fbpx

مهانة الليرة بين “حزب الله” والصرّافين

اختفى الدولار من السوق، وتحوّل إلى تجارة مربحة للبعض، بخاصة الصيارفة، الذين يُرجّح وجود دور نقدي خفي يلعبونه بغطاء من "حزب الله"، مرتبط بالتحكّم بسعر صرف الدولار واحتكار السيولة.

“سننجو من “كورونا”، لكننا سنموت فقراً، أو في أحسن الأحوال، سيصمت قلبنا إلى الأبد من غلاء الأسعار والمفاجآت التي يحملها هذا البلد”… 

بهذه الكلمات يمكن ربما اختصار ما يقوله اللبنانيون الخائفون من كل شيء، والذين وحّدتهم المعاناة، وباتت العودة إلى ساحات الاحتجاج ملجأهم الوحيد. فغضب اللبنانيين المتراكم منذ سنوات لم يكد ينفجر حتى حلّت أزمة “كورونا” وكبّلت مساعيه، بل زادته تفاقماً. وبين الموت من الوباء أو الموت فقراً، اختار متظاهرون العودة إلى الشارع رافضين سياسات التجويع والمهانة، وانطلقت تحرّكات في أكثر من منطقة لبنانية، وعاد صراخ اللبنانيين ليصدح في كل مكان.   

الأزمة الاقتصادية اللبنانية ازدادت حدةً مع تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي بشكلٍ غير مسبوق، إذ سجل الدولار ارتفاعاً تخطّى الـ4000 ليرة لبنانية. وأتى ذلك مع تردي الوضع المعيشي وغلاء الأسعار الجنوني ونقص السيولة وفقدان الكثير من اللبنانيين وظائفهم، في ظلّ انتشار وباء “كورونا”.

هل لـ”حزب الله” دور نقدي خفي؟ 

ليكتمل مشهد الظلم على المواطن، شاركت جهات خارجة عن الدولة بتطبيق سياسات الإفقار. فلم يكن تنفيذ تعميم مصرف لبنان رقم 553، والذي يحدّد فيه سعراً أقصى لمبيع الدولار لدى الصرافين عند 3200 ليرة، مجدياً. 

إذ حتى وبعدما عمدت القوى الأمنية إلى توقيف الصرّافين الذين يخالفون التعميم، وختمت محلاتهم بالشمع الأحمر، استمرّ كثيرون بعدم تطبيق بالقرار. فامتنع صرافون عن بيع الدولار بالسعر المحدّد، متذرّعين بنفاد العملة الأميركية من صناديقهم. وهذا ما يرجّح عودة ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة في الأيام القليلة الآتية، وفقاً لما أفاده مصدر خاص لـ”درج”. 

امتنع صرافون عن بيع الدولار بالسعر المحدّد، متذرّعين بنفاد العملة الأميركية من صناديقهم.

من جهة أخرى، يرفض الزبائن بيع دولاراتهم على السعر المحدد، أي 3200 ليرة، لا سيما أنه يقل كثيراً عن ما كان معتمداً. وعليه، اختفى الدولار من السوق، وتحوّل إلى تجارة مربحة للبعض، بخاصة الصيارفة، الذين يُرجّح وجود دور نقدي خفي يلعبونه بغطاء من “حزب الله”، مرتبط بالتحكّم بسعر صرف الدولار واحتكار السيولة، والذي خلق ضغوطاً إضافية على القطاع المصرفي عموماً.

فوفقاً لمعلومات صحافية فإن شركة “حلاوي غروب”، المملوكة من محمد حلاوي وهو نقيب سابق للصرّافين، تساهم في عدم استقرار سعر صرف الدولار، لأنها تملك رأسمالاً يُقدّر بأكثر من ملياري دولار. واللافت أن وزارة الخزانة الأميركية كانت أدرجت في شهر نيسان/ أبريل 2013 هذه الشركة على لائحة العقوبات لاتهامها بالتورط بغسيل أموال لمصلحة “حزب الله”.   

من يُحدّد سعر صرف الدولار في لبنان؟

“العرض والطلب يحددان عادة سعر صرف العملة الوطنية في كل زمانٍ ومكان، وكذلك في لبنان. الفرق أن المصرف المركزي في لبنان كان يتدخل في سوق العرض والطلب ويحرّكه حسب أهوائه، فيرفع الفائدة على الليرة اللبنانية عندما يقلّ الطلب عليها مثلاً، وبالتالي يدفع العملاء إلى ‏عودة تداولها وادخارها في المصارف لجني الفوائد منها. إلا إنه أخيراً فقد قدرته على التأثير في سوق القطع هذا، بسبب انعدام ثقة اللبنانيين في المصارف وفي عملتهم الوطنية… فلم يعد أي عميل يدّخر بالليرة اللبنانية، أو غيرها، في المصرف، لأنه يعلم أن المصارف قد تتعرض للإفلاس، أو أنها ببساطة قد تجري “هير كات” على وديعته”. هذا ما قاله الخبير الاقتصادي، باتريك مارديني، لـ”درج”. 

إلا أنه منذ 23 و24 نيسان/ أبريل، شهدت البلاد استثناءً للقاعدة، إذ إن سوق الصيارفة يحتكر الدولار، بينما يسعى الناس للحصول عليه وتخزينه. ولعل هذا من أبرز أسباب الارتفاع الجنوني لسعر الصرف. عدا عن أسباب عدة، منها تعاميم مصرف لبنان، التي تذهب باتجاه تحويل مدّخرات اللبنانيين من الدولار إلى الليرة اللبنانية. وهذا ما يتمثّل بتقييد السحب على الدولار، وفرض سعر صرف (من 1500 إلى 2600 ليرة) لا يضاهي سعر السوق. أو مثلاً عندما يطلب المصرف المركزي من شركات الحوالة منح اللبنانيين التحويلات المالية بالليرة اللبنانية بدلاً من الدولار. 

مصرف لبنان قادر على ضبط التضخّم وارتفاع سعر صرف الدولار، إذا وضع حدّاً لضخّ الليرة اللبنانية في السوق.

يضاف إلى ذلك، ارتفاع الطلب على الدولار، بخاصة من خلال عمليات الاستيراد. فمعلوم أن لبنان دولة غير صناعية تستورد كل حاجياتها، كالمواد الغذائية والمحروقات مثلاً، ما يضع التجار والمستوردين أمام تحدّي تأمين الدولار الذي يُتداول الآن وفق أكثر من سعر، هذا إن وجد.

‏كما أن ارتفاع الطلب على الدولار زاد بعدما فقد اللبنانيون الثقة بالليرة اللبنانية. فما تساويه المئة ألف ليرة لبنانية مقابل الدولار اليوم، قد تساوي نصفه غداً… 

المدخرات تبخرت

اللبنانيون يسعون إلى حماية مدخراتهم من تدهور سعر الصرف. وفي المقابل فإن العرض انخفض، لأن المصارف لم تعد توفر الدولار الأميركي.
‏إلا أن السبب الأساسي، وفقاً لمارديني، والذي يغفل عنه كثيرون عند الحديث عن ارتفاع الدولار، هو تضخم حجم الكتلة النقدية. فيقول، “العلاقة الوثيقة بين العاملين تحتّم مضاعفة سعر صرف الدولار عند ازدياد حجم الكتلة النقدية”.
‏مع الإشارة إلى أن حجم الكتلة النقدية لا يرتبط بضخّ الليرة اللبنانية في السوق وحسب، بل إنه تراكمات تعود إلى السنوات الماضية، من طريق الهندسات المالية التي اعتمدها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.
‏وبالتالي، فإن مصرف لبنان قادر على ضبط التضخّم وارتفاع سعر صرف الدولار، إذا وضع حدّاً لضخّ الليرة اللبنانية في السوق. إلّا أن هذا يعني وضع قيود على السحوبات المصرفية بالليرة اللبنانية. وبذلك يتوجّب على المصارف تأمين سحوبات المودعين من خلال القروض التي يدفعها مودعون آخرون.


سعرا صرف… وأكثر!


سعر الصرف الرسمي، سعر الصرف لدى الصرافين، سعر الصرف في السوق السوداء، سعر الصرف لدى المصارف… وغيرها الكثير. 

في هذا الصدد، يشرح مارديني أن سعر الصرف الحقيقي هو السعر الذي يسمح به بشراء الدولار، وليس البيع. وهو يحوم على الـ4000 ليرة حالياً. 

وعند الحديث عن تغيير سعر الصرف الرسمي ليصبح موازياً لما يتداوله الناس، أجاب، “لا شكّ في أن وجود سعرين للصرف مضرّ بالاقتصاد، فكيف إذا كنا نتحدّث عن أكثر من ذلك؟ هذا يؤدي إلى وقف ضخ الأموال الخارجية، وغياب الاستثمارات، وفقدان الثقة بالعملة الوطنية. إلا أن فكرة توحيد سعر الصرف ليست مجدية إذا لم تترافق مع ضبط حجم الكتلة النقدية، أي وقف طبع الليرة اللبنانية”. ويضيف، “المشكلة أن المصرف المركزي سيعجز عن اتخاذ هذا القرار، بسبب عدم استقلاليته وارتباط قراراته باعتبارات سياسية”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني