fbpx

من سيجني أرباح تشريع الحشيشة في لبنان؟

هل سيكون قانون تشريع الحشيشة بادرةً لتحسين الاقتصاد اللبناني فعلاً؟ أم أنه لن يكون سوى ضربةٍ قاضية لأهل الأرض وزارعيها، ومصدراً جديداً لملء جيوب الفاسدين؟

“إذا حصل الأمر عبر الدولة، فالأرباح لن تكون ذاتها، المصنع سيأخذ حصّة كبيرة منها، ومن يدري؟ قد تخضع المصانع لقبضة السلطة وأهلها ويتقاسمون الأرباح، حتى أنهم قد يقفلون معاملنا الصغيرة بحجة عدم مطابقتها المواصفات”، يقول حسن (اسم مستعار)، أحد مزارعي الحشيشة في منطقة الهرمل في البقاع اللبناني. ثمّ يلفت إلى أنه يحقّق عشرات أرباح كلفة الزراعة من خلال “تجارته الحرّة”. فالكيلو الواحد من الحشيش يُباع بنحو 200 دولار أميركي، بينما لا يتجاوز سعر كيلو البطاطا أو الشعير الدولار الواحد، (وهو ما كانت الدولة تحثّ فلاحي البقاع على زراعته قبل تشريع زراعة القنّب). 

أصبح بإمكان مزارعي القنّب الهندي (الحشيشة)، في سهل البقاع اللبناني، التحرّر من خوفهم الآن. فبعد إقرار البرلمان اللبناني قانوناً يسمح بزراعة النبتة للاستعمال الطبي والصناعي، أصبح لبنان الدولة الأولى التي تشرّع الحشيشة في الشرق الأوسط. ولم يعد قيام القوى الأمنية بتلف المحاصيل أو مصادرة البضائع وارداً، لكن مخاوف أخرى قد وُلدت. هل تعود الأرباح إلى جيوب السياسيين وأصحاب المصانع؟ 

فلبنان الذي يثقل كاهله دين قيمته 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، يحاول تحفيز اقتصاده المتعثّر. ويأمل عبر إرساء آلية للمراقبة تشمل إنشاء ضريبة على الإنتاج، بتسجيل قفزة مالية على غرار تلك التي تلت تشريع الحشيشة لأغراض علاجية في دول أميركا الشمالية. وقد سرّعت الأزمة الاقتصادية الحالية إقرار هذا القانون.   

جلسة مناقشة مشروع القانون تزامنت مع تحركات واحتجاجات شعبية على الظروف المعيشية، من غلاء الأسعار إلى انهيار قيمة سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. كما أن عشرات الآلاف خسروا وظائفهم، أو جزءاً من رواتبهم خلال الأشهر الماضية، بخاصة بعدما فاقم انتشار وباء “كورونا” الوضع المتردي أساساً.

مليار دولار سنوياً!

قرر لبنان أخيراً الاستفادة من إنتاج نبتة الحشيشة. علماً أنه يُعد، وفقاً للأمم المتحدة، ثالث منتِج للحشيشة في العالم بعد أفغانستان والمغرب، على رغم أن زراعتها لم تكن مقوننة، وكان القانون اللبناني يعاقب مزارعيها بالسجن والغرامة المالية.  

شكلت الحشيشة اللبنانية خلال الحرب الأهلية صناعة مزدهرة أدرّت ملايين الدولارات قبل حظرها، وكانت مصدر دخل أساسياً. إلا أن مشروع إقرار زراعتها كان مؤجلاً منذ سنوات، ويبدو أن الضائقة الاقتصادية الحالية حرّكته من جديد.  

فإقرار القانون أتى بعدما استعانت السلطات اللبنانية قبل عامين بشركة “ماكنزي” الدولية للاستشارات الإدارية والمالية، للمساهمة في إعداد خطة للنهوض بالاقتصاد اللبناني، واقترحت ضمن بنودها زراعة الحشيش لصناعة الأدوية وزيت القنّب (الكانابيديول)، الذي ينتج من جذوعه، لما يوفّره من أرباح سنوية لخزينة الدولة. فقدّرت الشركة بدورها المردود الاقتصادي بمليار دولار سنوياً على لبنان. 

هل تنجح الدولة بالسيطرة على سوق الحشيش؟

يبدو أن الدولة اللبنانية تعوّل كثيراً على زراعة القنّب وتصديره لتحسين اقتصادها، والحقيقة أن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ تحتاج الدولة إلى خطة جديّة، تأتي مرافقة للقانون، لإنقاذ القطاع الزراعي. كما يترتّب عليها بذل جهود فعلية تضمن العوائد الاقتصادية، من دون المخاطرة بفتح أبواب التهريب والاستهلاك والتجارة غير المشروعة. 

دول كثيرة شرّعت استخدام الحشيش لأغراض طبية، كالأرجنتين وولايات أميركية عدة، وأخرى شرعتها للترفيه أيضاً، منها كندا والأوروغواي وهولندا مثلاً. وفي هذا الصدد، حدد مركز Knowledge To Policy –K2P، التابع لكلية العلوم والصحة في الجامعة الأميركية في بيروت، ثلاثة نماذج تشريعية مرتبطة بزراعة القنب، وهي: الحظر وإلغاء الصفة الجرمية والقوننة. 

وأظهرت هذه النماذج نتائج مختلفة، متأثرة بعوامل عدة، ما يشير إلى أن أي نموذج “مستورد”، قد لا يؤدي إلى النتائج المرجّوة. فلكلّ بلد اعتباراته السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الزراعية. وخَلُص المركز إلى أن الارتباط غير المتسق بين تشريع زراعة الحشيش والاستهلاك، يشكلّ تحدياً كبيراً.

واعتبر مركز K2P أن العبرة تكمن في تفاصيل هذا القانون. فعوامل كثيرة يجب أن تؤخذ في الاعتبار مع تشريع زراعة الحشيش، كمعدّل استهلاك القنب، وعدد الحالات الطبية التي تحتاج إليه في العلاج، معدل الإجرام المرتبط بالحشيش، حجم سوق القنب المحلي وفرص التصدير، وغيرها.

كما حدد الأبعاد التي ينبغي أن يشملها أي تنظيم لزراعة الحشيش. وهي أنواع المنظمات المسموح لها بتقديم الدواء، الأطر التنظيمية التي تعمل بموجبها تلك المنظمات، طبيعة المنتجات التي يمكن توزيعها، إضافة إلى السعر. 

هذه التفاصيل تطرح السؤال حول نشاط الدولة اللبنانية الفعلي وإمكان سيطرتها على هذه السوق، في ظلّ فشلٍ متراكم لعقود أظهرته في قطاعات مختلفة.  

مزارعو الحشيشة: قوننة عملهم أم سرقته؟ 

لا شكّ في أن قانون تشريع زراعة الحشيشة لا يصب في مصلحة الكثير من زارعيها. فقوننة هذه الزراعة تفرض التزامات محددة، كدفع الضرائب ومراقبة المعامل والإنتاج، كما أن الرقابة ستتعدّى ذلك، إذا ما التزمت الجهات المعنية بما ورد بنص القانون.

إذ تشير المادة الرابعة منه إلى وجود “هيئة” تتولى أمر مراقبة وتنظيم أنشطة “غرس، زراعة، حصاد، إنتاج، حيازة، تصدير، تخزين، تسويق، وتوزيع القنب ومشتقاته”، و”إتاحة الوصول إليه بشكل قانوني لأهداف طبية وعلمية” فقط.

وهذا يرمي ضمنياً إلى تراجع أرباح زارعي القنّب، ومنهم حسن، عقب التشريع. فالتجارة بهدف الترفيه شيء، والبيع وفق قواعد صارمة، وفي مساحات محددة لاستخدام النبتة في صناعة الأدوية، شيء آخر تماماً. 

انطلاقاً من تركّز زراعة الحشيشة أساساً في سهول البقاع الخصبة والفقيرة في الوقت نفسه، فهل سيكون قانون تشريعها بادرةً لتحسين الاقتصاد اللبناني فعلاً؟ أم أنه لن يكون سوى ضربةٍ قاضية لأهل الأرض وزارعيها، ومصدراً جديداً لملء جيوب الفاسدين؟   

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني