fbpx

بدائعُ القبائح في فنون المدائح: عن طقوس العبادة الأوجلانيّة

يوماً ما، كنتُ أوجلانيّاً. ولكن لم أكن عابداً أوجلان، بل انتقدتهُ في أكثر من مقال، حين كنتُ أدافع عنه في محنته، وأدافع عن حزبه الذي كان النظامان التركي والسوري يستهدفانه، ودفعت ضريبة ذلك.

تبعيّة “حزب الاتحاد الديمقراطي” (السوري) لـ”حزب العمال الكردستاني” (التركي) تجاوزت في ضراوتها تبعيّةَ الأحزاب الشيوعيّة للحزب الشيوعي السوفياتي، قبل انهيار الشيوعيّة. وتجاوزت في عماها العقيدي الحزبوي، تبعيّة الجماعات الجهاديّة السلفيّة والإخوانيّة لأحمد بن حنبل، ابن تيمية، محمد بن عبدالوهاب، حسن البنا، سيد قطب والمودودي. هذه الدوغما واليباس والتحجّر الآيديولوجي لدى الحزب الفرع (PYD) تجاه الحزب الأصل (PKK) لا يوجد أيّ تفسيرٍ له سوى أن الحزب الأصل دائماً يضع الحزب الفرع محل شبهة وشكّ في الولاء والانتماء إلى PKK، رغم كل فروض الطاعة العمياء التي يبديها الحزب الكردي السوري، تجاه الحزب الكردي التركي! لذا، يشتط خيال الأوّل الخصيب إلى ابتداع فنون وتعابير جديد يحاول من خلالها تبديد الشكّ والشبهة على أنه حزب أوجلاني، حتّى أكثر من أوجلان نفسه. ما يجعل هذا الحزب يسقط في مطب الإساءة إلى أوجلان، أثناء كيل المدائح له. هزلُ التبعيّة – التقديس – العبوديّة، وهُزالها يستبدُّ بأحوال الأوجلانيين السوريين، لدرجة أن بعض أنصاره لا يتصوّرون شكل حاضر ومستقبل والتاريخ القريب للشعب الكردي بدون حزب العمال الكردستاني، ولا يتصوّرون العمال الكردستاني بدون أوجلان!؟ ودائماً يتصوّرون السيناريو الأشد انحطاطاً وحضيضاً وتدهوراً وتخلّفاً للكرد وكردستان بدون حزب PKK وزعيمه أوجلان! يوماً ما، كنتُ أوجلانيّاً. ولكن لم أكن عابداً أوجلان، بل انتقدتهُ في أكثر من مقال، حين كنتُ أدافع عنه في محنته، وأدافع عن حزبه الذي كان النظامان التركي والسوري يستهدفانه منذ 2002 – 2010، ودفعت ضريبة ذلك.

قياساً على أحوال الحزب الأوجلاني السوري، وطبقاً لمناسك وطقوس الولاء الأعمى، الحقُّ أنه بات ضرباً من العبط والسخف والبلاهة؛ كلّما ووجِّهت إلى الحزب المذكور وصف التبعيّة لـ(PKK) ينفي ذلك نفياً قاطعاً، معتبراً ذلك؛ “تهمة” تثيرها تركيا وأعوانها وعملاؤها في المنطقة والعالم! ولأن الطبع يغلب التطبّع، فإن دوغما الوعي الأوجلاني الكردي في سوريا، تثيرُ فضائحاً حول نفسها، وتجعل الحزب مضبوطاً؛ متلبّساً بجرم التبعيّة التنظيميّة والعقيديّة، المشهود. إذ لا تكاد تمرّ مناسبة من مناسبات “العمال الكردستاني” الحزبيّة، وإلا يحتفل بها الحزب الكردي (السوري). ومن تلك المناسات: ذكرى تأسيس PKK في 27 نوفمبر 1978. ذكرى انطلاقة الحزب المسلّحة في 15 أغسطس 1984. ذكرى الإضراب عن الطعام في السجون التركية في 14 يوليو 1982. ذكرى اغتيال (استشهاد) القيادي العسكري وأحد مؤسسي العمال الكردستاني؛ معصوم قورقماز – عكيد في 27 آذار 1986. ذكرى اغتيال أحد مؤسسي الحزب؛ حقي قارير في 18 مايو 1977 (أصبح عيد الشهداء عند الحزب). وهكذا وصولاً لذكرى وفاة والدة أوجلان، وذكرى ميلاد أوجلان نفسه في 4 ابريل 1949. ذكرى اختطاف واعتقال أوجلان من نيروبي إلى أنقر في 15 فبراير 1999…الخ! المناسبة الوحيدة التي يحتفل حزب الاتحاد الديمقراطي بها، ويمكن اعتبارها خاصّة به، هي 19 يوليو سنة 2012 التي استلم فيها الحزب سلطة إدارة المناطق الكرديّة في سوريا من نظام الأسد. وذلك الاستلام كان تحصيل حاصل، لعمليّة التعاون والتنسيق بين النظام السوري و”العمال الكردستاني” عملاً بالمشورة الإيرانيّة. 

قياساً على أحوال الحزب الأوجلاني السوري، وطبقاً لمناسك وطقوس الولاء الأعمى، الحقُّ أنه بات ضرباً من العبط والسخف والبلاهة.

آخر ما تفتّقت عنه عبقريّة الدوغما العقيديّة الأوجلانيّة من بدائع الفضائح في فنّ العبادة والمدائح، هو البيان الذي أصدره حزب “الاتحاد الديمقراطي” احتفالاً بالذكرى الواحدة والسبعين لميلاد عبدالله أوجلان، زعيم حزب “العمال الكردستاني”. ونشر الحزب بيانه على موقعه الرسمي تحت عنوان “ميلاد القائد أوجلان ميلاد الشعوب المضطهدة”، وربما سها الحزب عن أن المانشيت والبيان فيهما إهانة وذمّ لأوجلان، على أن قبل ميلاده لم تكن هناك شعوب مضطهدة. غالب الظنّ أن التعبير خان أنصار الأوجلانيين السوريين! وربما هذا التبرير الوحيد لتلك السقطة المهينة والمدوّية التي تقتّق عنها خيال الدوغما الحزبيّة عندهم! 

جاء في البيان المذكور: “لا يمكن اعتبار هذا اليوم يوم ميلاد شخص واحد بحد ذاته؛ إنما مدلولاته تكمن في عمق إنه يمثل يوماً للميلاد الحقيقي للشعوب المظلومة التي تكدست عليها ممارسات القمع والإنكار إلى أن أضمحلت هويتها من كافة الجوانب. (…)ونؤكد بأن حرية القائد أوجآلان هي الحرية الحقيقية لكل الشعوب بينما استمرار بقائه كرهينة يعبر عن استمرار سياسات الإنكار بحق الشعب الكردي وعموم الشعوب المظلومة التواقة للحرية”.

بؤس الحال هذه يشير إلى تجاوز أوجلانيو سوريا أوجلانيي تركيا بأشواط وسنوات ضوئيّة، في ما يتعلّق بعبادة أوجلان. وبل تجاوزوا الكماليين في عبادة كمال اتاتورك، وتمجيد وتقديس الإسلاميين؛ السلفيين والإخوان، لأحمد بن حمبل وابن تيمية، والبخاري، وحسن البنا وسيد قطب، كما أسلفنا!

كُتب أوجلان:

لا خلاف على أن عبدالله أوجلان من أغزر الزعماء الكرد تأليفاً للكتب. وهذا مصدر فخر ومباهاة لدى أنصاره حين يفضّلون زعيمهم على زعماء كرد آخرين. والأوصاف التي يطلقها الحزب وأنصاره على زعيمهم لا تحصى. أقلّها شأناً: المفكّر، الفيلسوف، المرشد، القائد، قائد الشعب الكردي…، كذلك الأغاني والأناشيد التي أنتجها الحزب في وصف عظمة وعبقريّة وفرادة… أوجلان، لا يمكن حصرها.

قبل فترة، حاولت البحث عن كتبه القديمة التي قرأتها حين كنت من أنصار الحزب، وناشطاً ضمن تنظيماته الجماهيريّة في سوريا، (مطلع التسعينات ولغاية سبتمبر 1998، وانتقالي إلى العمل الإعلامي المؤيد للحزب والداعم له حتى منتصف 2011)، فلم أجد تلك الكتب القديمة، باستثناء كتابين أو ثلاث. وكأنَّ كتب أوجلان القديمة، قبل اعتقاله، باتت شيئاً مكروهاً أو غير محبّذ لدى الحزب، لأن الكتب الجديدة التي ألّفها في سجنه، هي نقيض القديمة، على أكثر من صعيد. بخاصة الاستراتيجيّة والأهداف والشروح والتفاسير والطروحات…، التي يمكن اعتبارها من طينة المراجعات النقديّة التي غالباً ما يلجأ إليها الزعماء السياسيون في فترات اعتقالهم الطويلة.

كُتب أوجلان الجديدة، اعتبرها الحزب دستور عقيدته الجديدة. الحقُّ أنها تحتوي على أفكار وطروحات مثير للاهتمام والجدل والأخذ والردّ. هذه الكتب التي تعتبر المرجعيّة العقيديّة الآيديولوجيّة والسياسيّة للحزب، لم تتعرّض لأي نقد من قبل قادته وأنصاره، رغم ما فيها من حشو وتكرار وانزلاق نحو الثرثرة. فإذا أراد أوجلان أن يتحدث عن تفصيل يتعلّق بالقضيّة الكرديّة راهناً، نراه يعود إلى العصر النيوليتي وإلى سومر والحضارات القديمة، والأساطير والميثولوجيا، مروراً بحقبة الأديان السماويّة، وصولاً إلى يومنا هذا! وهذه الطريقة أو المنهجيّة التاريخيّة التي يعتمدها أوجلان، في كل كبيرة وصغيرة، تأخذ ما يزيد من خمسين في المئة من أيّ كتاب من كُتُبهِ الأخيرة التي ألّفها في سجن إيمرالي. تلك الكتب التي تصدر على أنها مرافعات موجّهة إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبيّة، وكان آخرها “مانيفيستو الحضارة الديمقراطيّة” بأجزائه الخمس، لا يوجد فيها ما يوحي بأنها مرافعات قانونيّة، بل هي عبارة عن دراسات ومحاضرات شديدة الاسهاب والإطالة، وتتحدّث في كل شيء، من التاريخ، الميثولوجيا، الفلك، الفلسفة، الفنون والآداب، السياسة، الاقتصاد، الفيزياء، الكوانتوم….، مع وجود بعض المقتطفات المتعلّقة بالقانون والقضاء. يعني هذه الكتب، يمكن أن يكون لها علاقة بأي شيء، إلاّ أن يكون لها علاقة بأصول المرافعات القانونيّة ذات المنحى والأبعاد السياسيّة. وهي أقرب إلى كونها استعراضات تاريخيّة، اجتماعيّة، سياسيّة مشوبة بالحشو والتكرار والثرثرة، وتوجيهات حزبيّة، وانتقادات لحزبه ورفاقه، أكثر من كونها دفوع ومرافعات قانونيّة أصيلة.

بؤس الحال هذه يشير إلى تجاوز أوجلانيو سوريا أوجلانيي تركيا بأشواط وسنوات ضوئيّة، في ما يتعلّق بعبادة أوجلان.

تلك الكتب، كما أشرت، تتحدّث عن ما هب ودبّ من العلوم، ويجري فيها أوجلان مقارباته التاريخيّة، السياسيّة، الاجتماعيّة، الفكريّة، الفلسفيّة…، من دون أن يذيّل أي فصل من فصول كتبه بلائحة المراجع والمصادر التي اعتمد عليها في تأليف “بحوثه” و”دراساته” تلك! ولم يسأل الحزب أو أنصاره؛ ولو مرّة واحدة، عن مراجع ومصادر الزعيم، إلى جانب الانبهار والافتتان بعبقريّتهِ وعَظمته وثراء كتبه! وبالتالي، عدم وجود مراجع ومصادر في أي بحث، يفقده أبزر مبادئ ومعايير المنهجيّة العلميّة!

النقد ومبدأ المحاسبة:

بحسب اطلاعي على تجربة حزب العمال الكردستاني، لا يوجد في مؤتمراته، قبل اعتقال أوجلان وبعده، أي ملمح من ملامح نقد الزعيم. في حين أن أوجلان، وفي كل كتبه السابقة والأخيرة، كان وما زال يحمّل الحزب مسؤوليّة عدم تحقيقه الأهداف، وارتكابه الأخطاء، والانحرافات والتخريبات التي شهدها الحزب عبر تاريخه. وأنه كزعيم قام بدوره على أكمل وجه. انتقادات أوجلان لرفاقه وقيادات حزبه كانت تصل أحياناً إلى حدّ الإهانة والشتم. وكانت تسيطر عليه ذهنيّة سيكولوجيّة البرجوازي – الرأسمالي الذي يهين عمّاله وموظّفيه، وكأنّهُ مالكٌ لشركة أو معمل، وليس زعيماً لحزب مؤسساتي. وكل الذين انشقوا عن العمال الكردستاني، ومن قياداته المؤسسة والبارزة، لم يكونوا يجرأون على انتقاد أوجلان، أثناء تواجدهم داخل الحزب، وبدأوا ينتقدونه، حين انشقوا وابتعدوا عن هذا التيّار. صحيح أن أوجلان لديه شخصيّة عصابيّة ستاليتيّة، مشوبة بجنون العظمة، وهذا واضح في كتبه، حين يشبّه نفسه بالأنبياء (ابراهيم الخليل، محمد، موسى، عيسى…، وبطرس الرسول” لكن الصحيحُ أيضاً أن الحزب ألغى عن نفسه صفة المؤسسة والعمل المؤسساتي، حين لم يمارس مبدأ الرقابة والمحاسبة بحق أوجلان، وجعل نفسه بمثابة شركة يملكها أوجلان، أو ورثها عن أبيه. ذلك أن الحزب، لم يسائل أوجلان عن تشبهه نفسه بالأنبياء، والشخصيّات الدينيّة، بينما العمال الكردستاني حزب علماني، يساري! كذلك قبل الحزب بكل الأوامر والتوجيهات التي أصدرها أوجلان من داخل سجنه، دون قيد أو شرط. زد على هذا وذاك، قبل اعتقال أوجلان وبعده، الكثير من توجيهاته ووعوده وشعاراته التي طرحها وأمر الحزب الالتزام بها، أثبتت الأيّام خطأها وعدم تحققها. على سبيل الذكر لا الحصر، قول أوجلان سنة 1991 أن “عام 2000 سيكون عام استقلال وتحرير كردستان”! وأتى عام 2000 وأوجلان في سجن جزيرة إيمرالي، وقد تخلّى عن هدف الاستقلال، وصار يطالب بالجمهوريّة الديمقراطيّة والأمة الديمقراطيّة (التي هي مزيج أمم وشعوب تركيا والشرق الأوسط!). ليس هذا وحسب، بل صار يشيطن الدولة القوميّة الكرديّة، ويهاجمها، ويهاجم إقليم كردستان العراق، على أنه كيان تابع للامبرياليّة والصهوينيّة واسرائيل…، بنفس الطريقة البعثيّة إيّاها في شيطنة أيّ مطلب قومي كردي! ورغم هجومه الشديد على إقليم كردستان العراق والقيادات الكرديّة العراقيّة، في كتبه الأخيرة، بخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وزعيمه مسعود بارزاني، إلاّ أن أوجلان في صيف 1983، أبرم اتفاق تعاون مشترك مع الحزب الكردي العراقي وزعيمه في دمشق، لتشكيل جبهة موحّدة ضد تركيا وأمريكا والامبرياليّة. ونشرت جريدة “سرخوبون” الناطقة باسم العمال الكردستاني نص الاتفاق في عدد تموز 1983، كما نشرت حواراً مع مسعود بارزاني وقتذاك، وظهر فيه الأخير كمناضل ثوري تقدّمي ضد الاستعمار والامبرياليّة وتركيا! وإذا كان بارزاني رجل تركيا وإسرائيل وأمريكا والامبرياليّة سنة 2000-2010، لماذا وقّع معه أوجلان اتفاق تعاون وتنسيق ضد تركيا وأمريكا والامبراليّة سنة 1983؟! وإذا كانت كردستان العراق ألعوبة بيد أمريكا والصهيونيّة والامبرياليّة، لماذا كتب أوجلان رسالة إلى جلال طالباني في 15/12/1998، أثناء تواجده في روما، وقبل اختطافه بشهر، قال فيها حرفيّاً: “إننا نثمّن جميعاً علاقاتكم الشرق أوسطيّة، وبشكل خاصّ القائمة بينكم وبين إيران. إذا فكّرت في العودة إلى الشرق الأوسط، فسوف اختار منطقتكم. لذلك آمل منكم القيام بالترتيبات اللازمة منذ الآن في إيران، وتحديد برنامج زمني ملائم من أجل ذلك”. وعليه، لم يختر أوجلان جبال قنديل، حيث توجد قيادة حزبه، بل اختار مناطق نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني، داخل كردستان العراق. ويطلب الحماية من إيران! بالتالي، دائماً كان أوجلان ينتقد حزبه ويحمّله مسؤوليّة الاخفاقات والمراوحة في المكان، وينفي عن نفسه المسؤوليّة. ويحاسب الحزب بشدّة وصرامة. ولكن الحزب، في أيّ من مؤتمراته، عقب 1986 وحتى اللحظة، لم يتوجّه إلى نقد ومحاسبة الزعيم، على سياساته وتصريحاته وأوامره الخاطئة التي ألحقت الضرر بالحزب والشعب والقضيّة الكرديّة!

سجن أوجلان:

السجن سجن، حتّى لو كان قصراً منيفاً بحدائق غنّاء. ومع سوء أوضاع السجون التركيّة، إلاّ أن سجن إيمرالي، أفضل بكثير من السجون التركيّة إبان انقلاب 12 سبتمبر 1980، حيثُ اعتُقِلَ الكثير من رفاق أوجلان من القيادات المؤسسة لحزب العمال الكردستاني (مظلوم دوغان، كمال بير، خيري دورموش، فرهاد كورتاي، ساكنة جانسيز، مصطفى قره سو، كاني يلماز…) والآلاف من كوادر ومقاتلي الحزب الذين تعرّضوا لأشدّ أنواع التعذيب الرهيب. منهم من قضى نحبه وفقد حياته ولم يتنازل عن قناعاته ومبادئ، ومنهم من خذل وخان رفاقه. وهذه طبائع السجون والسجناء. وعليه، سجن إيمرالي، لم يكن كسجن دياربكر الرهيب، ومع ذلك، تنازل أوجلان سنة 2000 عن الأهداف التي لم يتنازل عنها رفاقه سنة 1982، فماذا لو اعتقل أوجلان سنة 1980 ولاقى وما لاقاه رفاقه المذكورون آنفا؟!

في أماكن عدّة من كتبه، وتصريحاته، يشير أوجلان إلى أنه لن يفعل ما فعله رفاقه (إضراب عن الطعام، مقاومة)، لأن حياته مهمّة بالنسبة للقضيّة الكرديّة، باعتباره القائد. لكن ليس إلى هذه الدرجة. ذلك أنه منذ اعتقاله، أضربَ عشرات الآلاف من السجناء السياسيين من أنصار وأعضاء وقيادات الحزب، عن الطعام بهدف تحسين أوضاع سجن أوجلان، وإزالة التجريد عنه والسماح له بلقاء أهله ومحاميه، إلاّ أنه، لم يُضرِب عن الطعام لمدّة أسبوع، أو عدة أيّام، ليس لأجل تحسين أوضاعه في السجن، بل كنوع من التضامن مع رفاقه السجناء، وإبداء الحزم أمام الأتراك! هذه لم يفعلها أوجلان، حتى اللحظة. وغالب الظن أنه كان يعتبر دخول السجناء في إضراب عن الطعام لأجله، إحراجاً له. لذا كان يستجيب لنداءات الحكومة التركيّة، ويتدخّل، ويأمر رفاقه السجنّاء، بفكّ الإضراب عن الطعام وإيقافه! ويوجّه انتقادات شديدة إلى قيادة الحزب في جبال قنديل التي أمرت السجناء بالدخول في الإضراب!

صحيح أن الدولة التركيّة وحكومة العدالة والتنمية لم تستجب لأي من نداءات أوجلان السلميّة. إلاّ أن الصحيح أيضاً أن الدولة التركيّة ومنذ 15/2/1999 وحتّى لحظة كتابة هذه الأسطر، هي التي تحمي عبدالله اوجلان. ومن غير المعروف حجم ما صرفته أنقرة على سجن أوجلان حتى الآن، وتأمين احتياجاته كسجين! ولو كانت تركيا تريد التخلّص من أوجلان، لاستغلّت محاولة الانقلاب الفاشلة، وحالة الفوضى التي نشبت في البلاد، وتحججت بأن إحدى طائرات الانقلابيين قصفت جزيرة إيمرالي، أو أن أحد الانقلابيين قام بتسميم أوجلان. لكن واقع الحال، أن تركيا ما زالت ملتزمة بالوعود التي قطعتها لأمريكا وإسرائيل وكل الأطراف المشاركة في اختطاف أوجلان، بأن تحمي الأخير. حتّى الآن، نجحت أنقرة في تحقيق ما فشل حزب العمال الكردستاني في تحقيقه وهو حماية زعيم الحزب الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابيّة. وغالب الظنّ، لا أوجلان ولا تركيا ولا العالم، يمكنه ضمان الحفاظ على حياة أوجلان، إذا أطلقت تركيا سراحه، واستلم العمال الكردستاني مهمة حماية زعيمه المُفدّى. بالتالي، حال هذا الحزب كحال من اتخذ أوجلان إلهاً، لكنهُ عاجزُ عن حمايتهِ، وهذا الإله أيضاً عاجز عن حماية نفسه، ولا يثق بقدرة رفاقه في حمايته. ولو لم يكن الأمر هكذا، لما كاتبَ أوجلان إلى طالباني، وطلب منه ترتيب الأوضاع مع الإيرانيين، في منتصف ديسمبر 1998. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني