fbpx

كيف غيّر “كورونا” حياتنا ومفاهيمنا؟

ربما تصح مقولة "ما بعد كورونا ليس كما قبله"، لكن المشكلة أن لا أحد يملك اليقين حول ذلك الـ"ما بعد".

خلق تهديد جائحة “كورونا” تأثيرات أو تغييرات كبيرة ونوعية، طاولت سلوكيات الأفراد والمجتمعات والدول، وعلاقات النظام الدولي، بما يفوق أي تأثيرات أو تغيرات أخرى، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية، لا سيما أن الأمر يتعلق بهزّة عالمية، لا يمكن أن يتكهّن أحد بمآلاتها، أو تداعياتها، بعد.

إذاً، فعل “كورونا”، هذا الفايروس الخفيّ والتافه والخطير فعله، أكثر من أي شيء، أو حدث، آخر، إذ غيّر سلم الاهتمامات العالمي، للأفراد والشركات والجيوش والحكومات. حتى أن وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والبورصات والمختبرات الدولية أضحت مشغولة به، إلى درجة أن العالم كله بات مجيشاً ضده، بما يفوق التجييش العالمي الذي حشدته الولايات المتحدة الأميركية، للحرب ضد الإرهاب، بعد تعرضها لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001. كأن الأمر يتعلق بفتح صفحة جديدة في تاريخ العمران البشري، مع إدراك التمايز أو التفاوت في أوضاع الدول والمجتمعات، في مواجهتها الخطر المذكور، أو تكيّفها معه، أو لا مبالاة بعضها إزاءه.

في نقاش التغيرات والتأثيرات، التي أحدثها خطر “كورونا”، تمكن ملاحظة الآتي:

أولاً، ربما هذه المرّة، أو التجربة، الأولى، في تاريخ العمران البشري، التي يصبح فيها الخلاص من وباء معين مرهوناً بالانعزال، وفك العلاقة مع الآخرين، بطريقة طوعية، على الضد من المقولة التي مفادها أن “الإنسان اجتماعي” بالطبع، أو بحكم الحاجة، مع تأكيد أن العزلة هنا هي غير الوحدانية، التي تحمل معنى الخصوصية، أو الاستقلالية، فهذا هو القصد من الحجر الفردي، ومنع الاحتكاك بين شخص وآخر. وبدهي أن هذا الوضع، وفق التطورات المتعلقة بمواجهة خطر الفايروس، لا بد ستنجم عنه آثار نفسية، فضلاً عن تأثيراته الاقتصادية والاجتماعية، إذ يصعب، أو يستحيل، العيش، من دون علاقات اجتماعية. ولعله من حسن الحظ أن شبكات التواصل الاجتماعي كانت موجودة، وأنها سدّت فراغاً في هذا المجال، ولنتخيل وضعنا في ظل عدم وجودها في هذه الجائحة التي ضربتنا، إلا أنها، على أهميتها، لا تفي بالغرض تماماً، ولا تعوض البشر عن حاجتهم إلى علاقاتهم ببعضهم بعضاً، لأسباب كثيرة. فأمام الآلة، أي جهاز الاتصال أو اللابتوب، يمكن مثلاً أن تتبادل الكلمات، لكن لا يمكنك أن تعبر عن المشاعر، والأحاسيس، أو تتبادلها.

ثانياً، مثلما بيّن خطر الفايروس وحدة المصير البشري، فإنه بيّن، أيضاً، هشاشة العمران البشري إزاء المخاطر الناجمة عن الطبيعة، وفوق ذلك، فهو كشف عطالة النظام الدولي، أو تقصيره، إزاء التنبؤ بالمخاطر البيئية وإزاء قدرته على إيجاد معالجات لها. وفي الواقع فإن الدول الغنية والشركات العالمية الكبيرة تتشارك مع الدول الفقيرة والأنظمة المتخلفة، بهدر الموارد الطبيعية، والاستهتار بالبيئة، كل بحسب حصّته. ولعل قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب بلده من “اتفاق باريس للمناخ” (حزيران/ يونيو 2017)، الخاص بحماية البيئة، والتخفيف من التسخين الحراري، مثالاً على ذلك، كأنه كان يظنّ أن بلاده في منجى من أي خطر، وأن تحقيق الأرباح أهم من الحفاظ على أهم رأسمال للبشرية، وهو البيئة، أو سلامة الكرة الأرضية. 

فعل “كورونا”، هذا الفايروس الخفيّ والتافه والخطير فعله، أكثر من أي شيء، أو حدث آخر.

ثالثاً، تبعاً لما تقدم فقد تكشّف النظام العالمي عن سوء توزيع مريع، وافتقاد للعدالة، واستخفاف بنوعية الحياة، أو بالحياة ذاتها، في الدول الفقيرة، وحتى عند الطبقات الفقيرة في الدول الغنية ذاتها. وتأتي في الإطار ذاته، هجمات الشركات الاحتكارية وأنظمة الليبرالية المتوحشة، التي ظلت تحاول تقليص التقديمات أو الضمانات الاجتماعية في تلك الدول، لضمان استقرار الشركات الاحتكارية الكبرى ونموّها، وضمان تربّحها، على حساب المجتمعات، وعدم التوازن بين الإنفاق الكبير للمال على التسلح، أو الترفيه، مقابل إنفاق أقل على البحث العلمي، وسلامة البيئة، وعلى الصحة وعلى البني التحتية. ويحضرنا هنا مثال الرئيس الأميركي ترامب، الذي حاول الانقضاض على نظام الضمان الصحي الذي تم إقراره في عهد سلفه باراك أوباما. وفي العموم فقد كشف خطر “كورونا” افتقاد معظم المجتمعات لشبكات الضمان الصحي، والخدمات الصحية، على نحو ما شهدنا في الأزمة الحاصلة، بخاصة مع رؤيتنا الفجوة الكبيرة بين الدول الغنية والدول الفقيرة.

رابعاً، ظهرت الدولة، في أزمة “كورونا”، باعتبارها الفاعل الأساس، والأكثر تنظيماً وقدرة على إدارة المجتمع، وإدارة الأزمة، مقارنة بالفاعلين الآخرين، أي المجتمع المدني والنقابات والأحزاب، وإن ظل لكل منها دوره الضروري والشرعي (مجدداً مع إدراك التفاوت بين دولة وأخرى). وذلك على خلاف بعض تنظيرات، من تلك التي كانت تتحدث عن تضاؤل قوة الدولة لمصلحة فاعلين آخرين، ضمنهم المجتمع المدني، على رغم تباين خلفياتها أو مقاصدها من ذلك الأمر، ما يؤكد الحاجة إلى دولة مهمتها خدمة كل مواطنيها، بغض النظر عن مكانتهم أو طبقتهم الاجتماعية، وإلى مجتمع مدني قوي يراقب هذه الدولة، ويشكل قوة ضاغطة لضمان سلامة وظائفها.  

خامساً، بينما أتى مقترح العزل، أو الحجر، في إطار محاولة حصار “كورونا” وتقليل مخاطره والتصدي له، فإن هذا الوضع، الذي شمل مجتمعات بأكملها، في مدن ودول كثيرة، خلق فرصة لتحولات في عالم العمل، وضمن ذلك تغيير شكله، في المكان والزمان، في آن معاً. وهكذا شهدنا أن الكثير من قطاعات الأعمال تكيفت مع حالة العزل، والحجر، بحيث بات موظفوها يعملون من المنزل، عبر الاستثمار في تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية، مع كل ما يعنيه ذلك من توفير للجهد والوقت والمال والأماكن والطرق. وطبعاً، لا أحد يعرف انعكاسات ذلك مستقبلاً، أو مدى تطوره، ومع ذلك فإنه يمكن القول إن هذا الوضع لا بد سيفرض ذاته مستقبلاً كأحد قطاعات الأعمال، أو كشكل جديد للعمل. 

سادساً، ثمة من يرى أن “كورونا” وضع حداً لمسار العولمة، وأنها عبر ردود فعل الدول، شجعت على النكوص نحو المحلية، كأنها خدمت في ذلك المنحى الكثير من الأنظمة، لا سيما الإدارة الأميركية في ظل ترامب، التي انتهجت خط الانكفاء إلى الداخل، على حساب دورها القيادي المفترض في العالم. بيد أن ذلك الاستنتاج ينم عن تسرع وتبسيط، إذ على رغم ما يبدو أنه إجراءات محلية، لا بد منها، في مواجهة عاصفة “كورونا”، إلا أن انضباط الوحدات المشكلة للنظام الدولي يؤكد العالمية، لا على عكسها، وربما تلك هي أهم خلاصة من الأزمة الحاصلة. وتمكن هنا ملاحظة أن المنظمات الدولية، سواء منظمة الصحة العالمية أو غيرها، لم تقم بالدور المناط بها تماماً، وفقاً لإمكاناتها المحدودة، إلا أن أحد أهم الاستنتاجات التي يفترض اعتمادها، بعد الخروج من أزمة “كورونا”، يتعلق بتعزيز دور تلك المنظمات، باتجاه أكثر فاعلية وتشاركية في صيانة الموارد الطبيعية والبشرية وإدارتها، والحفاظ على سلامة البيئة، وتعزيز دور منظمة الصحة العالمية، وضمن ذلك تطوير دور المنظمات والمراصد ومراكز البحوث المعنية بالبيئة والأحياء والمناخ. 

سابعاً، في ما يخص مسألة الحريات واستقلال الأفراد لا يمكن التسليم بفكرة أن جائحة “كورونا” ستسهل على الأنظمة الاستبدادية، أو حتى الشعبوية، مصادرة حقوق المواطنين، بالقياس إلى الإجراءات التي فرضتها، لأن تلك الإجراءات أتت في ظروف الطوارئ، وتماشت مع الغريزة الأساسية الأولى للبشرية، أي البقاء، وهي تمت في كثير من البلدان بطريقة طوعية، على ما شهدنا خصوصاً في بعض البلدان الأوروبية. صحيح أن فايروس “كورونا” أعاد الناس الذين خرجوا إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم، كما حدث في العراق ولبنان والجزائر مثلاً، لكن تلك ليست نهاية القصة، ذلك أن الجائحة أثارت انتباه الناس في كل مكان إلى أهمية إعادة النظر في الدولة، كنظام لإدارة المجتمع وحمايته وتأمين متطلباته، وضمن ذلك باتت قيمة الحرية ترتبط مع قيمة العدالة الاجتماعية، وضمن ذلك الحق في الضمان الصحي والخدمات الجيدة والنظيفة.

ربما تصح هنا مقولة “ما بعد كورونا ليس كما قبله”، التي شاعت أخيراً، لكن المشكلة أن لا أحد يملك اليقين حول ذلك الـ”ما بعد”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني