fbpx

سيروني الشاهد:كي لا تبقى الإبادة الأرمنية طيّ الكتمان

عندما مُنيت الإمبراطورية العثمانية بالهزيمة وفر زعماء جمعية الاتحاد والترقي إلى ألمانيا، خرج سيروني من مخبأه، وحاول مع قِلة من المفكرين الناجين إعادة بناء المجتمع المُصاب بجروحٍ بليغة.

أفلت الشاعر والصحافي والناشط السياسي هاكوب جولوليان، البالغ من العمر 25 سنة والمعروف باسمه الأدبي المستعار “سيروني”، من الاعتقال في يوم 24 نيسان/ أبريل عام 1915 بمحض مصادفة تامة. فقد ألقي القبض في هذه الليلة المشؤومة على حوالى 260 مثقفاً أرمنياً في العاصمة العثمانية، ونُفي أولئك المثقفون في ما بعد إلى مناطق نائية في أقاصي شرق الأناضول، حيث عُذبوا وقُتلوا. وسرعان ما أرسلت الدولة العثمانية جميع مواطنيها الأرمن تقريباً إلى منطقة بادية الشام الصحراوية حيث كان مصيرهم القتل أو الموت جوعاً وعطشاً أو بفعل الأوبئة. ظل سيروني مختبئاً طوال الأعوام الثلاثة التالية في القسطنطينية (إسطنبول)، إلى أن انقضت الحرب وفر قادة الاتحاد (جمعية الاتحاد والترقي) إلى ألمانيا. 

سيروني

كان شاعر الأرمن الرومانسي العظيم دانيال فاروجان من بين أولئك المُبعدين. وقد التقى الاثنان عام 1912 عندما عاد فاروجان من أوروبا، وتعاونا بشكلٍ كثيف ونظما أمسيات ثقافية وساهما معاً في نشر مجلة “نافاسارد” الأدبية الدورية. وعام 1940 بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للإبادة الجماعية، نشر سيروني كتاباً من 290 صفحة مكرساً بالكامل لِفاروجان.

كتب سيروني أن الإحساس بجسامة الكارثة يزداد في وجداننا بمرور الزمن، وأننا لن نتمكن أبداً من معرفة حجم الكارثة، العدد الحقيقي للقتلى، ولهذا نسلط الضوء على العظماء الذين ابتلعهم الظلام. يقول سيروني في كتابه، “لا أدري لماذا أسمع صوت فاروجان كلما فكرت في المذبحة”، بالنسبة إليه تجسدت تلك العظمة في صوت صديقه الشاعر الرومانسيّ.

بعد احتلال الجيش السوفياتي رومانيا، اعتُقل سيروني ونُفي إلى معسكرات الاعتقال السيبيرية، الغولاغ، لمدة عشر سنوات. كانت السنوات التسع الأولى صعبة، لأنه لم يتمكن من الكتابة في ظل ظروف السجن. لكن العام الأخير الذي أمضاه في السجن كان أشبه بالجنة

كان سيروني شاهداً بالفعل على القمع العثماني في شبابه. فقد اعتقل خلال الأشهر الأخيرة من الحقبة الحميدية في أواخر عام 1907، عندما كان طالباً صغيراً في كلية كتروناكان الأرمنية في إسطنبول. كانت “جريمته” هي التواصل مع التنظيمات الثورية، وكان ما يفعله سيروني هو استلام منشوراتهم، ثم قراءتها أولاً قبل أن يوزعها على أشخاص آخرين. عندما أتت “الحرية” أو “حُريتْ” كما تُلفظ بالتركية – أو انقلاب حركة “تركيا الفتاة” وإعادة العمل بالدستور- أُطلق سراحه ووُصف بـ”البطل” باعتباره سجيناً سياسياً. خلال سجنه، شرع سيروني في تأسيس مكتبة للسجن، وبعد إطلاق سراحه كتبت مجلات إسطنبول ساخرةً أن سيروني لا يريد الخروج من السجن لأن مكتبته لم تكتمل بعد، وأنه يرغب في البقاء لبضعة أشهر إضافية حتى يُنهي مشروع آخر، وهو تأسيس فرقة مسرحية في السجن.

بعثت نهاية الدولة الاستبدادية الحميدية وإعادة العمل بالدستور أملاً كبيراً لدى المثقفين الأرمن. فقد أُطيح بدولة عبد الحميد الثاني البوليسية، ورحل “السلطان الأحمر” الذي بدأ مذابح الأرمن التي وقعت بين عامي 1894 و1896. تحالف الأرمن مع “حركة تركيا الفتاة” وشاركوا في الإطاحة بالنظام الاستبدادي، وتصوروا أن تطبيق الدستور سوف يعالج الكثير من مساوئ الإمبراطورية العثمانية. فبمجرد رفع الرقابة التي كان يفرضها نظام عبد الحميد الثاني، أصبحت إسطنبول مركزاً للنشاط الثقافي والسياسي. فقد طُبعت الكتب وأُسست الصحف الجديدة، مثل جريدة “أزادامارد” التابعة للاتحاد الثوري الأرمني “الطاشناق”، والتي شغل فيها منصب المدير المسؤول. كان سيروني ناشطاً أيضاً في رابطة طلاب كتروناكان وإيسايان التي شارك في تأسيسها. وكتب في مذكراته أنه نظم أمسيات ثقافية شارك فيها شانت وزهراب وفاروجان وروبين زارتاريان وصيامانطو وهوفهان ستيان.

أحد الجوانب الأخرى في عمل سيروني والذي سيصاحبه طوال حياته، هو العمل التطوعي من أجل الارتقاء بمستوى الثقافة والتعليم في مجتمعه. فقد نظم بالفعل في عامي 1912 و1913 دورات صيفية للمدرسين من المحافظات، بمشاركة “الراهب كوميداس ودانيال فاروجان وكاركين خاجاك وسيمون زافاريان” وغيرهم.

ثم سجن مجدداً في أواخر عام 1913، هذه المرة على يد الاتحاديين، إذ هدده جمال باشا بسبب مقالات نُشرت في صحيفة “أزادامارد”، التي شغل منصب المدير المسؤول عن النشر فيها.

في نهاية الحرب، عندما مُنيت الإمبراطورية العثمانية بالهزيمة وفر زعماء جمعية الاتحاد والترقي إلى ألمانيا، خرج سيروني من مخبأه، وحاول مع قِلة من المفكرين الناجين إعادة بناء المجتمع المُصاب بجروحٍ بليغة. وكان أحد المبادرين لتأسيس لجنة لإحياء ذكرى ضحايا المذابح، في 24 نيسان 1919، وبعد ذلك أصبح ذلك اليوم رمزاً لِمعاناة الأرمن، ويوماً لتخليد العدالة والمطالبة بها. ولهذه المناسبة، أُقيم أول نصب تذكاري مخصص للضحايا الأرمن عام 1919 في مقبرة بانجلتي الأرمينية الموجودة الآن في متنزه جيزي في إسطنبول. لكن النصب دُمر بعد دخول القوات الكمالية المدينة عام 1922.

لم تدم الحرية النسبية التي سادت خلال مرحلة ما بعد الحرب طويلاً. ولذا التمس سيروني اللجوء في العاصمة الرومانية بوخارست. وأصبح هناك عضواً نشطاً في الحياة الثقافية والتعليمية للمجتمع الأرمني، وكان له دور بارز في تأسيس المركز الثقافي الأرمني والكثير من المشاريع التعليمية. كما كان ناشطاً للغاية في الحياة الثقافية الرومانية. ويكفي أن نذكر صداقته وتعاونه الطويل مع المؤرخ الشهير المتخصص في الدراسات القروسطية نيكولاي إيورجا، الذي شغل منصب رئيس وزراء رومانيا عام 1938 لفترة وجيزة. لاحقاً، خصص سيروني كتاباً، من 462 صفحة، نُشر في بيروت عام 1972، حول إيورجا وأعماله، وتحدث عن حياته بصفته مؤرخاً وصحافياً وناشطاً سياسياً.

نصب الحرية لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة

وعام 1939، اندلعت حرب أخرى لتُعيد إلى الأذهان ذكرى الحرب الأولى. وأقدمت مجموعة من رجال الحرس الحديدي عام 1940 على اغتيال إيورجا. وصارت بوخارست هدفاً دائماً للقصف الجوي، الأمر الذي أجبر سيروني على الفرار إلى الريف. عام 1944، وبعد احتلال الجيش السوفياتي رومانيا، اعتُقل سيروني ونُفي إلى معسكرات الاعتقال السيبيرية، الغولاغ، لمدة عشر سنوات. كانت السنوات التسع الأولى صعبة، لأنه لم يتمكن من الكتابة في ظل ظروف السجن. لكن العام الأخير الذي أمضاه في السجن كان أشبه بالجنة: فبفضل أحد طلابه السابقين، فازكين الأول، الذي أصبح المطران الرئيسي والزعيم الروحي للكنيسة الأرمنية والكنيسة الرسولية الأرمنية والشتات الأرمني العالمي، والذي تمكن من إحضاره من الأسر في المعتقلات السيبيرية إلى أرمينيا السوفياتية. وبعد ذلك، دعا فازكين الأول سيروني إلى زيارة أرمينيا خمس مرات، وهناك ألقى محاضرات وعقد مؤتمرات ونشر أيضاً مقالات مطولة في مجلات أرمينيا السوفياتية.

كتب سيروني في مذكراته الشخصية -التي نُشرت في يريفان عام 2006 – مُشيراً إلى فازكين الأول وجيله، “لم يتمكن أحد من الوصول إلى القمة كما فعل. إذ لم نتجاوز جميعاً منتصف الطريق”. والواقع أن هذا الجيل لم يتمكن من تحقيق ذاته. فقد هلك بعضهم في الأناضول، والبعض الآخر في بادية الشام. وقد أفلت سيروني نفسه مما هو أسوأ، أولاً على أيدي الاتحاديين، ثم الستالينيين ثانياً، إلا أن جهوده لم تتجاوز منتصف الطريق. 

تحدث سيروني أيضاً عن شغفه بالكتب، فقد تمكن من تكوين مكتبة كبيرة لأربع مرات، لكنه مجدداً اضطر إلى الرحيل  والتخلي عن كتبه. وتبدو سيرته الذاتية نفسها غير مكتملة: فقد كتبها في عهد تشاوتشيسكو ولذا أحجم عن الحديث حول الوقت الذي أمضاه في معسكرات الاعتقال السوفياتية و”الاشتراكية” الرومانية.

كان سيروني شاعراً وكاتب قصص خيالية وصحافياً وناشطاً سياسياً في أول مسيرته المهنية. لكن الكتابة التاريخية تظل هي أعظم تراث أدبي خلفه وراءه. فقد انتهت تحفته الأدبية المكونة من أربع مجلدات -عبارة عن ألفي صفحة حول التاريخ الأرمني في القسطنطينية (القسطنطينية ودورها)- في نهاية القرن التاسع عشر. لكنه لم يتمكن من إنهاء آخر مجلداته الذي يدور حول تاريخ جيله وما شاهده عن كثب وإبادة جيله وأسرته وأصدقائه. بذل سيروني قصارى جهده، لكنه ترك لنا تراثاً يُمكن أن نواصل المسيرة من خلاله: ألا وهو إعادة التفكير في التجربة الأرمينية من المنظور التاريخي الأوسع للشرق الأوسط، حتى لا تظل المأساة التي شهدها الأرمن ودروسها بالغة الأهمية، التي مضى عليها الآن 105 أعوام، طياً للكتمان أو موضعاً للتجاهل.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني