المرأة التي خرجت من التفاحة

أكثر فاكهة تعجّ بها سلة المرأة في مجتمعاتنا الشرقيّة هي التفاحة، أمّا الحيوان اللافقري المواكب لخطوها على تراب الحياة فهي الدودة، لماذا التفّاح والدود؟

التفاحة ليست فاكهةً مميّزة على الإطلاق، كثيرة هي الفاكهة التي تتغلّبُ على التفاح طعماً وشكلاً وفائدة، ببساطة لو لم تكن التّفاحة لكانتْ فاكهة أُخرى، كل ما في الأمر أن الحظّ ارتطم بها، وإليها امتدّت يد القاصّ في السلّة، ثم صيّرها بطلة أسطورة الطرد من الجنّة.

في تلك الأسطورة قصمت المرأة ظهر البشريّة، وتسبّبت برميها من علياء النعيم إلى الأرض. لولا المرأة لما كنّا تعرفنا إلى الكوكب الثالث في مجموعتنا الشمسيّة الواقعة في مجرّة درب التبانة، وما كان كل شيءٍ ليكون، ما كانت لتقوم قيامة كلّ الحروب والدسائس والمجاعات والمآسي المُرّة، ما كانتْ لتُبنى الحضارةُ البشريّة. 

ومذّاك، وإحقاقاً للحق، وتثبيتاً لعدالة الأرض، تقرّر أن كلّ امرأة هي أيضاً تفاحة، لا انفصام بينهما، التفاحة خطيئة وغواية، والمرأة كذلك. 

وباتتْ لكلّ امرأةٍ شرنقتها، تفاحتها الخاصة، يتغير لونها وسماكة قشرتها تبعاً لتحرك الحظّ على “بارومتر” الجغرافيا، وفي شرقنا، التفاحة مشبعةٌ بمحلّيات تطيح بالمرأة إلى غيمة المثْلنة، حيثُ هي درةُ التاج الذكوري، هي شرفه، نصاعته، نقاؤه، عليها يقف خروجه من امتحان السمعة الاجتماعية، إما بطلاً مُظفّراً وإمّا مبتور الهامة.

تقرّر أن كلّ امرأة هي أيضاً تفاحة، لا انفصام بينهما، التفاحة خطيئة وغواية، والمرأة كذلك. 

لكنْ مهلاً، هذه المثلنة عينها، قدْ تنقلبُ على نفسها، وتصيرُ عاراً، فتظلّ المرأة تتذبذب نفسيا ووجدانياً في أعمق نقطةٍ منها بين علياء الشرف وقاع العار، ولكم أن تتخيّلوا دُوارها الفكريّ والروحيّ الذي تفتعلهُ رحلتها الأبدية في هذه الحلزونة.

وبجانب السكر المضاف، يقطن ساكنٌ آخر، الدودة سالفة الذكر، وهما عمليّاً يوزّعان الأدوارْ بينهما، ففي حين يتحوّلُ السُكرُ إلى استلابٍ عقائدي، إلى اعتقادٍ راسخٍ لذيذٍ بضرورة الخضوعْ وحتميته الفيزيولوجيّة، تحفر الدودة طريقها إلى أحشاء المرأة، وتتغذّى عليها، إلى أن تنفذ الأحشاء، ثمّ تصيرُ الدودة هي الأحشاء، وتتحرّك سريعاً في جوف المرأة عندّ كلّ محاولةٍ منها لممارسة الحياةْ، وتصدح بعويل خوفٍ غير مرئيّ، يستشعرهُ فقطْ حبل المرأة الشوكي وصولاً إلى مناطق الأمر والنهي في دماغها.

أما كيف أفلتت امرأة من قبضة التفاحة، تلك قصة يحتاجُ شرحها وتشريحها لمبضعٍ حادّ، قبل ذلك بكثير، استأصلتْ المرأة أحشاءها، ونزفت الخوف المتخثّر في دمها، فكما أنّ الدم ملازمٌ لكل دورة إنجاب محتمل، وملازم للإنجاب نفسه، هو أيضاً مقرون بإنجابها لذاتها.

انفضّ الخوف، بصقت الدودة آخر قطرة أوكسيجين، نبتت للمرأة أحشاء أصيلة، تعودُ إلى جذرها الأوّل، إلى تلك اللحظة الأوليّة، عندما كانتْ خواصّها البيولوجيّة والحسيّة والذهنيّة خاماً، قبل أن تُعزل في مختبرات، وتُحوّر خارطتها الجينية لتوائم مفرزات البناء الحضاري، فتنكفئ الخواص على ذاتها، وتتهيّب الحياة.

انهمكتْ المرأة في مختبراتها الفكريّة، نقّبت عن الأنثى الأولى، تنفست أحشاءها الجديدة، ثم خرجت من التفاحة… 


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
استأنفت الدول الأوروبية في الفترة الأخيرة وارداتها المثيرة للجدل من الفوسفات السوري وهو مكون رئيسي في صناعة الأسمدة. وتثري هذه التجارة، التي تستمر بسبب ثغرات في تطبيق العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، الأوليغارشيين الخاضعين للعقوبات والمنتفعين من الحرب والكيانات الحكومية السورية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني