التوحّد: “سينحسر الوباء وتعودون الى صخب حياتكم، أما أنا فلا…”

لا أستطيع إلا أن أشعر ببعض الرضا الآن، وإن كان هذا الإحساس فيه بعض الأنانية، ولكن صرنا الآن سواسية في الحظر الصحي!

أعيش التباعد الاجتماعي بشكل قسري منذ 14 عاماً في ظل اضطراب أصاب ابني اسمه “التوحد” ولم أعرف أن هذا الإجراء يسمى social distancing، إلا مع انتشار وباء “كورونا”.

وكغيري من الأمهات اللواتي لديهنّ أطفال يعانون اضطراب التوحد أنا متكيفة مع هكذا إجراء، فالعزلة الاجتماعية تفرض نفسها في كل مناحي حياتنا. لا يمكننا مثلاً أن نستقبل في بيوتنا ضيوفاً بشكل اعتيادي وعلاقاتنا الاجتماعية في أدنى مستوياتها حتى مع الأقارب، فالاضطرابات التي ترافق المصاب بالتوحّد طوال حياته من صعوبة في النوم وتغير المزاج والسلوكيات النمطية ونوبات الصرع “إن وجدت طبعاً”، تعكسُ ظِلَها الثقيل على يومياتِ أفراد عائلته، فيمارسونَ تباعداً اجتماعيا طوعياً من دون قصد.

تحديات الحجر واحتياجات التوحد

لقد كان من الصعب دائماً أن أشرح لأي كان تفاصيل معركتي اليومية ضد عدو غير مرئي إلى أن اقتحم وباء “كورونا” حياة الناس… الآن فقط ستدركون ماذا يعني أن تقاتل عدواً يراك ولا تراه! يلازمك في كل دقيقة ويختلف عن “كورونا” في أنه يغير أعراضه مع الوقت ويعزلك عن الناس ويأخذ منك شغفك للحياة…

لا أستطيع أن أجزم إذا كان سامي قد شعر بأننا في فترة حجرٍ صحي إجباري، الأمور لم تختلف عن قبل كثيراً… إلا أنني متأكدة من أنه افتقد ساعة المشي المسائية، افتقد الجلوس على حافة سور كورنيش البحر واشتاق إلى ركوب السيارة مع بقاء النافذة مفتوحة ليتحسس الهواء يداعب وجهه.

في ظل العزل الصحي اضطررت إلى إلغاء مواعيد سامي الطبية الضرورية، وأحاول قدر الإمكان أن أجعله يتمتع بصحة جيدة كي لا أضطر للتوجه الى أي عيادة أو مستشفى! فكيف تقنع شاباً مصاباً بالتوحّد بارتداء قناع أو عدم لمس أي شيء حوله أثناء المشي، خصوصاً أنه يعاني من high sensory processing disorder، أي أنه يحتاج إلى إشباع حواسه وبخاصة اللمس… 

سينحسر الوباء وستعودون أنتم شيئاً فشيئاً إلى صخب حياتكم، وأكمل أنا مع رفاق السلاح من عائلات التوحد ممارسة التباعد الاجتماعي إلى الأبد.

لاشك أن تحدي الحجر الصحي في ظل وباء “كورونا” لطفل مصاب بالتوحّد وعائلته كبير جداً، ففي الحالة الطبيعية وخارج زمن الوباء يعتبر تعرض هذا الطفل لأي مضاعفات صحية بسيطة صعب جداً، لأن معظم المصابين بالتوحد، لا يستطيعون الكلام ومن الصعب معرفة أنهم يتألمون. كما أن معظمهم يتمتعون بحساسية عالية وتغير في المزاج كبير جداً فيقرأون قَلقَ مَن حولَهم ويعكسونَهُ في مَجموعة سلوكياتٍ غير متوقعة. سامي ومنذ بداية العزل في البيت يتصرف بعصبية ويبكي فجأة من دون سبب واضح وتغيرت عادات نومه بسبب تغير الروتين اليومي للعائلة كلها. الإيجابية الوحيدة في هذا الموضوع بالنسبة إلى سامي أن والده موجود طوال اليوم في البيت وهذا كفيل بأن يجعله يبتسم ويناديه papa، بلفظ فرنسي لا أعرف حتى الآن سببه!

وأيضاً ضعف التواصل اللفظي الذي يعاني منه المصابون بالتوحد يجعل من الصعب عليهم فهم الحاجة إلى عدم مغادرة المنزل، كما أن البعض مثل ابني سامي مثلاً لديهم “اضطراب التكامل الحسي”، ما يجعلهم يرفضون استخدام المعقمات مثلاً بسبب تركيبتها اللزجة أو رائحتها. ويحذر أطباء من لعق المصابين بالتوحد اليد خلال الثلاثين ثانية الأولى من وضع المعقم لاحتوائه على نسبة عالية من الكحول، وهذا يمثل تحدياً أيضاً بسبب حاجة بعض المصابين بالتوحد إلى الاستثارة الحسية بوضع الأشياء في أفواههم، ما قد يزيد احتمالات إصابتهم بفايروس “كورونا”.

هناك اعتقاد سائد أن إجراء التباعد الجسدي المتبع عالمياً لحصر انتشار الفايروس لا يشكل عبئاً على المصابين بالتوحد لأنهم يفضلون في الغالب عدم الاقتراب من أحد جسدياً، هذا الموضوع هو تحدٍ كبير لهم، لأن بعضهم يرغب في لمس الآخرين كجزء من الاستثارات الحسية التي يحتاجها.

لا خوف عليكم من الإصابة بالتوحد نتيجة الحجر الصحي والتباعد الجسماني…

في الأعوام السابقة في الثاني من نيسان/ أبريل، كان العالم يكتسي باللون الأزرق دعماً للمصابين بالتوحد، إلا أن انتشار وباء “كورونا” شغل العالم وللأسف في فترة الحجر الصحي لم يسلم المصابون بالتوحد من التهكم بقصد أو بغير قصد على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قرأت أكثر من مرة عبارة “الحبس في المنزل سيصيبنا بالتوحد”. إن الغالبية العظمى من الناس لا تعرف أن التوحد هو اضطراب تطوري وليس حالة نفسية ناتجة عن الحجر الصحي! وفي صفحة ثانية كتب أحد رواد التواصل الاجتماعي بالفرنسية الجملة التالية:

“un autiste est plus dangereux que le corona”، وتعني بالعربية: “المصاب بالتوحد هو أكثر خطراً من فايروس كورونا”. لا أعرف ما هو الأخطر في عالمنا اليوم ولكنني على يقين أن أي أحد لم يختر التوحّد على هذه الأرض.

أتابع منذ بداية فترة الحجر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ بدأ سكان الأرض يفتقدون الخروج من البيت والذهاب الى أعمالهم، ويشتاقون لأقاربهم وأصدقائهم… وينتظرون تراجع انتشار وباء “كورونا” وفك الحجر الصحي لممارسة رياضتهم المفضلة في النادي أو تناول وجبات شهية في المطاعم أو حضور فيلم سينما أو المشي في الأسواق. صادر الفايروس حرية ممارسة الحياة بجميع تفاصيلها الصغيرة لدى كل الناس، وأنا لا أستطيع إلا أن أشعر ببعض الرضا الآن، وإن كان هذا الإحساس فيه بعض الأنانية، ولكن صرنا الآن سواسية في الحظر الصحي! جميعُنا محتجزون في بيوتنا مع فارق وحيد هو أنه بعد فترة سينحسر الوباء وستعودون أنتم شيئاً فشيئاً إلى صخب حياتكم، وأكمل أنا مع رفاق السلاح من عائلات التوحد ممارسة التباعد الاجتماعي إلى الأبد.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
شح مخيف بالمعلومات عن الإجراءات المتخذة في دور الرعاية المؤسساتية للوقاية من انتشار العدوى. مخاوف حقيقية تنسحب على ما يمكن أن يحدث خلف أسوار الدور.
ترجمة – New York Times
تقضي المضادات الحيوية على البكتيريا لكنها لا تجدي نفعاً مع الفايروسات. لذا يختبر الباحثون عقاقير مضادة للفايروسات من شأنها تفكيك البروتينات التي يصنعها الفايروس ومن ثم وقف العدوى.
ترجمة – Foreign Policy
الأزمات الوجودية مهمة لتصفية الذهن والتفكير بوضوح؛ فهي غالباً ما تقنع السياسيين بالقيام بإصلاحات كبيرة ومؤلمة لكنها ضرورية، وذلك لأنها ترغمهم على قبول فكرة عدم وجود خيار آخر وأنهم إذا فشلوا في ذلك فلن تُهدم مسيرتهم المهنية فحسب بل بلادهم أيضا
ترجمة – The Guardian
يشعر خبراء بقلقٍ متزايد بخصوص أثر أقل وضوحاً لحالة الطوارئ المتفاقمة، وهو الضغط النفسي الذي تفرضه هذه الأزمة على صحة الأشخاص العقلية، بخاصة الشباب.
ترجمة – Foreign Policy
أضحى موقع “تويتر” أحد أهم مصادر نشر المعلومات المُضللة حول الفيروس.
ترجمة – Salon
“إذا كان بإمكانك الحصول على برغر نباتي له طعم البرغر العادي، لكن من دون أن يموت أحد من أجل صنعه، فلماذا لا تشتريه؟”.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني