fbpx

الانسحاب السوري من لبنان والنظام الذي لن يُحاسَب!

في الذكرى الـ15 لانسحاب الجيش السوري من لبنان، تشهد أبنية مدرسة الآباء البيض في بلدة رياق البقاعية على جزء صغير مما فعله النظام السوري في البلاد.

الصورة هنا تبدو واضحة، والمأساة لم تنتهِ. الشجر المزروع هناك، لا يكفي لبثّ السلام في المكان. يشعر الواحد في الأرجاء بأنّ صراخ المعذّبين والمعتقلين ظلماً يخرج من الجدران والنوافذ المحطّمة. منظر الأبنية المعرّاة من أبوابها ونوافذها، يُشعرك بأنّ أحدهم نفّذ انتقاماً كاملاً في هذه الرقعة من الكرة الأرضية، ولم يكن مجرّد “وصاية” أو مصادرة لمدرسة عريقة. لقد انتقم الجيش السوري من الحيطان حتّى! 

قبالة بيتنا منزل كان صادره الاحتلال السوري وعاش فيه الجنود لسنوات طويلة، تماماً كبيوت كثيرة تحوّلت إلى ثكنات أو بيوت لإقامة الجنود، هكذا من دون اعتبار لمالكي هذه الأمكنة أو كرامتهم أو مصيرهم. 

لقد تحوّل ذاك البيت إلى مجزرة، لا يمكن وصفها. ربّما أصحابه ما زالوا مسكونين بالرعب حتى الآن وربّما قرّروا إبقاءه كما هو، كشاهد على “مناقبية” النظام السوري. لا أبواب، لا نوافذ، الجدران مرقّطة بالأوساخ، كما لو أنّ حرباً كاملة حصلت في هذا المكان. أتذكّر أنني كنت أمرّ من هناك قبل الانسحاب، بقدمين صغيرتين مرتعبتين وقلب يخفق بقوّة، وحين كنتُ أخاف كثيراً في العتمة، كان السبب خشيتي من أن ينقضّ علي واحد من أولئك الجنود ويخطفني. 

هناك من عمل على تدريبنا على النسيان، وكأنّ السؤال عن المعتقلين في سجون الأسد أصبح “كليشيه” مملاً وعلينا أن نسير إلى الأمام، وغضّ النظر عن كل الذين ما زالوا ينتظرون عودة أحبائهم وإن جثثاً.

أتذكّر أن بيتنا المحاط ببقايا ثلاثة مراكز للسوريين كان يمنع فيه الحديث في السياسة. حتّى أننا كنّا نشجّع فريق “الحكمة” الرياضيّ بصوتٍ منخفض، لأنه كان محسوباً على “حزب القوات اللبنانية” والمسيحيين، ومن معهم في الخط المنادي بخروج الجيش السوري من لبنان آنذاك.

إنها جولة صباحية متعبة بين حطام الجيش السوري في قريتنا، انتهت في السكك الحديد حيث سُرق كل شيء، وكُتب على بقايا القطارات “سوريا الأسد”. 

أفكّر في فكرة المسامحة، وأشعر بأنها مستحيلة. هذه البيوت والمدارس والمراكز التي صادرها نظام آل الأسد، من يعوّض خسائرها، من يسأل أهلها عن وضعهم وظروفهم؟ 

يطالب الأرمن تركيا بالاعتراف بتنفيذها إبادة بحقهم وبحق السريان والكلدان والآشوريين منذ 105 سنوات، هذه شجاعة علينا أن نتعلّم منها. على أحد أن يطالب النظام السوري بالاعتراف على الأقل بأنه سرقنا واعتقل أهلنا وصادر بيوتنا ودمّرها واستولى على مؤسساتنا وحطّمها أيضاً. على أحد أن يسأل مثلاً، ماذا عن 600 معتقل لبناني في أقبية السجون السورية؟ ألم يكن الرئيس ميشال عون من حارب جيش الأسد و”انتصر”؟ ألم يكن من قال بترطيب الأجواء مع النظام بعد خروجه من لبنان؟ لماذا لم يسأل أصدقاءه وحلفاءه عن المعتقلين مثلاً؟ ونظامنا الأخرق، هل يعرف جارتنا أم بشارة، التي اعتقل جنود الأسد ابنها بشارة منذ عشرات السنين، وما زالت تنتظر أن تراه قبل أن تغادر العالم؟

هناك من عمل على تدريبنا على النسيان، وكأنّ السؤال عن المعتقلين في سجون الأسد أصبح “كليشيه” مملاً وعلينا أن نسير إلى الأمام، وغضّ النظر عن كل الذين ما زالوا ينتظرون عودة أحبائهم وإن جثثاً.

عام 2018 أقر البرلمان اللبناني قانون “المفقودين والمخفيين قسرا”، الذي من شأنه أن يساهم في الكشف عن مصير آلاف اللبنانيين الذين اختفوا خلال الحرب الأهلية. وبعدها لم يحدث شيء. لم يعد أحد. لم تُكشف قصّة واحدة ولم يُتّهم رجل واحد بجريمة واحدة.

ثمّ يأتي في خلاصة كل شيء من يقول بفخر “سيادة الرئيس بشار الأسد انتصر على داعش والنصرة”، وهذه عقلية سيغضبها كثيراً ألا تلفظ اسم سفّاح سوريا بهذه الطريقة. وإن سلّمنا جدلاً بفكرة أن النظام قد هزم المتطرّفين من أجلنا ومن أجل “ألا تُغتصب نساؤنا وتُسبى بناتن”ا، أين كانت تلك البسالة حين كنا نرزح تحت احتلال مرعب، صادر قرارنا واعتقل شبّاننا وسرق مقتنياتنا؟ أين كانت تلك البسالة حين كان الشبان والشابات يتظاهرون أمام الجامعات للمطالبة بالخروج السوري من لبنان وكانوا يُساقون بقسوة إلى التحقيق وثكنات الظلمات؟ والمؤسف جداً أن بين هؤلاء الشبان والشابات الكثير من مناصري “التيار الوطني الحر”، الذي أنهى بشكل انتهازي خصومته مع النظام السوري من دون أي اعتبار لمصلحة البلاد وحقّ هؤلاء الذين ماتوا واعتقلوا وأُهينوا بسببه. ولأجل اكتمال مشهد التناقض، ما زال التيار نفسه يحتفل بذكرى 13 تشرين الأول/ أكتوبر على قاعدة أنه “نصر” على الجيش السوري.

ويأتي أيضاً من يريد الدفاع عن نظام الأسد من حافظ إلى بشار، بحجّة أنه قائد محور الممانعة الذي يريد محو إسرائيل واستعادة القدس في المكان والزمان المناسبين. وعلى رغم أن هذا النظام باع الجولان كما يبيع جارنا ربطات المعكرونة والفجل، ولم يترك لهؤلاء حجّة للدفاع عنه، ولكنّهم يدافعون!

ويأتي أيضاً “العهد القوي”، لا سيما صهره النجيب جبران باسيل، ليخبرنا أنه يريد إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم عبر التواصل مع النظام السوري. وكأننا لا نعرف “البير وغطاه”، ولا نعرف أن هذا النظام أنكر شعبه وهو طبعاً لا يريدهم أن يعودوا ويعرقلوا خططه مع الروس والإيرانيين. لكن لسبب ما يريد جبران ببراءة تامة فتح قنوات تواصل مع سوريا الأسد. إنها البراءة ذاتها التي نُهبت بها أموالنا واستبيحت غاباتنا وأرزاقنا وبدل ذلك أهدونا بواخر وسدوداً وهواء!

ووسط ذلك كلّه، يحضر الخطاب العنصري من أكثر من حزب وجهة، ليصبّ جام غضبه على السوريين الفقراء واللاجئين. إنه خطاب غير قادر على مواجهة النظام السوري ورجال أعماله الأثرياء الذين يسرحون ويمرحون بحريّة، دفاعاً عن مصالح مشتركة طبعاً، إلا أنه يبث الكراهية ويمنع تجوّل اللاجئين السوريين ضحايا نظام الأسد، في بعض القرى والمناطق. وكلّنا نعرف أنّ جراح الشعب اللبنانيّ الكثيرة من النظام السوري تجعله يخلط بين الشعب والنظام، وهو خلط تمّت الاستفادة منه لزرع الكره تجاه اللاجئ الذي لا يملك شيئاً ويسهل الاعتداء عليه وإهانته، مقابل تبرئة النظام الذي أخذ كل شيء، وهو غير آبه لنا جميعاً. والمقصود بـ”جميعاً”، نحن وشعبه، والسلام. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني