fbpx

شبهات فساد بين “سوناطراك” الجزائرية وتجّار نفط وسياسيين لبنانيين

فضيحة الوقود المغشوش هي تحصيل حاصل لممارسات تجارية وضعها مسؤولو "سوناطراك" بالتواطؤ مع تجار لبنانيين وتغاضت عنها السلطات الوصية في كل من الجزائر ولبنان.

فجرت النيابة العامة في جبل لبنان فضيحة من العيار الثقيل بتوقيفها متعاملين يُفترَض أنهم يزودون الشركة اللبنانية للكهرباء بوقود جزائري تستعمله في توليد الطاقة الكهربائية. وأعلنت وكالة الأنباء اللبنانية أن النائبة العامة في منطقة جبل لبنان غادة عون أمرت بتوقيف 17 شخصاً يعملون في قطاع المحروقات بسبب مخالفات في عمليات الاستيراد. وباشرت النيابة التحقيق مع هؤلاء على خلفية الجدل الدائر في لبنان حول وقود مغشوش اشترته شركة الكهرباء من الشركة الجزائرية للمحروقات “سوناطراك”، صاحبة المركز الثالث عشر في ترتيب شركات النفط في العالم. 

ولم يتأخر رد طارق فوال ممثل شركة “سوناطراك” في لبنان، إذ أعلن استعداد الشركة للتعاون مع وزارة الطاقة لحل الإشكال المتعلق بما سمّاه “عدم مطابقة الشحنة الأخيرة من الفيول المواصفات”، قائلاً إن هذه الشحنة المقدرة بـ38 ألف طن، خضعت للفحص من ثلاثة مكاتب دولية مختلفة وهي مطابقة للمواصفات المحددة في العقد. كما نفى أي علاقة مع شركة ZR Energy، علماً أن فوال غير مفوض بالتوقيع على عقود الشركة، وقد أكد للقضاء اللبناني أنه مجرد ممثل لـ”سوناطراك” في عمليات التفاوض، وليس في إبرام العقود. ونقلت جريدة “الأخبار” اللبنانية تغريدة لوزيرة الطاقة السابقة ندى بستاني تتكلم فيها عن تقارير وزارية تؤكد رداءة الفيول وتطالب بمواصلة الإجراءات العقابية ضد الجهات المورّدة. 

القضاء اللبناني توسع بالتحقيق في ملف استيراد الفيول، واعتبر أن الشركة الجزائرية تتقاضى عمولات لمجرد أنها واجهة للمزود الفعلي للفيول. ويبدو أن ثمة اتجاهاً للادعاء على مديرين وموظفين في مؤسسة كهرباء الزهراني اللبنانية كمتواطئين ومسهلين لهذه العمليات، وفي الوقت الذي يُستجوب فيه أصحاب شركة ZR Energy في الملف ستتوسع التحقيقات لتصل إلى تاريخ توقيع العقد مع الشركة الجزائرية عام 2005. علماً أن سياسيين لبنانيين نافذين من طرفي الانقسام، يقفون وراء هذه الشركات ويتنافسون على فرضها كمستورد للفيول. وفي هذا السياق أيضاً، يمكن تفسير قرار القضاء اللبناني وضع اليد على هذا الملف بعد سنوات طويلة من تقاضي الشركات العمولات على استيراد الفيول. وجاء فتح القضاء هذا الملف على وقع سجال سياسي لا يبدو أن القضاء بعيد منه، خصوصاً أنه تحرك بموجب إخبار قدمه االقيادي في التيار العوني المحامي وديع عقل وتولت التحقيق فيه القاضية غادة عون، وهذا ما طرح أسئلة عن التوقيت وعن أسباب التغاضي طوال السنوات الفائتة.

تدفع بنا هذه التراشقات إلى العودة إلى العلاقة التجارية بين “سوناطراك” ووزارة الطاقة اللبنانية والضغط الذي مارسه مدير “سوناطراك” السابق عبد المومن ولد قدور، من أجل اعتماد ZR Energy كوسيط ثان بجوار بهاء البساتني كمورد باسم الشركة الجزائرية، وهو الشيء الذي سبق فتح هذا الملف بسنة ونصف السنة. 

بدأت “سوناطراك” توريد الفيول إلى لبنان عام 2005. كان الاتفاق بين الحكومتين اللبنانية والجزائرية يقضي بتزويد السوق اللبنانية أساساً بالفيول الثقيل لسد حاجات محطات توليد الكهرباء وهو وقود لا تنتجه الجزائر بكميات كافية فالبترول الجزائري Saharan Blend، معروف بخفته. وعمد الفريق المسير لـ”سوناطراك” في ذلك الوقت إلى تكليف فرع الشركة في لندن Sonatrach Petroleum Corporation، بتنفيذ الصفقة. والصفقة التي تم التفاوض عليها آنذاك تجعل من فرع “سوناطراك” في لندن واجهة فقط لتاجر لبناني (trader) اسمه بهاء البساتني الذي ظلت شركته BB Energy تأخذ حصة الأسد من هامش الربح المحصل من هذه العمليات التجارية الثلاثية.

من بهاء البساتني إلى ولد قدور

أبرمت “سوناطراك” العقد فيما كان علي بن بوزيد مديراً لفرع لندن ومحمد شوقي رحال مديراً للتسويق وكان تُوبع في قضية “سوناطراك” الأولى وبرأته محكمة الجنايات لمجلس قضاء الجزائر وهو معني بالتحقيقات الجارية في قضية “سوناطراك” الثانية. يمكن اختزال العقد بالآتي: تعطي “سوناطراك” اسمها لشحنات بهاء البساتني الذي يشتري الفيول من الشركة السويسرية Vitol مقابل 3.5 دولارات للطن المتري، في حين يأخذ هو 25 دولاراً كهامش للربح في صفقاته مع الزبون النهائي في لبنان. 

كان مبرر مسؤولي “سوناطراك” لاعتماد هذا النوع من العقود (Fronting) والذي يتم تجديده كل ثلاث سنوات، مكانة الوسيط في السوق اللبنانية وكذا تحمله كامل الأخطار المتعلقة بالصفقات. كما اعتبروا هامش الربح المحصل من طرف الشركة (3.5 دولارات) منصفاً، إذ لا تتعرض الشركة لأي خطر. وبقي البساتني وسيط “سوناطراك” الوحيد إلى أن عُيّن عبد المومن ولد قدور مديراً عاماً للشركة وفرض وسيطاً آخر. 

يجدر التذكير هنا بأن “درج” تناول في تحقيق سابق حركات أموال مريبة عبر مصارف لبنانية لنسيم ولد قدور، نجل عبد المومن ولد قدور، بناء على وثائق بنما (First National Bank وSociété générale de banque au Liban). ويجدر التذكير بأن عبد المومن ولد قدور كان قد ترأس فرعاً لـ”سوناطراك” في بداية الألفية قبل أن يودع السجن بتهمة إفشاء معلومات مصنفة في خانة “سر دفاع” وتم حل الفرع الذي كان يسيره والذي كان موضوع تقرير للمفتشية العامة للمالية التي سجلت الكثير من المخالفات وقدرت أن في صفقات هذا الفرع مع الشركة الأم “سوناطراك” ووزارة الدفاع تضخيماً رهيباً للفواتير. 

قالت مصادر قضائية لبنانية لـ”درج” إن “التحقيق لن يقتصر على المواصفات التقنية للفيول، بل سيشمل ما تتقاضاه سوناطراك من عمولات”. 

بعد عودة ولد قدور إلى “سوناطراك” مديراً لها في نيسان/ أبريل 2017، لم يطل به الحال حتى فرض وسيطاً آخر إلى جانب بهاء البساتني. بعد تعيين رفيق دماك من طرف ولد قدور مديراً لفرع لندن في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، تمكن هذا الأخير من زحزحة الكثير من المتعاملين التقليديين للشركة. وعند تجديد العقود المتعلقة بتموين السوق اللبنانية في كانون الأول/ ديسمبر 2018، أخذت ZR Energy المملوكة لتيدي وريمون رحمة حصة منها مقابل 3.75 دولارات/ طن متري لسوناطراك. وهو ما أصر طارق فوال على نفيه في حديث لجريدة “الأخبار” اللبنانية.  

ونشر فرع “سوناطراك” الجزائرية في لندن بياناً عبر وكالة الأنباء الجزائرية يقول فيه إن من قدمته وسائل الإعلام كموظف لدى “سوناطراك” ليس كذلك وهو ” وكيل بحري مستقل يقوم بمتابعة الشحنات في لبنان لمصلحة فرع الشركة في لندن”. وحاولت الشركة الجزائرية حصر القضية في خصائص الفيول التقنية، إذ جاء في البيان أن “الأمر يتعلق بخلاف مع زبونها في لبنان وهو وزارة الكهرباء والمياه حول عيب في شحنة كانت موجهة إلى شركة تحت وصايتها وهي شركة كهرباء لبنان (EDL)”. أضاف البيان أن “فرع سوناطراك في لندن في حوار مستمر مع الزبون لتسوية المسألة وستسوى بسرعة نظراً إلى العلاقات الممتازة بين سوناطراك ووزارة الكهرباء والمياه في لبنان”. وقالت مصادر قضائية لبنانية لـ”درج” إن “التحقيق لن يقتصر على المواصفات التقنية للفيول، بل سيشمل ما تتقاضاه سوناطراك من عمولات”. 

أخيراً، لا تسوق سوناطراك محروقاتها من طريق الوسطاء إلا نادراً وتُوكل محروقاتها لوسطاء معروفين في السوق. وعادة ما تلجأ إلى هؤلاء لدى ولوجها سوقاً لا تعرفها للاستفادة من وضعياتهم داخلها. وهو ما فعلته في بلدان آسيوية كثيرة، قبل أن تبني علاقات مباشرة مع الزبائن.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سارة العريفي – كاتبة وصحافية سودانية
قد لا يحقق التطبيع تحت رعاية الولايات المتحدة الأميركية أي مصلحة للسودان، ولا يساعد في إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب… بمعنى أن ما تقوم به إدارة ترامب ما هي إلا مناورات لمصالح تخصها.

2:57

2:57

2:09

2:09
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني