعاء السفير الصيني في البلاد والمطالبة باعتذار. وفي قرغيزستان المجاورة، توحدت المشاعر المناهضة للصين حول فكرة أن المواطنين الصينيين هم من ينشرون المرض، فضلاً عن إدلاء أحد أعضاء البرلمان بتصريحات حول ضرورة تجنب المواطنين الصينيين.

حتماً لا يُمكن اعتبار أي من هذه الممارسات درباً من دروب الإرهاب، غير أن الغضب الشعبي إزاء الصين أصبح أكثر تركيزاً ووضوحاً. ومع تحول الصين إلى طرف فاعل مُهيمن ومؤثر في الشئون العالمية، فإنها ستصبح على نحو متزايد هدفاً، يزكي ذلك إلى حد ما معاملة بكين للأقليات في الداخل. وقد يتجسد ذلك في صورة هجمات على المواطنين أو الشركات الصينية.

على الصعيد الأشد قتامة، فإن حتى ظاهرة إحراق أبراج بث شبكات اتصالات الجيل الخامس 5G قد تُشكل مقدمة لشيء آخر. فقد تألفت “الحركة اللاضية” مع مجموعة من عمال النسيج في المملكة المتحدة الذين ظهروا في القرن التاسع عشر. وقد اشتهروا بالاحتجاجات العنيفة على التطورات التكنولوجية التي حلت ببطء محل وظائفهم. وفي العصر الحديث، حمل تيد كازينسكي، المعروف باسم “مفجر الجامعات والطائرات”، لواء “الحركة اللاضية” من خلال قيادة حملة قصف دامت عقدين من الزمان تقريباً بلغت ذروتها بنشر بيانه، “المجتمع الصناعي ومستقبله”، وهو البيان الذي تحدث فيه عن كيفية عمل التكنولوجيا الحديثة على تقويض الحريات الشخصية.

واليوم، ستزداد وتيرة التحول السريع إلى العمل على شبكة الإنترنت من قِبَل نسبة متزايدة من العاملين في أعقاب “كورونا”، إذ تعمل الشركات على تقليص حجم الموظفين وتحاول العمل بشكل أكبر عبر الإنترنت أو من بعد. فضلاً عن أن الأعمال التي جرت العادة على القيام بها وجهاً إلى وجه، باتت تتم الآن عبر الإنترنت.

على رغم أن كثيرين سيعودون إلى العمل على النحو الذي كانوا يعملون به قبل الأزمة، فقد يجد عدد كبير للغاية أن نمط العمل تغير بشكل دائم أو قد يعانون من حدوث فائض في العمال نتيجة تصور الشركات الآن أنها قادرة على الحد من التكاليف بينما يمكنها تحقيق الأرباح ذاتها. وقد يؤدي هذا إلى إثارة حركة غاضبة تضم العمال السابقين الساخطين مستخدمين الأدوات ذاتها التي يشعرون بالغضب تجاهها لأنها استبدلتهم. فبعدما أصبحوا غير ضروريين بفضل الأدوات المتاحة على شبكة الإنترنت، تمكنهم إعادة توظيف هذه الأدوات لإثارة ردود أفعال عكسية عنيفة.

كثيراً ما يظهر الإرهاب في المناطق التي يسود فيها الاعتقاد أن الحكومة باءت بالفشل أو حيث يشعر الناس بأنهم مستبعدون من النظام. ومن المحتمل أن يؤدي الوباء إلى تقليل شعور الناس بالثقة في السلطة أكثر. وستكون النتيجة زيادة المشكلات التي يواجهها أولئك الذين يشعرون بالغضب لدرجة أنهم سيلجأون إلى استخدام العنف للتعبير عن مظالمهم.

لقد شهد العالم بالفعل فشلاً في سبل التعاون الدولي في ما يتعلق بالتصدي لـ”كورونا”، وعلى رغم أعمال الخير التي لا تعد ولا تحصى بين المواطنين، فإن الشعور السائد بالغضب والإقصاء والتهميش الذي سوف يتبع ذلك من شأنه أن يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من العنف السياسي. وفي حين سينجذب البعض إلى الأيديولوجيات والجماعات القائمة منذ أمد بعيد، قد تنشأ جماعات وأفكار جديدة على نحو مدهش. لن ينتهي الإرهاب في أعقاب فايروس “كورونا”، بل من المرجح أن يتطور بطرائق أكثر تطرفاً.

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com  ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
لا خيار أمام أحد سوى بحكومة حيادية ومستقلة، وعلى سعد الحريري ألا يعرقل وصول سني مستقل فعلاً وحيادي فعلاً، وإلا فإن مسؤوليته لن تكون أقل من مسؤولية “حزب الله” عن “نهاية لبنان الكبير”.
جنفييف زينج – باحثة قانونية في المركز السوري للعدالة والمساءلة
مناهل السهوي – كاتبة وصحفية سورية
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني