fbpx

ألمانيا: بدء مقاضاة ضابطين سوريين بجرائم ضد الإنسانية

كما كانت محاكمات نورمبرغ لمحاسبة مسؤولي فظائع النازية بوابة لتطور مسار العدالة الدولية، يأمل السوريون بأن تكون محاكمة كوبلنز بوابة لمحاسبة نظام الأسد على ما ارتكبه من فظائع بحقهم.

الخميس 23 نيسان/ أبريل 2020 يشكل يوماً تاريخياً لسير قطار العدالة وإنصاف آلاف الضحايا السوريين، من الناجين ومن قضوا تحت التعذيب في معتقلات نظام الأسد والذين يقدر عددهم بالآلاف، إذ انطلقت في المحكمة الإقليمية العليا في مدينة كوبلنز، محاكمة ضابط سابق في المخابرات ومساعد له غرب ألمانيا، متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تمثلت بتعذيب معتقلين سوريين أثناء الثورة السورية، في الفترة التي كانا فيها على رأس عملهما.

إياد الغريب خلال جلسة المحاكمة

من هما أنور رسلان وإياد الغريب؟ 

المتهمان في هذه القضية هما كل من الضابط أنور رسلان وضابط الصف إياد الغريب المنشقان عن نظام الأسد، واللذان تم اعتقالهما في ألمانيا في شهر شباط/ فبراير عام 2019. المتهم الأول رسلان كان رئيساً للتحقيق في الفرع 251 المسمى “فرع الخطيب” في دمشق، والغريب كان قائداً لمجموعة مداهمات من ثلاثين عنصراً تابعين للفرع ذاته. وقد غادر المتهمان سوريا عام 2012 وطلبا اللجوء في ألمانيا عام 2014، وحصل رسلان على صفة لاجئ وأقام في شمال شرقي برلين، وقبل ذلك تبوأ رسلان مناصب عدة في المعارضة السورية، أبرزها عضوية وفد المعارضة في مباحثات جنيف 2 للسلام عام 2014 برعاية الأمم المتحدة.

كنت أتمنى أن نحاكم كل المجرمين والقتلة أمام القضاء السوري في سوريا الحرة، لكن مع استمرار الديكتاتورية يمنحني القدر فرصة محاكمة أحدهم في المنفى، بعدما فقدت أملي بتحقيق العدالة”.

ووفقاً لما ذكره رئيس “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية” المحامي أنور البني، فإن المدعي العام الألماني بدأ تحضير ملف رسلان منذ عام 2018 وقد استمع لشهادة عدد من ضحايا التعذيب وجمع الأدلة والوثائق ومن ثم أصدر قرار الاتهام بحق رسلان والغريب وقام بتوقيفهما.

ومن الناحية القانونية، تجرى محاكمة رسلان والغريب في ألمانيا بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يسمح للمدعين العامين بالتحقيق في الجرائم الدولية التي يرتكبها مواطنون أجانب على أرض أجنبية ومحاكمتهم بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، إذ تعتبر هذه الجريمة جريمة ضد الإنسانية. وسيواجه المتهمان ناجين من التعذيب في معتقلات نظام الأسد تعرّضوا للتعذيب على يدهما. وبحسب لائحة الاتهام الصادرة عن المدعي العام الألماني، أنه بين نيسان 2011 وأيلول/ سبتمبر 2012، وبينما كان رسلان مسؤولاً عن الفرع 251، تعرض ما لا يقل عن 4000 شخص للتعذيب هناك، وتوفي 59 شخصاً نتيجة لذلك، واغتصب شخص واحد على الأقل واعتدي عليه جنسياً، بينما الغريب سيُحاكم بتهمة المساعدة والتحريض على جريمة ضد الإنسانية في سوريا عام 2011.

ويمثل محامي المركز الأوروبي لحقوق الإنسان باتريك كروكر 6 مدعين إضافة إلى 52 شاهداً، وفقاً للمركز الأوروبي.

المتهم أنور رسلان

باب العدالة يُفتح!

يعتقد البعض أن القانون الدولي والعدالة مجرد وهم، ولكن كما كانت محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية لمحاسبة مسؤولي فظائع النازية بوابة لتطور مسار العدالة الدولية وصولاً إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، يأمل السوريون بأن تكون محاكمة كوبلنز بوابة لمحاسبة نظام الأسد على ما ارتكبه من فظائع بحقهم.

هذا الأمل لخصه أحد المدعين على رسلان وشريكه عامر مطر وهو معتقل سوري سابق في الفرع الأمني الذي كان يعمل فيه رسلان، وهو يقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين.

وقد كتب قبل يوم المحاكمة على “فايسبوك” منشوراً كتب فيه: “تبدأ أول محاكمة جنائية في ألمانيا لعناصر مخابرات نظام الأسد، في قضية عن التعذيب في سجون النظام السوري وسيحاكم ضابطا المخابرات السابقان، أنور رسلان وإياد الغريب، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. تم اعتقالي من منزلي في دمشق نهاية آذار/ مارس عام 2011، وأخذت إلى فرع المخابرات (أمن الدولة- فرع الخطيب) أو ما يسمى بالإدارة العامة 285، وكان أنور رسلان رئيس الفرع حينها، وقام بالتحقيق معي وتعذيبي. اليوم هو سجين وأنا أدّعي ضده أمام القضاء الألماني. تم تعذيبي والتحقيق معي بسبب عملي الصحافي وتغطية الأيام الأولى للثورة السورية. رموني في منفردات قذرة عرفت فيها أنواعاً مختلفة للتعذيب، لأن العمل الصحافي في سوريا الأسد بمثابة أبشع الجرائم. كان محقق فرع أمن الدولة يقرأ مقالاتي ويشتمني. لم تنقطع أصوات حفلات التعذيب أثناء وجودي في فرع الخطيب، تعذيب الأطفال والمسنين حتى. كنت أتمنى أن نحاكم كل المجرمين والقتلة أمام القضاء السوري في سوريا الحرة، لكن مع استمرار الديكتاتورية يمنحني القدر فرصة محاكمة أحدهم في المنفى، بعدما فقدت أملي بتحقيق العدالة”.

ويحاكم المتهمان بجريمة التعذيب وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي دخلت حيز التنفيذ عام 1994، وجاء تعريف التعذيب في تلك المعاهدة بإحداث ألم شديد أو معاناة، ويمكن أن يكون جسدياً أو معنوياً، وبموجب الاتّفاقية المناهضة للتعذيب، لا يمكن ادّعاء وجود أيّ ظروف استثنائيّة تسمح لك بالقيام بعمليّات التّعذيب. لذا يتوجّب على جميع الأطراف المشارِكة في الاتّفاقية المناهضة للتّعذيب أن تقوم بتسليم أي جلاّد موجود على أراضيها أو محاكمته. وذلك بموجب الولاية القضائية العالمية إن وصلت الجريمة إلى أعلى مستويات التّعذيب، فالمحاكمة واجب على كلّ دولة.

وعليه بوجود هؤلاء المدعين الشخصيين ضد رسلان وشريكه بات من واجب الحكومة الألمانية محاكمتهما وإنفاذ مبدأ سيادة القانون، في محاكمة لا يتوقع أن تكون قصيرة، وغالباً خلال مجريات المحاكمة ستُقدَّم دفوع وشهادات ستوصل بلا شك إلى تسلسل هرم المسؤولية عن هذه الجرائم، لتشمل متهمين جدداً في التسلسل الهرمي للنظام الأمني في سوريا، لتشملهم لائحة الاتهام كمشتركين في هذه الجرائم عبر الأوامر والقرارات التي أصدروها، والتي نتجت عنها هذه الجرائم. وربما توصل هذه السلسلة في نهايتها إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد، وهذا ما نقصده بأن محكمة كوبلنز قد تكون البوابة التي ستفتح طريق العدالة لمئات آلاف القتلى، وضحايا التعذيب في سوريا، فهي تشكل حجر زاوية في عملية العدالة التي قد يبنى عليها مستقبلاً وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

قاعة المحاكمة

جدال في أوساط السوريين

توقيف الضابط رسلان وشريكه وصولاً إلى محاكمتهما أطلقت الجدال في أوساط السوريين بين قسمين الأول هما: مؤيدون وداعمون لها إنصافاً للضحايا، ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري أياً كانوا، ولا يعني لأصحاب هذا الرأي أن ينشق عن النظام السوري مرتكبو هذه الجرائم أو أن ينضموا إلى صفوف المعارضة، فانضمامهم للمعارضة لا ينفي مسؤوليتهم القانونية والأخلاقية عن جرائهم السابقة ولا يمنحهم صك براءة تجاه الضحايا وذويهم. وعلى الأقل لا يمكن أن ينكر أحد على هؤلاء الضحايا المباشرين والذين نصبوا أنفسهم كمدعين شخصيين في هذه القضية حقهم في محاكمة جلاديهم. وربما قضية رسلان وضعت المعارضة السورية الرسمية في مأزق بقبوله بين صفوفها، على رغم علمها بسجله السابق ومنصبه الأمني المعروف في قيادة فرع أمني مسؤول عن ارتكاب جرائم بحق المعتقلين. وربما الكثير من القيادات تم توقيفهم في هذا الفرع من قبل، وهذا سؤال يتوجب على قيادة المعارضة السورية إجابة الشعب السوري عليه منذ الآن لتبرير قبول رسلان وإدخاله في وفدهم لمفاوضات السلام في جنيف عام 2014.

أما القسم الثاني فيعتقد بأن محاكمة هؤلاء المنشقين الموجودين في أوروبا سيساهم في إفلات المجرمين الحقيقيين في نظام الأسد من العقاب، وأن الاكتفاء بمحاكمة من انشق عنه يعتبر عقاباً على انشقاقه. وبالنسبة إليهم فإن ترك رسلان منصبه كفيل بإعفائه عما يكون قد اقترفه من جرائم. كما يعتقدون بأن هذه المحاكمة لن تشجع مستقبلاً أي مسؤول حالي في نظام الأسد على التفكير بالانشقاق عنه، فطالما أنه موجود في سوريا، فهو بأمان وبعيد من متناول العدالة الدولية، ويعزز أصحاب هذا الرأي حجتهم بأنه على رغم كل ما ارتكبه نظام الأسد من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لم يتم حتى الآن تحويل ملف هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، بسبب معارضة كل من روسيا والصين في مجلس الأمن على إحالة ملف هذه الجرائم إلى لاهاي.

لا سلام بلا عدالة

لا يمكن تصور سلام في سوريا من دون عدالة وإن توقف أي شخص أو مسؤول عن ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، عما كان يرتكبه، وانتقاله إلى صفوف المعارضة لا يعفيه من المسؤولية القانونية على جرائمه السابقة. وإن كان هناك من نصيحة يمكن تقديمها للمتهمين فهي أن يعترفوا بجرائمهم أمام المحكمة وأمام ضحاياهم والشعب السوري، وأن يعتذروا لهم عن هذه الجرائم، ويتقبلوا ما ستصدره المحكمة من أحكام، ويتعاونوا معها عبر تزويدها بمعلومات ووثائق وأدلة، تفيد التحقيقات وتوصل إلى بقية التسلسل الهرمي المسؤول عن إصدار هذه الأوامر لارتكاب هذه الجرائم، ليصار الى توثيق أسمائهم وجرائمهم وإضافتهم للائحة الاتهام بناء على مسؤولياتهم، فربما إن قاموا بذلك سيثبتون للضحايا وذويهم ندمهم على ما ارتكبوه من جرائم سابقة بحقهم. وختاماً لا بد أن تكون العدالة وإنصاف الضحايا وعدم إفلات المجرمين من العقاب، بوابة لسلام مستدام وسوريا جديدة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
بينما تبحث أم عن شيءٍ من أشلاء ابنها تحت أنقاض الركام في مرفأ بيروت، يلاحق الأمن من كسر صورة الرئيس، وتضرب السلطة بيدٍ من حديد كل من يطالب بمحاسبة المسؤولين عن الفساد الذي انفجر في وجوه اللبنانيين.
صهيب أيوب – صحافي وكاتب لبناني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني