عن محمد شمس الدين في غيابه

"أنا لا يمكن نسياني فقد كنت الطالب الوحيد في الحوزة الذي كان مشغولاً بالألوان والرسم والذي هرب من الحوزة العلمية في النجف وعاد إلى حبيبته ليتزوجها"
محمد شمس الدين


ولد محمد شمس الدين في مدينة النجف المقدسة عند الشيعة. وكان في الشهر الثاني من عمره حين مات أبوه الشيخ محمد رضا شمس الدين نتيجة انهيار سقف سرداب مكتبته ودفن تحت الكتب ومجلدات الفقه وعلوم الدين في الحوزة العلمية التي عاش ودرس فييها في النجف. كان الشيخ محمد رضا في الرابعة والعشرين من عمره وكان عالماً وفقيهاً وكاتباً فذاً في تلك السن المبكرة. ظلت حكاية موت الشيخ محمد رضا غامضة للفنان الراحل محمد شمس الدين إلى أن جاء إلى تونس عام 1989.
التقيت الفنان والصديق الحبيب شمس في منتصف السبعينات في مكاتب مجلة “نضال الشعب” الفلسطينية في منطقة الفاكهاني حيث عمل لفترة وجيزة في قسم الإخراج الفني للمجلة. كان شمس حديث العهد في بيروت وكنت هناك قبله بقليل آتياً من مخيم عين الحلوة وكنت أكبره بست سنوات أو أكثر قليلاً. جمعتنا بيروت بكل تناقضاتها، كنّا غريبين في مدينة مزدحمة بالأسئلة القاسية. صرنا صديقين قريبين في رؤى السياسة والفكر والفنون والغربة.
أكثر من 40 عاماً من الصداقة بيننا. كانت عاطفتي تجاه شمس يختلط فيها شعور الصداقة مع شعور الأخوة والأبوة أحياناً، كما عبّر لي مرة ربما بسبب إحساسه الأزلي باليتم وفقد الأب منذ كان رضيعاً، مع شعور رفقة الرؤية النضالية المنفلتة من الالتزام الحزبي الضيق، إلا أنها صادقة وشفافة في الوقوف إلى جانب المظلومين والمقهورين أينما كانوا.
غادرت بيروت  في نهاية عام 1979 إلى لندن وبقي شمس في بيروت إلى أن حصل على منحة لدراسة الفن في باريس وهناك زرته، وجمعتنا سهرة لا تُنسى لدفء الوقت الذي أمضيناه بصحبة أصدقاء لبنانيين وفلسطينيين والصديقة الشاعرة الإماراتية ظبية خميس في كانون الأول/ ديسمبر 1983. كان لقاءً بعد غياب تخلله الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 .
في تونس، حيث عشت 20 سنة من عام 1988 ولغاية عام 2008، التقيت شمس مرتين كان خلالها مشاركاً في مهرجان أيام قرطاج المسرحية، ومديراً فنياً لمسرحيتين شاركتا في المسابقات الرسمية للمهرجان.
كنت أدعوه الى بيتي في ضاحية الكرم شمال العاصمة التونسية. في زيارته  الأولى إلى تونس عام 1989 حدثته عن سياسي عراقي لاجئ سياسي منذ الستينات هو الدكتور محمد فاضل الجمالي رئيس وزراء ووزير خارجية سابق في عراق إلى ما قبل انقلاب 14 تموز/ يوليو 1958 الذي أودى به إلى السجن وحكم بالإعدام من قبل عبد الكريم قاسم، لكن بعد تدخل الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وعدد من الشخصيات العالمية والملك المغربي محمد الخامس أفرج عنه لمرضه واستضافه الزعيم التونسي إلى أن مات في في تونس. كان الدكتور الجمالي جاراً لي في الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية وكنت معتاداً على زيارته في لقاءات بعد ظهر يوم الخميس من كل أسبوع، حين يأتي لزيارته أصدقاء يمارسون رياضة المشي برفقته في تلال قمرت فيتناولون الشاي على الطريقة العراقية ويأكلون الكعك المخبوز بالزنجبيل الذي كانت تجيده السيدة الجمالي كندية الأصل.
اقترحت على شمس الذهاب معي فوافق بحماسة شديدة ولم يكن هو ولا أنا نعرف أن هذا اللقاء سوف يفتح نافذة صادمة في تاريخه الشخصي ويوصله إلى إدراك ما كان مغلقاً من معرفة في حياته وفي علاقته مع أبيه الذي مات وهو طفل رضيع لم يتجاوز الشهرين من العمر.
وصلنا إلى بيت الدكتور الجمالي الذي رحّب بنا كالعادة فقدمت له شمس قائلاً: صديقي الفنان اللبناني محمد شمس الدين.
ابتسم الدكتور الجمالي ابتسامة حنونة وقال، ما اسمك الكامل؟ فرد شمس: محمد مكي شمس الدين. فسأل الدكتور الجمالي وما اسم أبوك؟ فقال شمس: محمد رضا شمس الدين.
هنا أطلق الدكتور الجمالي تلك المعلومة التي أذهلت شمس وأذهلتني وقال: أنا أعرف أباك من بداية الخمسينات  فقد قتل بانفجار في النجف في صيف   1957، وهي سنة ميلاد شمس الحقيقية التي ولد في ربيعها، “وكان صديقي وكان شاباً واعداً في الفكر العروبي والفقه المنفتح وكنا نلتقي وننتناقش في أمور الأمة. في تلك الفترة، كما دائماً كان هناك صراع أفكار محتدم في الوسط الشيعي بين الفقهاء العروبيين والفقهاء الإيرانيين وكان أبوك عروبياً وصاحب أفكار تميل إلى أن تكون مرجعية الطائفة الشيعية عربية، وخصوصاً أن الحوزات العلمية الأساسية لعلماء الشيعة كان مركزها النجف الأشرف، ولم تكن قم ذات قيمة. وكان هناك تيار إيراني يرفض هذه المقولة وشهدت تلك الفترة تصعيداً في الصراع بين التيارين وأغلب الظن أن أباك اغتيل ولم تسقط عليه الكتب بعد انهيار سقف السرداب كما قيل، فأبوك محمد رضا شمس الدين كان مشروع عالم ومفكر عروبي كبير وهو ما كان يستفز الإيرانيين”.
هذا اللقاء مع الجمالي أحدث دوياً في روح شمس الإنسان والفنان وربما كان هذا السبب وراء شعور محمد شمس الدين بالقرب من دوائر السيد محمد حسين فضل الله، فعمل في إخراج مجلة “أحمد” للصغار، التي صدرت عن القسم الثقافي لمكتب السيد فضل الله المعروف عنه رفضه أن تكون مرجعية الشيعة في إيران انطلاقاً من وعيه العروبي. وكانت مجلة “أحمد” والقسم الذي يصدرها تحت إدارة شقيقة فضل الله التي كان يناديها شمس الدين “الحاجة”، والتي كانت تكن له مودة واحتراماً وتقديراً لموهبته واجتهاده، على رغم أنها تعرف أنه لم يكن ملتزماً دينياً وكان يعيش حياته بحرية تامة.
لم يكن محمد شمس الدين عضواً في أي تنظيم فلسطيني أو لبناني وفي تركيبته النفسية لم يكن ممكناً أن يكون عضواً وكل ما قيل بعد رحيله بأنه كان عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أو الحزب الشيوعي كان مجرد هراء من التنظيمين. كان محمد قريباً من كل الوطنيين واليساريين عموماً وكانت تجمعه صداقة مع أفراد حزبيين، لكنه لم ينتسب لأي حزب. كان أحياناً يتعاون مع الحزب الشيوعي في تنفيذ مشاريع تهم الناس مثل تلك الحديقة العامة التي أسسها في قطعة الأرض اللصيقة ببيته في قرية البازورية، وساهم في أشغالها شبيبة الحزب الشيوعي، وربما بعض الأعضاء في الجبهة الشعبية من منطقة صور وربما أعضاء من “حزب الله” في القرية نفسها .

شمس الدين ونصرالله


من الذكريات التي لا أنساها مع محمد شمس الدين ذلك اليوم من شهر كانون الأول عام 1999، وكنت حصلت على موافقة من “حزب الله” لإجراء مقابلة مع الأمين العام للحزب حسن نصرالله، نشرت في جريدة الأيام الفلسطينية في رام الله، وكنت التقيت شمس الدين في حانة “شي أندريه”، قبل توجهي إلى الضاحية الجنوبية. قال لي شمس: “بدي ياك تسأل نصرالله إذا كان لا يزال يتذكر حين التقينا في النجف وكنا مراهقين وقد أرسلني جدي إلى النجف على أمل أن أدرس الفقه وعلوم الدين ولتبعدني العائلة عن المرأة التي كنت أحبها لأنها لم تكن في تلك السنوات ملتزمة باللباس الشرعي. وقامت حبيبتي التي صارت زوجتي في ما بعد بإرسال رسالة حب لي وألوان وفُرش الرسم لكي أتابع العمل على موهبتي في الرسم، مع حسن نصرالله الذي كان آتياً الى النجف ليتابع دراساته الدينية والتي بقي فيها لفترة ثم انتقل إلى قم.
أصرّ حسن نصرالله على فتح مغلف الرسالة وقراءتها قبل سفره من البازورية. وعندما قرأ رسالة الحب أحنى رأسه خجلاً ثم أغلقها وأحضرها لي إلى النجف مع الألوان ولكن من غير  فُرش الرسم والأدوات الأخرى ولا أدري لماذا. فإذا قال لك إنه يتذكرني اسأله عن فرش الرسم”.
في النجف قال شمس انه كان يرسم ونصرالله وغيره من الطلاب يستمعون إلى المحاضرات الدينية.
في نهاية مقابلتي مع نصرالله سألته عن شمس الدين إذا ما كان يتذكره لكنه أجاب بالنفي.
عندما عدت من المقابلة والتقيت شمس الدين، أخبرته بأنه قال “لا يتذكرك”. فأجاب: “لا أعتقد أنه يقول الحقيقة فأنا لا يمكن نسياني فقد كنت الطالب الوحيد في الحوزة الذي كان مشغولاً بالألوان والرسم والذي هرب من الحوزة العلمية في النجف وعاد إلى حبيبته ليتزوجها وعاد إلى عالمه الخيالي الغرائبي مجسداً في اللوحات”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
يقترف وحيد طويلة عملاً، يضعه بين نارين أو خطرين؛ خطر الدولة، وخطر اللادولة. وعليه، هذه الرواية، يمكن أن تضع اسم كاتبها، على لائحة “المسجّلين خطر”.
حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
عندما ننظر إلى الصور في الأوراق النقدية، فنحن لا يهمنا مدى ارتباطها بالواقع وصدق تمثيلها له، إنما ما يعنينا هو المؤسسات والجهات التي تستخدم مضمونها.
نصري حجاج – سينمائي فلسطيني
لماذا كرهنا صورة المطران كبوتشي التي قدمها المسلسل الرمضاني “حارس القدس” من إنتاج فريق من الناس الذين لا يشبهوننا ولا يشبهون صورة المطران الأيقونية القديمة؟ لا بل يكرهونها كما ثبتت في ضمائر محبيه وأرادوا أن يحطموها لتليق باللحظة الراهنة…
درج
“كل يوم منسمع عن أعداد الإصابات، وعن ناس ماتت من “الكورونا” بس ما كنت اتخيل بحياتي انه معقول يكون بيي واحد من هالارقام.” …
رامي الأمين – صحافي لبناني
الإحتفاء بهاتين المسرحيتين يكشف عمق أزمة الإنتاج الكوميدي التي تعصف بالعالم العربي.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
الرقابة التي تتصاعد وتيرتها، المتمثلة بقصّ مشاهد من الأعمال الدرامية أو منعها بشكل كامل، أو حتى إقصاء ممثلين معارضين عن الشاشات، أنتجت موسماً رمضانياً سورياً ضعيفاً.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني