fbpx

عندما فتح “كي جي بي” الباب وكنت أول الداخلين

أمام مدخل بناية المكتب الصحافي للـ"كي جي بي" نافذة أطل منها وجه موظف في زي رسمي فتح لي الباب، بعدما نظر في سجل أمامه حيث كان اسمي مدوناً للقاء الضابط الإعلامي سيرغيه بيزروك، ولعله لم يكن اسمه الحقيقي
“هويتي السوفياتية” – كامران قره داغي

في خريف 1989 كنت في موسكو مندوباً عن جريدة “الحياة”، عندما أخبرني الصديق الراحل إيغور تيموفييف، الذي كان مراسلاً مساعداً لمدير مكتب الجريدة الصديق الراحل جلال الماشطة، أنه علم بأن جهاز الاستخبارات السوفياتية “كي جي بي”، افتتح مكتباً للإعلام في إطار خطة لتحسين صورته وسمعته، وأن هذه الدائرة مستعدة لاستقبال مراسلين أجانب، وأنه يعرف الشخص المسؤول فيه، ويمكنه أن يرتب لي موعداً لإجراء لقاء صحافي معه إذا شئت، وربما سيكون ذلك سبقاً صحافياً، لأنني قد لا أكون أول ممثل لوسيلة إعلام أجنبية، لكن حتماً أول وسيلة إعلام عربية، تدخل إلى هذه المؤسسة لإجراء مثل هذا اللقاء فأجبته: فوراً يا إيغور!

في اليوم التالي، توجهت في الموعد المحدد إلى المكان المحدد في بناية تبعد خطوات من البناية الرئيسية، التي كانت تلقي الرعب في نفوس الموسكوفيين في شارع لوبيانكا، وتشرف على ميدان دزيرجينسكي نسبة إلى فيليكس دزيرجينسكي (تمثاله يتوسط الميدان) الملقب بـ”فيليكس الحديدي”، مؤسس الجهاز بعد الثورة البلشفية في 1917. وكان يسمى في بدايته “لجنة الدولة للأوضاع الاستثنائية”، ومهمته “مكافحة أعداء الثورة”. الجهاز تغير اسمه أكثر من مرة، إلى أن أصبح عام 1954 “لجنة أمن الدولة” واشتهر بالحروف الأولى للتسمية الروسية (كي جي بي). 

أمام مدخل بناية المكتب الصحافي للـ”كي جي بي” نافذة أطل منها وجه موظف في زي رسمي فتح لي الباب، بعدما نظر في سجل أمامه حيث كان اسمي مدوناً للقاء الضابط الإعلامي سيرغيه بيزروك، ولعله لم يكن اسمه الحقيقي. استقبلني مرحباً في مكتب متواضع وجلسنا متقابلين وراء طاولة صغيرة وبعد عبارات التعارف قال إنه مستعد للاجابة عن أسئلتي. لكن قبل أن أواصل السرد عن الحديث معه، إليكم هذه الخلفية: 

مبني كي جي بي في السبعينات

“الحياة” في موسكو

في شباط/ فبراير 1988 بدأ عملي في “الحياة” التي كان الزميل الصديق جميل مروة يستعد لإعادة إصدار الصحيفة، التي أسسها والده الراحل كامل مروة في 1944، من لندن بعدما كانت توقفت في 1976 عن الصدور في بيروت بسبب الحرب الأهلية آنذاك. جميل سمع بي من طريق الصديق بدر الحاج الذي أبلغه بخبرتي في الشؤوون السوفياتية وأطلعه على نشرة نصف شهرية باسم “المصدر”، كنت أصدرها في لندن وكانت مكرّسة لتغطية التطورات في ظل غلاسنوست وبيريسترويكا، مركزاً على المستجدات لجهة سياسة موسكو تجاه الشرق الأوسط وانعكاسها في كتابات وطروحات خبرائها في هذا المجال. ولما كان جميل يعمل على جمع فريق تأسيسي أراد التعرف إلي، وفي أول لقاء بيننا عرض علي العمل محرراً بصفة “مراسل ديبلوماسي” تحديداً لمتابعة الشؤون السوفياتية. وهكذا كان.

 السؤال المقلق هو هل الجهاز، أو الأجهزة التي ورثته، تغير فعلاً لجهة أهدافه الاستراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بنشاطاته التجسسية وأساليب التخلص من المعارضين

العدد الأول من “الحياة” صدر في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر، لكن جميل أوفدني إلى موسكو قبل ذلك لتغطية القمة السوفياتية– الأميركية، بين غورباتشوف ورونالد ريغان في 28 أيار/ مايو 1988، وطلب مني أن أبعث بتقارير كأن الجريدة تصدر فعلاً وذلك بمثابة “تمرين”. في تلك الزيارة إلى موسكو، تعرفت إلى الموظف المسؤول في الدائرة الإعلامية التابعة لوزارة الخارجية السوفياتي عن تنظيم زيارات ولقاءات لمراسلي الصحافة العربية، وكانت الزميلة راغدة درغام بينهم مندوبة عن مجلة “الحوادث” اللبنانية التي كانت تصر في لندن. راغدة كانت مراسلة المجلة في نيويورك وأتت إلى موسكو لتغطية القمة. لاحقاً، انضمت راغدة إلى “الحياة”، وأصبحت مديرة مكتبها هناك لنحو عقدين. في إطار الزيارة أيضاً أجريت اتصالات مع عدد من الخبراء والمحللين والصحافيين السوفيات البارزين في شؤون الشرق الأوسط وفي الشؤون الداخلية أيضاً، وأبلغتهم بالتحضير لإعادة صدور “الحياة” طالباً منهم أن يكتبوا مقالات رأي لـ”الحياة”، وهذا ما حدث بالفعل في ظاهرة نادرة حتى ذلك الوقت لكتاب سوفيات ينشرون في صحيفة أجنبية مباشرةً من دون المرور على رقابة سوفياتية. كنت أعرف كثيرين منهم، مذ عملت في العراق بين 1969 و1973 مترجماً في مكتب وكالة “تاس” للأنباء والمركز الثقافي السوفياتي هناك، فيما عرفني بآخرين جلال الذي كان درس في موسكو ثم عاد إليها من بغداد ليعمل في “تاس” ودار “بروغريس” للنشر، وترجم خلال عمله هناك عدداً من الاعمال الادبية لكتاب سوفيات. وكنت فاوضته ليعمل مراسلاً لـ”الحياة” في العاصمة السوفياتية، ولاحقاً أصبح مديراً لمكتب الجريدة فيها حتى 2003، عندما قرر العودة إلى العراق والانخراط في الحياة السياسية والصحافية فيه. 

منذ بداية تأسيس مكتب موسكو، انضم تيموفييف إلى جلال. تيموفييف كان تخرج في جامعة موسكو متخصصاً في اللغة العربية، وعمل لفترة مراسلاً لمجلة أو صحيفة سوفياتية في بيروت، فكان مطلعاً بعمق على شؤون الشرق الأوسط وضليعاً في العربية. خلال زيارتي تلك إلى موسكو، عرفني جلال وإيغور إلى مسؤول العلاقات مع مراسلي الصحافة العربية في دائرة المعلومات أو الإعلام التابع لوزارة الخارجية. وكان مديره العام الناطق باسم الوزارة آنذاك غينادي غيراسيموف، الذي كان يتحدث الإنكليزية بطلاقة، ويعقد مؤتمرات صحافية بانتظام للمراسلين الأجانب والسوفيات المعتمدين رسمياً لدى دائرته. غيراسيموف كان يتمتع بسرعة البداهة وروح النكتة والبراعة في الرد على أسئلة الصحافيين صراحة ومباشرة أو التفافاً، إذا استدعى الأمر. لكن المراسلين أحبوه واحترموه، ولم يكن يرفض أي طلب من مراسلي محطات التلفزيون للتحدث إليهم مباشرة بعد انتهاء المؤتمر الصحافي. وفي زيارتي الأولى إلى موسكو بعد صدور “الحياة”، اعتمدت مراسلاً لها، على رغم معرفتهم بأنني لم أكن مراسلاً دائما وأصدرت دائرة الإعلام هوية “مراسل” لي لحضور المؤتمرات الصحافية وغيرها من النشاطات، إضافة إلى أن صفتي تلك عنت أن السفارة السوفياتية في لندن منحتني سمة متعددة للسفر (مرفق في المقال نسخة مصورة من هويتي صادرة في 21/12/1988 أي أقل بثلاثة أشهر بعد صدور العدد الأول من “الحياة”). في الأثناء، كان جلال طلباً إلى الدائرة الإعلامية لاعتماد ايغور رسمياً مراسلاً ثانياً في مكتب “الحياة”. أبلغت بأن غيراسيموف يود لقائي مع أيغور فذهبنا معاً إلى مكتبه، وبعد حديث قصير وأسئلة طرحها عن “الحياة”، وتأكيده أنه مطلع على تغطيتها المتميزة الواسعة للتطورات في الاتحاد السوفياتي، فتح غيراسيموف ملفاً أمامه وأخرج بطاقة تفيد باعتماد ايغور رسمياً مراسلاً إلى جانب جلال، وقدمها له مهنئاً. وقال إن هذه هي المرة الأولى التي توافق فيها الوزارة على اعتماد مواطن سوفياتي رسمياً مراسلاً لصحيفة أجنبية. لاحقاً عين غيراسيوف سفيراً في البرتغال وتوفي متقاعداً في موسكو عام 2010.

أمر تنفيذ حملة “الإرهاب الأحمر” رداً على “الإرهاب الأبيض” بتوقيع لينين

“كي جي بي” من لينين إلى غورباتشوف

بداية زعم محدثي أن “تقاليد غلاسنوست (الشفافية) في أجهزة الأمن السوفياتية لها جذور عميقة”. كيف؟ لأن الأب المؤسس دزيرجينسكي أنشأ في 1918 مركزاً صحافياً تابعاً للجهاز وأصدر صحيفة علنية ناطقة باسم الجهاز، “لجنة الدولة للأوضاع الاستثنائية”، إضافة إلى أن صحيفة “إزفيستيا” الناطقة باسم الحكومة التي كانت تنشر باستمرار أخبار الجهاز ونشاطاته. إلى ذلك استشهد بيزروك بـ”الأمر الإداري الرقم 101 عام 1920″، الذي وقعه إيفان كسينوفونت أحد مساعدي “فيليكس الحديدي”، وأكد فيه ضرورة أن تكون “الأولوية للقيم الإنسانية” في عمل الجهاز! وتابع بيزروك أن الجهاز في الوقت الحاضر يعتبر الانفتاح ضرورياً، مشيراً إلى أهمية أن “نلتقي أبرز ممثلي الرأي العام في الداخل لكي يتكون لدى الرأي العام تصوراً موضوعياً عن مؤسستنا”، و”إظهار الوجه الإنساني” للجهاز. في هذا الإطار، أشار ضابط الإعلام إلى تصريح لرئيس الـ”كي جي بي” وقتذاك فلاديمير كروتشكوف اعتبر فيه أن أجهزة الأمن هي “انعكاس للمجتمع”. وهنا علت ابتسامة وجه الضابط وهو يستشهد بتصريح للعالم النووي الناشط المشهور في مجال حقوق الإنسان، الأكاديمي أندريه ساخروف الذي لاحظ أن الجهاز “ظل مؤسسة نخبوية لم يخترقها الفساد”، لكنه أي بيزروك أضاف أنهم في الجهاز يتفقون مع ساخروف في ما يتعلق بالفساد، “لكننا نرفض مسألة النخبوية”.

افتتاح المكتب الصحافي لـ”كي جي بي” تم تحت رئاسة فلاديمير كروتشكوف (1988– 1991) الذي كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي وعينه غورباتشوف في المنصب، كي يعمل على حمايته وتماسكه ورفع معنويات كوادره. وفي مسعى إلى تأكيد مبدأ غلاسنوست طلب غورباتشوف من كروتشكوف أن يمثل أمام مجلس السوفيات الأعلى (البرلمان) لاستجوابه والمصادقة على تعيينه، وهذا ما حدث. وفي الوقت ذاته، تشكلت لجنة برلمانية للشؤون الدفاعية والأمنية. حتى ذلك الوقت كانت أجهزة الأمن مسؤولة فقط أمام قيادة الحزب الحاكم، لكن في ظل “غلاسنوست” و”بيريسترويكا”، تعينت مراجعة عمل المؤسسات السوفياتية بما فيها الأمنية والاستخباراتية، كي يكون للبرلمان والحكومة دور في تدقيق عملها، وفقاً لممثل المكتب الصحافي الذي أكّد أن آلية جديدة تؤسس لمراقبة نشاطات هذه المؤسسات، ضماناً لالتزامها القوانين بحسب بيزروك الذي أضاف “كي لا يتكرر ما حدث في 1937”. 

ماذا حدث في 1937 العام الذي وصف بيزروك أحداثه بـ”الأخطاء”؟ ما حدث كان لطخة عار في تاريخ الاتحاد السوفياتي. هو العام الذي بلغت فيه عمليات “التطهير ألأكبر” ذروتها ضد “أعداء الشعب” في تكرار لحملة “الإرهاب الأحمر” التي نفذت بعد الانقلاب البلشفي في 1917 واستمرت عملياً طوال سنوات الحرب الأهلية حتى 1923. وكان الديكتاتور السوفياتي جوزيف ستالين أعلن الحرب على “أعداء الشعب” في 1936، واستمرت حتى 1938. تخلص خلالها من جميع خصومه في الحزب والأجهزة المدنية والقوات العسكرية والامنية وكل من كان يُشك في ولائه لـ”الزعيم” وراح ضحية تلك الحملات عشرات الملايين اغتيالاً وإعداماً أو في السجون ومعسكرات الاعتقال. وكان بينهم الكاتب السوفياتي المنشق ألكساندر سولجينيتسين الذي أمضى سنوات في الاعتقال، ولاحقاً روى الحياة هناك في قصته الطويلة “يوم في حياة إيفان دينيسوف” (1962) ثم في روايته الشهيرة “أرخيبيل غولاغ” (1973 في الغرب). عملياً، عمليات القمع ضد “أعداء الشعب” استمرت حتى موت الديكتاتور في 1953. يشار إلى أن “الإرهاب الأحمر” بدأ أصلاً بعد الانقلاب البلشفي تحت شعار “مكافحة الأعداء الطبقيين”، بمبادرة من “فيليكس الحديدي” نفسه، وصادق عليه فلاديمير لينين ووصفه بأنه رد على “الإرهاب الأبيض” في إشارة إلى حركة المقاومة ضد البلاشفة التي عرفت باسم “الحركة البيضاء”. (مرفق نسخة مصورة للأمر الموقع من لينين لتنفيذ الحملة مشيراً إلى أنها رد على “الإرهاب الابيض”).

الغولاغ

الإدارة الخامسة

في سياق الحديث، أشار الضابط الاعلامي إلى واحدة من الإدارات سيئة الصيت في الـ”كي جي بي” هي الإدارة الخامسة، قائلاً إن مهمتها تغيرت في ظل التطورات السياسية الجديدة التي يقودها غورباتشوف. هذه الإدارة أنشأها الرئيس السوفياتي السابق يوري أندروبوف عندما كان رئيساً للـ”كي جي بي” (1967- 1982). في حزيران/ يونيو 1967 كتب اندروبوف مذكرة إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، مقترحاً تأسيس الإدارة الرئيسية الخامسة في الجهاز، مع منحها سلطات مستقلة، وتكون مهمتها “مكافحة التخريب الأيديولوجي”. وبعد نحو شهر، صادق المكتب السياسي للحزب على تأسيسها. الهدف أندروبوف الحقيقي تمثل في خلق آليات وأدوات للسيطرة على مرافق الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد، وعلى المؤسسات الثقافية السوفياتية في الخارج، كوسيلة لنشر الأيديولوجية الشيوعية ومناطق نفوذ خارج الاتحاد السوفياتي عبر هذه القنوات. (الدائرة الخامسة تحولت في 1991 إلى “الوكالة المركزية للاستخبارات” وعين رئيساً لها يفغيني بريماكوف، وفي العام نفسه تغيرت التسمية إلى “الوكالة الفيدرالية للاستخبارات الخاجية” وظل بريماكوف رئيساً لها حتى 1996). فبين 15 شعبة تابعة للدائرة الخامسة، كان عدد من أبرزها مكرساً للعمل الايديولوجي في الداخل والخارج، إذ نصت مهمة الشعبة الأولى على “العمل عبر قنوات التبادل الثقافي والاتحادات الإبداعية ومعاهد الأبحاث العلمية والمؤسسات الطبية والثقافية والأجانب”. فيما نصت مهمة الشعبة الثانية على “العمل مع الإدارة الرئيسية الأولى (المسؤولة عن التجسس الخارجي) ضد مراكز التخريب الايديولوجي للدول الامبريالية، باستثناء التصدي للعناصر القومية المتطرفة والشوفينية، وكذلك ضد اتحاد العمل الشعبي للمتضامنين الروس (منظمة أسسها عام 1930 مهاجرون روس في الغرب، وكانت تصدر مجلتين وصحيفة وعام 1996 تم تسجيلها رسمياً في روسيا). أما الشعبة الثالثة، فنصت على “العمل على خط تبادل الطلبة والمدرسين”.

وعلى صعيد الداخل، تحددت مهمة الشعبة الرابعة في الرقابة على الكنيسة الروسية، فيما كانت مهمة الشعبة الخامسة تتمثل في “مطاردة الناشرين المجهولين للوثائق والمنشورات المعادية للاتحاد السوفياتي، ورصد أي مؤشرات للأعمال الارهابية ودعم أجهزة الأمن المحلية لإحباط النشاطات والظواهر غير الاجتماعية”. أما الشعبة الثامنة، فكانت مهمتها “تشخيص النشاطات الايديولوجية التخريبية للمراكز الصهيونية وإحباطها”. الشعبتان التاسعة والعاشرة تناولتا التصدي للنشاطات المعادية للسوفيات ومكافحتها، و”القيام بفعاليات بالتعاون مع الإدارة الأولى ضد مراكز التخريب الأيديولوجي للدول الامبريالية والمنظمات الأجنبة المعادية للسوفيات (باستناء المنظمات المعادية للقوميين الأوكرانيين والبلطيقيين)”. ولم يسلم من الملاحقة حتى الذين كان يشتبه بأنهم قد يصبحون مشكلة. (لنتذكر عبارة مشهورة لستالين هي: “وجود شخص مشكلة. لا شخص لا مشكلة”!). فالشعبة 13 واجبها “تشخيص الطريق وقطعها على أي ظواهر لمن تلاحظ لديه نزعات قد تؤدي إلى ظهور جماعات سياسية ضارة، تساعد على القيام بنشاطات هدفها التخريب الايديولوجي ضد الاتحاد السوفياتي”.

ما سلف عن الإدارة الخامسة كان محور أحد أسئلتي لضابط الإعلام في “كي جي بي” فكان جوابه الآتي: “في السابق كانت مهمة هذه الإدارة مكافحة التخريب الايديولوجي، لكنها ألغيت أخيراً. كان بيزروك يشير بذلك إلى قرار مجلس الوزراء في آب/ أغسطس من ذلك العام، استحداث إدارة جديدة بدلاً من الخامسة تحت مسمى “الإدارة الخامسة لحماية النظام الدستوري السوفياتي”. وحصل ذلك عندما كان كروتشكوف رئيساً لـ”كي جي بي” علماً أنه كان قبل ذلك مسؤولاً عن الإدارة الرئيسية الأولى. يشار إلى أن كروتشكوف كان أقرب المساعدين لأندروبوف منذ تعيين الأخير في 1967 رئيساً للجهاز، حتى أصبح نائبه الأول ورئيساً للإدارة الرئيسية الأولى، قبل أن يتسلم رئاسة الجهاز في 1988. في آب 1991، انضم كريوتشكوف إلى زعماء الانقلاب الفاشل ضد غورباتشوف وأصبح عضواً في “لجنة الدولة للأوضاع الاستثنائية” للانقلابيين. وإثر فشل المحاولة الانقلابية وعودة غورباتشوف إلى الكرملين، أصدر أمراً بإقصاء كريوتشكوف من منصبه وقام فريق من طلبة مدرسة الشرطة في موسكو باعتقاله، بأمر من نائب وزير الداخلية.

هل يسعى بوتين الى احياء “كي جي بي”؟

“كي جي بي” منذ عهد غورباتشوف تحول الى أكثر من جهاز أبرزها ” وكالة الامن الفيدرالية” (رأسها بوتين بين 1998 و1999 قبل ان يعين سكرتيراً لمجلس الأمن الروسي ليبدأ صعوده الصاروخي الى قمة السلطة) و”وكالة الاستخبارات الخارجية”، وأصبحت “الوكالة المركزية للاستخبارات الخارجية” (رأسها من 1991 الى 1999 يفغيني بريماكوف). وكانت صحف روسية نشرت في 2016 معلومات مفادها أن بوتين، الذي لم يتخلّ عن حبّه للجهاز الذي كان يحلم بالانضمام اليه منذ مراهقته وحقق حلمه بالانضمام اليه لاحقا، يخطط لدمج الوكالتين في جهاز واحد على نمط “كي جي بي” في كل شيء باستثناء الاسم ليعيده الى سابق “مجده”.

ما سلف قصة دخولي إلى بناية تابعة لجهاز أمن الدولة السوفياتية “كي جي بي” وخروجي منها بلقاء صحافي مباشرة بعد افتتاح مكتبه الإعلامي في مسعى من الجهاز إلى تلميع صورته وتسويقه كمؤسسة متغيرة تعتمد “غلاسنوست” (الشفافية) في عملها ونشاطاتها في عهد غورباتشوف. لكن السؤال المقلق هو هل الجهاز، أو الأجهزة التي ورثته، تغير فعلاً لجهة أهدافه الاستراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بنشاطاته التجسسية وأساليب التخلص من المعارضين، أم أنه غيّر أساليبه في العمل في ظل أوضاع ما بعد الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفياتي؟ يفرض هذاالسؤال نفسه إذا أخذنا في الاعتبار عشرات السياسيين المعارضين لنظام بوتين الذين اغتيلوا في ظروف غامضة وظل قتلتهم مجهولين، إضافة إلى اغتيالات استهدفت خصوماً سياسيين خارج روسيا أو تم تسميمهم ومنهم من كان لجأ إلى بريطانيا خشية الاعتقال والسجن في روسيا.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
هذه الوثائق، إضافة إلى أنها تكشف الأدوار الرهيبة لمصارف عالمية في تمويل الإرهاب والمخدرات والفساد والأنظمة الاستبدادية، تساعدنا أيضاً على فهم وظيفة المصرف في النظام المالي العالمي والمحلي أيضاً، وفهم مصادر الجشع الذي اختبرناه في لبنان…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني