fbpx

كورونا بدون فيزا : الرعب يُباغت آمال اليمنيين

وزعت الحربُ، المستمرة على مدى خمس سنوات، مسؤولية صحة اليمنيين على أطرافٍ متصارعةٍ لم تتخذ ما يكفي من الإجراءات المسؤولة، واكتفت بفرض السيطرة على مجتمعاتها المحلية.

ظلوا يتابعون الانتشارَ المرعبَ للفيروس في العالم من خلال وسائل الإعلام طيلة خمسة أشهر، ويستمعون بقلقٍ إلى تطمينات سُلُطاتهم بخلوّ اليمن من الفيروس. يوم الجمعة 10 أبريل/نسيان الجاري، وقبل أن يتجمع مئاتُ الآلاف من المُصلّين إلى مساجد اليمن، فُجِعَ الناسُ بخبر الإعلان عن أول حالةٍ مصابةٍ في حضرموت.

مَنح فيروسُ كورونا السلطات اليمنية فرصةً تجاوزت أربعة أشهر، لاتخاذ إجراءاتٍ احترازيةٍ وقائيةٍ مشددةٍ، لتفادي كارثةِ دخول الوباء إلى البلاد التي دَمرتْ سنواتُ الحرب نظامَها الصحي، قبل أن يصل إليها. 

صباح الجمعة 10 أبريل/نيسان، أيْ بعد يومٍ من إعلان “التحالف العربي”، الذي تقوده السعودية والإمارات، وقف إطلاق النار، في إطار مكافحة فيروس كورونا، ودعم جهود السلام التي تبذلها الأمم المتحدة، أعلنت “اللجنةُ الوطنية العليا لمواجهة كورونا” اكتشافَ أولِ حالة إصابةٍ بالفيروس في منطقة الشحر بمحافظة حضرموت، شرقي اليمن. 

  تباهتْ حكومةُ الرئيس هادي، المعترف بها دولياً، بشفافيّتها في “إعلان الحالة”، وفقاً لتصريحات الناطق الرسمي باسم اللجنة الوطنية العليا للطوارئ لمواجهة كورونا، الدكتور علي الوليدي؛ إلا أنها لم تسرد تفاصيل طريقة دخول الفيروس إلى البلاد، في ظل تطبيق الإجراءات الوقائية المشددة التي أعلنها محافظ حضرموت على صفحته في “تويتر”، إضافة إلى الإجراءات التي أعلنتْها حكومته. 

في 31 مارس/آذار الماضي، انفرد البُحْسني، دون بقية المحافظين، وخلافاً للإجراءات التي أقرّتها الحكومة، بإعلان حالة الطوارئ في محافظته، خلال الأول والثاني من أبريل/ نيسان الجاري، منذراً بأن الأيام المقبلة “ستكون خطيرةً جداً”. أثارت “التغريدة” الذعرَ لدى المتابعين؛ كون المحافظ لم يحدد مصدرَ الخطر، فاستدرك بتوضيحٍ أن التحقُّق من خلوّ حضرموت من الإصابة (بفيروس كورونا) يتطلب بضعةَ أسابيعَ “لتعود الحياة لطبيعتها تدريجياً”. 

وفي اليوم نفسه، أطلق “تغريدة” جديدةً بأنه أعطى توجيهاتٍ بمنع دخول أي مسافرٍ من المنافذ الجوية أو البرية أو البحرية، مهما كانت الظروف. تُستثنى من ذلك الشاحناتُ الكبيرة عبر المنافذ البرية، وفُرض على سائقيها تفريغ الشحنة والعودة إلى الدول التي قدموا منها. لكن المنافذ في حضرموت، ومنها ميناء الشحر البحري، استمرتْ في استقبال المسافرين القادمين حتى يوم إعلان إصابة أول حالة، وفقاً لأحد المسافرين، فضّل عدم ذكر اسمه. 

“كورونا” دون “فيزا”

وثّقت اللجنةُ الوطنية العليا للطوارئ لمواجهة كورونا، التي شكّلتْها الحكومةُ المعترف بها دولياً، في 18 مارس/آذار الماضي، اكتشافَ أول حالة، وشكلتْ جسارةُ الإعلان عنها تفوقاً ونجاحاً في إجراءاتهم الاحترازية. لكنه، قبل ذلك، تقصيرٌ؛ وهذا ما لم تتنبّه له اللجنة والمحافظ والحكومة ذاتها.

أعلنت وزارة الصحة في حكومة عدن، مساء الأربعاء 15 أبريل/نيسان، نتائج فحوصات الأشخاص المخالِطين للحالة المصابة في حضرموت، بأنها “سلبية”. مع ذلك، ما يزال الغموضُ يلفّ تفاصيل أول حالة كورونا في اليمن، وكيف عرف الفيروسُ طريقه إلى داخل اليمن دون “فيزا”؛ ذلك أن الإجابة على هذا السؤال من شأنها أن تطرح جملةَ تساؤلاتٍ تختبر جدّيّة الحكومة في تنفيذ الإجراءات الاحترازية التي أعلنت عنها. تساؤلات من قبيل: كيف تسلل الفيروس من بين أيدي “11 فريقاً طبياً مجهزا” أعلنت الحكومة عن تجهيزها في المنافذ؟! ولماذا أخلّت إدارة ميناء الشحر بتنفيذ قرارات الحكومة في اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة لتفادي دخول كورونا، بدءاً بإجراء تحصين العاملين من الإصابة بالفيروس من خلال منْحهم كل وسائل الحماية، مثل “القفازات والكمامات وكل أدوات التنظيف والتعقيم”، وإلزامهم باستعمالها، وإعطائهم تعليماتٍ عن طريقة تعاملهم مع القادمين، وحدود مخالطتهم؟! وما الخطوة التي على الموظف اتخاذُها لو شكَّ بمخالطته حالةً يبدو عليها أعراض الوباء، أو شعر بها على نفسه؟!

أعلنت حكومتا صنعاء وعدن، كُلّاً على حِدَة، إجراءاتٍ وقائيةً في حدود سيطرتها؛ إلا أن تفاصيل تطبيق هذه الإجراءات تجعل منها حملةً تسويقيةً أكثر منها “احترازية”. كما أنها ضاعفتْ رُعبَ المجتمع من الانفجار المفاجئ، بدلاً عن تطمينه.

  إلى ذلك، أغفلت اللجنةُ التصريحَ بمعلوماتٍ أساسيةٍ حول عمل المُصاب في الميناء، أو أنه لا يعمل في الميناء. يمكن، من خلال معلوماتٍ كهذه، الاطمئنانُ هذه المرة، على مدى انتشار الفيروس من عدمه، لمعرفة كيف التقطه؛ هل التقطه في الميناء أم خارجه؟ فالمكان هنا يحدد؛ حيث التقاط الفيروس في الميناء يكشف عن قصورٍ في تطبيق إجراءات الحماية الشخصية للعاملين فيه مع من يخالطونهم، والتقاطُه خارج الميناء يكشف قصورا في تطبيق الإجراءات الاحترازية لتفادي دخول الوباء إلى البلاد. في الأولى، تقع المسؤولية على إدارة الميناء، وفي الثانية، على المحافظة والحكومة، التي شددت في اجتماعها الطارئ، في 14 مارس/آذار الماضي، على “ضرورة تعزيز إجراءات الرقابة في الموانئ البحرية، واتخاذ كل ما من شأنه خضوع العاملين في سفن النقل للإجراءات والفحوصات اللازمة”.

إجراءاتٌ جديدةٌ لمواجهة الانتشار

في مؤتمرٍ صحفيٍّ عقده في حضرموت، بعد يوم من إعلانه عن اكتشاف الحالة الأولى، قال المتحدث باسم “اللجنة الوطنية العليا للطوارئ لمواجهة كورونا”، الدكتور علي الوليدي، إن “الحكومة اتخذت مجموعةَ تدابيرَ لمنع انتشار الفيروس، منها وضع المصاب تحت الملاحظة وفرض تتبّع وحجر المخالطين للحالة وأسرة المصاب وإلزامهم بالبقاء في منازلهم، وإغلاق ميناء الشحر، وتشديد الترصد الوبائي وتعقيم ورش الميناء”.

إخضاع المشتبه بإصابتهم لاختبار الكشف لا يعني مجردَ التشخيص للفرد؛ بل تقديرَ مدى انتشار الفيروس، وفقا لتصريحات الدكتورة يُسْر نعمان لـ”خيوط”. وترى أن إجراء حجْرٍ للمريض هو “حفاظٌ عليه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه”. 

وأضافت أن نتائج الاختبارات الجينية تساعد السلطات الصحية على اتخاذ إجراءاتٍ احترازيةٍ ملائمةٍ، مثل توفير الإمكانيات اللازمة، والحجر الصحي، والتشديد على التباعد الاجتماعي.

“كورونا” الحرب والانقسام

صُدم العالمُ بقدرة الفيروس الهائلة على الانتشار؛ ففي ظرف ثلاثة أشهرٍ منذ ظهوره في مدينة ووهان الصينية، وصل إلى 193 دولةً أعضاءً في الأمم المتحدة. تجاوز عدد المصابين به حول العالم، حتى 21 أبريل/ نيسان الجاري، أكثر من 2.5 مليون شخص، وتوفي منهم قرابة 175 ألف، وتعافى 600 ألف. فيما ظل اليمن واحداً من 18 بلداً لم تسجل ظهور حالات فيروس كورونا حتى 9 أبريل/ نيسان الجاري، بحسب جامعة جونز هوبكنز الأمريكية.

هذا الإعلان وضَع الإجراءات الاحترازية المعلنة للسلطات على المحكّ، وفي اختبارٍ حقيقيّ.  

وفي مؤتمرٍ صحفيٍّ عقده مؤخراً، شدد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، على ضرورة توحُّد العالم لمواجهة الوباء إذا أرادوا القضاء عليه.

لكن الأطراف المتصارعة في اليمن واصلت الانقسام في مواجهة الوباء، ولم تُجرِ تنسيقاً فيما بينها. هكذا وزعت الحربُ، المستمرة على مدى خمس سنوات، مسؤولية صحة اليمنيين على أطرافٍ متصارعةٍ لم تتخذ ما يكفي من الإجراءات المسؤولة، واكتفت بفرض السيطرة على مجتمعاتها المحلية. 

وبعد اجتياح كورونا للعالم، أعلنت حكومتا صنعاء وعدن، كُلّاً على حِدَة، إجراءاتٍ وقائيةً في حدود سيطرتها؛ إلا أن تفاصيل تطبيق هذه الإجراءات تجعل منها حملةً تسويقيةً أكثر منها “احترازية”. كما أنها ضاعفتْ رُعبَ المجتمع من الانفجار المفاجئ، بدلاً عن تطمينه. 

مع ذلك، يعيش اليمنيون على أعصابهم وهم يراقبون، على وسائل الإعلام، كيف يفتك كورونا بالعالم، حتى باتوا يتابعون الرعب مباشرة. 

مأساةٌ اسمها “حَجْر”

في الـ14 من مارس/آذار المنصرم، اعتمدتْ الحكومةُ التابعة للرئيس المعترف به دولياً، عبد ربه منصور هادي، “اختبارَ قياس الحرارة عن بُعد”، كإجراءٍ وحيدٍ للتأكد من سلامة المسافرين عبر المنافذ البرية والبحرية الواقعة ضمن سيطرتها، والتي ظلت مُشْرَعةً حتى ظهور أول حالة، وتنفيذ إجراء الحجر الصحي لمن تظهر عليهم الأعراض فقط، كأن يعانون من ارتفاع درجة الحرارة، وفقاً لبيان الحكومة.

ومنذ منتصف مارس/آذار، بدأت سلطات جماعة أنصار الله (الحوثيين) إخضاع المسافرين القادمين من المناطق خارج سيطرتهم لإجراءات الحجر الصحي داخل كُلّيات ومدارس في “رداع وإب وتعز وفي صعدة، من التهريب”، وفقاً لتصريحات الناطق باسم وزارة الصحة في حكومة صنعاء، يوسف الحاضري.

استمرارُ تدفّق الوافدين إلى البلاد، دون تشديد الإجراءات الاحترازية وتفعيل إجراء الحجر الصحي في المنافذ، يجعل الخطر مستمراً؛ حيث يستقبل اليمن غالبية الوافدين قادمين من السعودية، التي تزايدت حالات الإصابات فيها بشكلٍ لافتٍ، مؤخراً.

  في 15 مارس/آذار نفسه، خضعت “بُنْيان جمال” لاختبار قياس الحرارة عن بعد، عند وصولها إلى مطار عدن قادمةً من فرنسا، مروراً بمطار القاهرة. لكنها صُدمتْ عندما تأكدت أن هذا “هو الإجراء الوحيد لمسافرٍ قادمٍ من فرنسا؛ واحدةٍ من أكثر بؤر الوباء تفشياً”، بحسب بُنيان.

  حاولتْ بنيان سؤالَ مسؤولين في المطار للتأكد من وجود حجْرٍ صحيٍّ في عدن، فأخبروها أنه غيرُ متوفر. بالمقابل، استحدثتْ سلطاتُ أنصار الله (الحوثيين) محجراً صحياً في كلية التربية برداع، كـ”إجراءٍ شكليٍّ يفتقر للشروط الأساسية أو الرعاية الصحية، مثل افتقاره لدورات مياهٍ كافيةٍ وقابلةٍ للاستخدام”، وفقا لـ”كمال” الذي أنهى فترة الحجر في 25 مارس/آذار الماضي.     

وقالت بنيان إنها فضّلت الحجرَ المنزليَّ في مدينة عدن، على المحجر الذي استحدثتْه سلطاتُ أنصار الله (الحوثيين) في مناطق سيطرتها على طريق عدن-صنعاء، فيظل لامبالاةً من قبل حكومة عدن وتركها للعائدين من الخارج بلا حجرٍ صحيّ. وقد تكبدتْ بنيان تكاليف البقاء والمعيشة الباهظة في عدن مدة 15 يوماً، حتى أقرّتْ سلطاتُ صنعاء السماحَ للمسافرين، الذين مضى على دخولهم البلاد 14 يوماً، بالدخول بدون الخضوع للحجر في الطريق.

يقول كمال لـ”خيوط”: “كان عددٌ من المحتجزين يفترشون الأرض بلا أغطية، ويصطفون في طابورٍ على دورة مياهٍ واحدةٍ جاهزةٍ في المكان خُصّصت لنحو ألفيْ محتجزٍ، لأكثر من نصف شهرٍ، ويرمون لهم بطعامٍ قليلٍ من على سيارة”. وضعوا حراسةً على الحجر لمنع المحجورين من المغادرة قبل إنهاء فتراتهم، باستثناء الخروج إلى الجامع المجاور لاستخدام دورات المياه أو أداء الصلاة، مقابل ترك الجواز كضمانة لدى الحراسة، حسب كمال.  

دخول الحجر ليس حصراً على المسافرين المحجورين، بل متاحٌ أمام الباعة المتجولين الذين تمنحهم الحراسةُ ميزةَ الدخول والخروج بسلاسةٍ، من الصباح حتى المساء. يخالط الباعةُ هؤلاء المحجورين ويغادرونهم لمخالطة عشرات الناس الآخرين، مثل أُسَرهم ومن يتعامل معهم خارج الحجر، وفقاً لعددٍ من الشهادات التي رصدتها “خيوط”.

والتقتْ “خيوط” مسافراً آخرَ خضع للحجر في رداع، طلب عدم كشف هويته. يقول إنه شاهَدَ محتجزاً غادر معه، في 26 مارس/آذار، يصافح محتجزاً آخر انضمّ إلى الحجر في 24 مارس، أي قبل يومين من مغادرته، “أي إجراء احترازي هذا؟!”.

تُرى ما جدوى فرْض الحجْر دون التزام بالشروط، وفي ظل خروقاتٍ أساسيةٍ، مثل مخالطة المشتبه بإصابتهم من خارج الحجر؟! برّر الحاضري: “لا ننكر وجودَ تقصير، والمحاجر لا ترتقي إلى المستوى المطلوب بسبب عدم وجود قدرةٍ لدينا؛ ولكنّا نقوم بالواجب. هذا الوباء لم تستطع الدول الكبرى مواجهته”. ولفت إلى أن “المحجر الصحي في رداع يستقبل قرابة 400 إلى 600 حالة يومياً”. 

وأضاف أن المحاجر التي فتحوها في المحافظات الحدودية استقبلت حتى أبريل “في حدود 8 آلاف (مسافر)، ومازال التدفّقُ يومياً، خصوصاً من منفذ الوديعة”.

استمرارُ تدفّق الوافدين إلى البلاد، دون تشديد الإجراءات الاحترازية وتفعيل إجراء الحجر الصحي في المنافذ، يجعل الخطر مستمراً؛ حيث يستقبل اليمن غالبية الوافدين قادمين من السعودية، التي تزايدت حالات الإصابات فيها بشكلٍ لافتٍ، مؤخراً.

انتظارٌ مرعبٌ للفيروس القادم

تتبعت “خيوط” إعلاناتِ السلطات عن الإجراءات الوقائية التي اتخذتْها لمواجهة كورونا؛ في محاولة للتحقق من سلامة وصرامة تطبيق تلك الإجراءات، من خلال الزيارات الميدانية والمقابلات والتواصل مع شهودٍ أو جهاتٍ معنيةٍ أو مختصين.

خلال زيارة ميدانية إلى 5 مختبرات و5 مستشفيات كبرى عامةٍ وخاصةٍ، ومكانِ حجْرٍ صحيٍّ في صنعاء، رصدتْ “خيوط” افتقارَ هذه المنشآت الصحية الكبرى إلى المحاليل الخاصة بفيروس كورونا، وإهمالها لاتخاذ الإجراءات الوقائية. كما حصلتْ على شهاداتٍ حول عجز المنشآت الصحية في وضعها الحالي، بقطاعيها العام والخاص، عن مواجهة أي كارثةٍ قد تحصل في حال انتشر وباء كورونا. وقد أُخذتْ صنعاء كعيّنةٍ، كونها تحتضن أكبرَ بُنيةٍ صحيةٍ على مستوى البلاد، سواء بالكادر المتبقي داخلها حالياً أو بعدد المنشآت الصحية العامة والخاصة. 

تستقبل صنعاءُ كافةَ الحالات التي تظهر عليها أعراضٌ مشابهةٌ لأعراض كورونا في كل المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله (الحوثيين)، من أجل إجراء تحليلٍ مخبريٍّ للفيروس، بحسب الحاضري.  

اختارت السلطاتُ الصحية في صنعاء ثلاثة مستشفياتٍ، وخصّصتْها كأماكنَ للعزل الصحي. مستشفى الكويت الجامعي، الواقع في أحد الأحياء السكنية وسط صنعاء، أحدُ هذه الأماكن. 

في 25 مارس/ آذار، نزل مُعدُّ التحقيق إلى مستشفى الكويت، للتحقق من مدى استعداد السلطات لتوفير أماكنَ لتنفيذ الحجر الصحي في حال ظهرتْ إصابات، وكذلك مدى التزام المنشأة بوسائل الحماية المتبعة، والاطلاع على الإمكانيات الموجودة.

بقميصٍ قصيرٍ يكشف ذراعيه، وفمٍ فاغرٍ ومبتسمٍ، يستقبل موظفُ الطوارئ بمستشفى الكويت الجامعي بصنعاء المصابين المحتملين بفيروس كورونا. أخْلَت الحكومة، غيرُ المعترَف بها دولياً، هذا المستشفى الرابضَ في قلب المدينة، في 20 مارس/آذار، وأعلنتْه محجراً صحياً كإجراءٍ احترازيٍّ لاستقبال المشتبه بإصابتهم. 

  ظُهْر الاثنين 30 مارس/ أذار، اجتزتُ، مع أحد الزملاء، البوابةَ الرئيسية للمستشفى بسلامٍ، في اللحظة التي كان فيها طقمان مُحمّلان بمسلحين يغادران المستشفى. بدا جميعُ الواقفين في حديقةِ وممراتِ المستشفى مجرّدين من أي وسائلَ وقائيةٍ؛ وكأنهم في نزهة! حتى إن زميلي شكّكَ في حقيقةِ أن المستشفى قد صار محجراً صحياً لوباءٍ فتّاكٍ وقاتل. 

  في الحديقة، بحثْنا عن يافطةٍ تدلُّنا على مكان المحجر، دون جدوى. سألْنا أحدَهم، فأجابنا أن البلاد ما تزال خاليةً من الإصابات، ليستدرك أن المستشفى كله مجهزٌ لاستقبال الحالات. 

  في منتصف الحديقة، بدا المبنى الرئيسيُّ للمستشفى خالياً على غير العادة، باستثناء أصوات بِضْعة موظفين. وبعد مكتب الاستقبال، يجلس حارسٌ على مدخل صالة العيادات المُوصَد بـ”لاصق”؛ حيث وجّهَنا صوب قسم الطوارئ. جميعُ من شاهدناهم في المستشفى بدون وسائل حماية. 

عندما لمَحَنا موظفُ الطوارئ نقترب من مكتبه، الكائن في منتصف مدخل القسم، فَتَح السجلَّ الورقيَّ وأمسك بالقلم. “أين الأطباء؟”، سألناه. لا يوجد أحدٌ غيرُه في القسم؛ لكنه يقول إن قوام الكادر المخصص لاستقبال المرضى “4 أطباء و12 ممرضاً”.  

 لم نشاهد أيَّ جهازِ قياسِ حرارةٍ عن بُعد في هذا “المحجر”، منذ دخولنا. كما تكشف تجهيزاتُه عن عُرْي الحصانة من أي وسائلَ للوقاية. غرفةُ الطوارئ على اليسار من المدخل، وهي عبارة عن 10 أسرةٍ مرصوصةٍ بجوار بعضها، وأسطوانة من الأكسجين في المنتصف. حتى ذلك الوقت، لم يكن هذا الموظف يعرف ما إذا كانت قد مُنحتْ للمستشفى أجهزةُ تنفسٍ وجهازُ قياس حرارةٍ عن بعد، أم لا. 

وبالنظر إلى طبيعة الوباء وسرعة انتشاره، وخيباتنا الكبيرة، فإن أيَّ متشككٍ مُطّلعٍ على بعض المعاناة وشكلية الإجراءات المتبعة في المحجر، سيرى أننا محظوظون بعدم وصول أية إصابة إلى اليمن أو إلى المحاجر الصحية. بذلك، تبقى الإجراءات الاحترازية، التي أعلنها الطرَفان، مجرد تسويق. 

في زيارةٍ أخرى لذات المكان بعد أسبوعٍ، وصلتْ حالةٌ لديها أعراضٌ مشابهةٌ لكورونا، فيما كنتُ أتحدث مع موظف الطوارئ. جاءت شابةٌ منقبةٌ رفقةَ رجُلٍ أربعينيٍّ، وهي تسعل. كنا ثلاثة، واقفين في باب الطوارئ مع الموظف. سأل الرجل: “أين الطبيب؟”. فرد الموظف: “ماذا لديك؟”، أجاب الرجل: “هذه البنت فيها حُمّى وسعال وضيق تنفس وزكام من يومين”. “أدخلها”، قال الموظف، ووقف ليرشدهما إلى السرير في غرفة الطوارئ، وتمتم بأنه سيتصل بالأطباء للحضور لفحص الحالة. 

قدّمتْ منظمة الصحة العالمية للسلطات اليمنية محاليلَ لفحص آلاف الحالات. وقال يوسف الحاضري إن وزارته تلقت محاليلَ لفحص 3 آلاف حالة، تسلّمتْها على دفعاتٍ، وإن المختبر المركزي في صنعاء، المُكلّف بإجراء الفحوصات في المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله (الحوثيين)، أجرى 124 فحصاً لمشتبهٍ بإصابتهم، حتى مطلع أبريل/نيسان. جميع النتائج كانت سلبيةً، بحسب الناطق باسم وزارة الصحة في صنعاء. 

وفيما أعلنتْ وزارةُ الصحة، التابعة لحكومة عدن، تلقّيها مساعداتٍ صحيةً بقيمة 3.5 مليون دولار، لمواجهة وباء كورونا المُستجدّ، قال المتحدث باسم “اللجنة الوطنية”، علي الوليدي، إن السلطات الصحية، التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، “فحصت 25 حالة اشتباهٍ، منها 24 حالةً في العاصمة المؤقتة عدن، 7 منهم أجانب، وحالةٌ في حضرموت، جميعها سلبية”، باستثناء حالةٍ واحدةٍ على الأقل نتائجها إيجابية، والتي أعلن عنها. 

  وبعد الإعلان عن تسجيل الحالة المصابة بـ”كورونا” في حضرموت، حاولت “خيوط” التواصل هاتفياً، أربع مرات في أوقات مختلفة خلال ثلاثة أيام، بالدكتور علي الوليدي، لكن هاتفه كان مغلقاً. 

 الناطق باسم منظمة الصحة العالمية في اليمن قال لـ”خيوط”، إن المنظمة اتفقت مع السلطات اليمنية على توزيع المحاليل، التي وفرتها المنظمة، على 4 مختبراتٍ مركزيةٍ في صنعاء وعدن وتعز والمكلا، بهدف “ترشيد استخدامها وفحص المرضى الأشد حرجاً، الذين يعانون من سعالٍ وصعوبة تنفسٍ وارتفاعٍ في درجة الحرارة، وهي أعراضٌ تشير إلى احتمال إصابة حاملها بفيروس كورونا”.

مستوى الجاهزية 

الناطق الرسمي باسم وزارة الصحة، التابعة لحكومة صنعاء، يوسف الحاضري، قال لـ”خيوط” إن الحكومة “أصدرت أكثر من 60 قراراً لمواجهة وباء كورونا”؛ إلا أن هذه القرارات لن تضمن “احتواء أكثر من خمسمائة حالةٍ مصابةٍ، وإذا استخدمنا القطاع الخاص يمكن أن نصل إلى 1200 حالةٍ في الجمهورية كلها، شمالها وجنوبها”.

تسيطر الحكومةُ، التي يتبعها الحاضري، على غالبية المحافظات الشمالية وجزءٍ بسيطٍ من أراضي المحافظات الجنوبية. لكن الحكومة المعترف بها دولياً أعلنت، عبر”اللجنة الوطنية العليا” التابعة لها، أنها استعدت، في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، بعددٍ من الدورات التدريبية لمجابهة الفيروس، وإجراءاتٍ أخرى، من بينها إغلاق المنافذ البرية والجوية والبحرية لليمن، وتوفير 30 ألف جهاز فحصٍ سريعٍ سيتم توزيعُها على المستشفيات ومراكز الحجز والمنافذ البرية والبحرية. ويتلقى الطرفان الدعم والمساندة من منظمة الصحة العالمية لتنفيذ الإجراءات الوقائية، وفقا للناطق الرسمي باسمها، سفيان المطحني.

لا يَعتبر الحاضري ما قدمته منظمة الصحة العالمية حتى الآن دعماً حقيقياً. ووصَفَ ما قدّمتْه بأنه “لا يرتقي لكونها جائحةً”، وأنها “تنتظر حتى نموت لتدعمنا”. ويقول الحاضري إن وزارته طلبتْ ألف جهاز تنفسٍ، كون البلد لا يمتلك “سوى 200 جهاز”؛ “لكن المنظمة لم تقدم إلا 60 جهازاً فقط”.

في 2 أبريل/نيسان الجاري، زار مُعد التحقيقِ الناطقَ باسم الصحة العالمية، المطحني، في مكتبه، والذي قال إن “للمنظمة أولوياتٍ، ويجب ترشيد كل الإمكانيات، فلو دخل الوباء وقد استنفدنا كل المحاليل فستحدث كارثة”. 

واعتبر المطحني أن وصول فيروس كورونا إلى اليمن في وضعها الحالي “قد يكون كارثياً”، مسبباً توقعه بأن”عدد غرف العناية المركزة لا يتجاوز المئات، وهي غالباً مشغولةٌ وقليلةٌ جداً”. وأضاف: “اليمن ستكون بحاجةٍ إلى الآلاف من غرف العناية المركزة المستشفيات”.

وأفاد بأن الوضع الصحي في اليمن منهارٌ، وأن المنشآت الصحية تعمل بـ50% من كفاءتها. العديد من سكان اليمن يعيشون في ظروفٍ صحيةٍ صعبةٍ، والعديد منهم يعاني من السُّكّري وأمراض القلب والصدر، وهي الحالات الأكثر تأثراً بفيروس كورونا.

الدكتورة يُسْر، والتي تدير مختبراً كبيراً في صنعاء، يختصّ بالجينات، قالت لـ”خيوط”: “نحن، كمختبر، لا نستطيع أن نستقبل هذه الحالات المشتبه فيها، في حال اجتاحتنا هذه الكارثة، نحن لا نحتمل ذلك في الوضع الطبيعي”. 

وأضافت: “للأمانة، بعد الذي سمعناه عن الفيروس، لا نمتلك إجراءاتٍ احترازيةً في المختبر لأنه يجب على قسم الاستقبال لبسُ كفوفٍ وكماماتٍ معينة، ولهذا قررت ألّا أطلب المحاليل، لأنها وبغياب الإجراءات تُحمّلني مسؤوليةً أكبرَ تجاه المجتمع الذي أنا فيه”. 

وبحسب تقرير أعدّتْه منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”، مقرها في نيويورك، ومنظمة “مواطنة” لحقوق الإنسان اليمنية، فإن استهداف الأطراف المتنازعة للمنشآت الطبية، خلال فترة الحرب، أضرَّ بالمستشفيات.

وتظل النتائج التي ستحققها السلطاتُ من هذه الإجراءات والاستعدادات، بافتراض سلامتها، غيرَ مطَمْئِنة. غير أن اكتشاف الحالة الأولى قد يمثل فرصةً جديدةً لمراجعة الإجراءات الاحترازية، التي تواصل السلطاتُ المنقسمةُ ترويجها، لتفادي ما لا تقوى عليه كلُّ الإجراءات والدعم، في حال تفشى فيروسُ كورونا، لا سمح الله.

هلال الجمرة

نشر هذا الموضوع في موقع خيوط اليمني 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
لا خيار أمام أحد سوى بحكومة حيادية ومستقلة، وعلى سعد الحريري ألا يعرقل وصول سني مستقل فعلاً وحيادي فعلاً، وإلا فإن مسؤوليته لن تكون أقل من مسؤولية “حزب الله” عن “نهاية لبنان الكبير”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني