fbpx

“كورونا”… أقسى حروب ميركل خلال ولاياتها الأربع

ارتفعت شعبية المستشارة ميركل في استطلاعات الرأي بمعدل غير مسبوق بسبب طريقة تعاملها مع أزمة عدوى فايروس "كورونا".

أعادت جائحة “كورونا” المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى الأضواء بعدما كانت أزاحت نفسها وخففت من مسؤوليتها الحزبية بالخروج من زعامة الحزب الحاكم، بانتظار انتهاء ولايتها الرابعة في المستشارية، واتخاذها القرار الصعب والحاسم بعدم الترشح لولاية خامسة بعد الضربات المؤلمة، والانتقادات السياسية التي واجهتها من منافسيها ومعارضي سياساتها داخل الحزب، ومن خصومها في الأحزاب الحليفة والعدوة على حد سواء، وفي مقدمها “حزب البديل من أجل ألمانيا” الشعبوي. لم يكن أمام المستشارة التي خضعت للعزل لمدة أسبوعين بعد شكوك بإصابتها بعدوى الفايروس القاتل، غير الخروج بعد سرعة انتشاره في بلادها، إلى الشعب في خطاب مؤثر دعته فيه إلى الانضباط الشخصي والتقيد بتعليمات العزلة الاجتماعية وتجنب الرعونة في التعامل مع المخاطر، التي يحملها هذا العدو الخبيث والمجهول على سلامة الأفراد الشخصية وصحة أحبائهم من الكبار في عائلاتهم، لأن عدم الالتزام بالإجراءات المتخذة سيؤدي إلى “تهديم ما بنيناه وحققناه من إنجازات طيلة عقود متتالية”. 

لفتت ميركل الانتباه إلى أن فايروس “كورونا” هو التحدي الأكبر الذي يواجهه العالم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، وتساءلت: “هل سيكون بمقدور الألمان مواجهته وتقليص آثاره وعواقبه الصحية والاجتماعية والاقتصادية؟ وأجابت بنفسها قائلة: “هذا سيعتمد قبل كل شيء على حكمة كل مواطن منا جميعاً”. 

كشفت مؤشرات انتشار الوباء تضاريس مجتمعية وثقافية كانت تحجبها سطوة المال والاعمال والقوة في النظام العالمي. ورصد خبراء أهمية عوامل مثل الانضباط الاجتماعي والتضامن والقيم الثقافية ما وصفته تقارير إعلامية بـ”معجزة” الانتصار على الفايروس الفتاك. وفي ألمانيا تسلطت الأضواء على العوامل المؤسساتية مثل منظومة الصحة والتدابير الاحترازية وحسن ادارة المستشارة ميركل للمرحلة، الأمر الذي ساعد على تحقيق أدنى معدلات وفيات (أقل من 2 في المئة)، بين المصابين بـ”كوروبا”، مقارنة بدول أوروبية أخرى، مثل فرنسا التي تجاوز فيها المعدل نسبة 7 في المئة، وفي إسبانيا وصل إلى نسبة 11 في المئة، وفي إيطاليا 12 في المئة بحسب تقرير نشره موقع “دويتشه فيلله” الألماني. هذا دفع صحيفة “نيويورك تايمز” في عددها الصادر في 4 نيسان/ أبريل إلى استخدام تعبير “الاستثناء الألماني”. بالتأكيد هذه النتائج لم تكن لتتحقق لولا الكثير من العوامل الاجتماعية والثقافية التي لعبت دوراً محورياً في تحقيق التفوق الألماني، ومن ضمنها طريقة تنظيم العلاقات الاجتماعية ورعاية المسنين وثقافة الانضباط الاجتماعي واحترام القانون، حتى عندما يتعلق الأمر بمناسبات وتقاليد اجتماعية عريقة، مثل عيد الفصح الذي طلبت المستشارة التخلي خلاله، على رغم مكانته الدينية والاجتماعية عند الألمان، عن الزيارات العائلية والرحلات بعد إغلاق الدول الكنائس والأديرة والمعابد في البلاد. في السياق، رصدت صحيفة “لابريس” الكندية الناطقة بالفرنسية في عددها في الرابع من نيسان نقلاً عن اقتصاديين ألمانيين، هما كريستيان باير وموريتز كون من جامعة بون، أن “العامل الثقافي في ألمانيا يلعب دوراً كبيراً في مواجهة الفايروس”، على خلاف إيطاليا التي يسود فيها التعايش الاجتماعي أكثر من ألمانيا، ففيما يعيش 20 في المئة من الإيطاليين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و49 سنة مع ذويهم، لا تتجاوز النسبة 6 في المئة في ألمانيا”. وأظهرت دراسة أنجزها فريق من الباحثين في جامعة “مانهايم” الألمانية بإشراف عالمة الاجتماع آنولين بلوم نشرت صحيفة “تاغيس شبيغل” البرلينية ملخصاً لها، أن “الألمان يواصلون الالتزام بقواعد الحجر الصحي الأكثر صرامة، وخصوصاً التباعد الاجتماعي، ونسبة الالتزام الصارم تصل الآن إلى 59 في المئة”. 

بنية تحتية صلدة وانضباط اجتماعي صارم

على رغم أن ألمانيا تحتل المركز الرابع عالمياً من حيث عدد الإصابات بحسب تصنيف “منظمة الصحة العالمية”، إلا أن عدد الوفيات مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى لا يزال منخفضاً، إذ قدر معهد روبرت كوخ عدد حالات الإصابة في ألمانيا بـ26155 حالة، مقابل 110 وفاة. وعزت “فايننشل تايمز” ذلك إلى أن الشباب الأصحاء الذين يصابون بكورونا يتعافون أسرع نسبياً من الأكبر سناً، إضافة إلى قدرة ألمانيا على إجراء الفحوص المبكرة على الحالات المشتبه بها. وتشير بيانات الصحة الألمانية إلى أن المختبرات الألمانية تجري نحو 16 ألف فحص في الأسبوع، وهو رقم أكبر من الفحوص الإجمالية في الدول الأوروبية كلها منذ بدء الازمة. 

أثار النهج الألماني في التعامل مع “كوروناً اهتمام فرنسا رسمياً وأكاديمياً وشعبياً وإعلامياً، وواجهت السلطات الفرنسية ضغوطاً كبيرة، بخاصة بعدما استقبلت مستشفيات ألمانية مرضى فرنسيين، بل وتواردت تقارير في الصحف الفرنسية عن احتمال قيام الجيش الألماني بمساعدة فرنسا. وأول استغاثة تلقتها ألمانيا من فرنسا وصلت من مدينة غران إيست التي تعرف بمقاطعة الشرق الكبير وهي التي كانت ثالث بؤرة لتفشي الفايروس، وجاءت هذه الاستغاثة بعدما عجزت مستشفيات مدينتي كولمار وميلوز عن استقبل المزيد من المرضى. وكانت المدينة المتاخمة للحدود بادن فورتنبيرغ أول ولاية ألمانية تلبي النداء الفرنسي، ومن ثم تقدمت ولايات أخرى منها سارلاند، ورينانيا بالاتينا، وهيسن لتقديم العون للفرنسيين. وما يلفت الانتباه أن نظرة الجيش الفرنسي للجيش الألماني (بوندسفير) تجاوزت تابوهات الماضي حيث تعشعش ذكريات مؤلمة لبلدين مزقتهما قرون من الحروب الدامية لتدفع أوروبا الموحدة الألمان والفرنسيين إلى استكشاف دروب الصداقة والتعاون في هذه اللحظات العصيبة. فلقد كشف موقع “دير شبيغل” في عدد 26 آذار/ مارس الماضي عن اتصالات عسكرية على المستوى الجهوي لبحث إمكان مساهمة الجيش الألماني في تقديم مساعدة عاجلة لفرنسا على ضوء حالة الطوارئ السائدة هناك”. وظهرت صحيفة “لوبس” الفرنسية بعنوان بارز “سنفعل كل ما بوسعنا لمساعدة الفرنسيين”، نقلاً عن الدكتور هاتموت بروكلة رئيس قسم الانعاش والعناية المركزة في مستشفى مدينة فرايبورغ في ولاية بادن فورتنبرغ الذي أبلغ الصحيفة أن “القضاء على الجائحة ممكن بطريقة واحدة فقط هي التعاون بيننا”. 

تمتلك ألمانيا بنية تحتية طبية متطورة تغطي مناطق البلاد، مكنتها من إجراء اختبارات واسعة على الفايروس على الوافدين والعائدين من المناطق المبوءة كالصين وإيطاليا والنمسا، وفرض الحجر الصحي على الجميع، وقالت سوزانا غلاسماخر، المتحدثة باسم معهد “روبرت كوخ”، وهو مؤسسة حكومية مخولة بتقييم مخاطر الوباء في ألمانيا “لقد أوصينا بحملة فحص واسعة في أولى علامات الوباء للكشف عن الإصابات بأسرع وقت ممكن وإبطاء العدوى”. 

حق المواطن في الطبابة قبل شيء

منذ عقود استثمرت ألمانيا مئات ملايين اليورو لتجهيز بنيتها الصحية بكل ما يساعدها على مواجهة مخاطر لم تكن في الحسبان. فلقد كانت أعدت في الأوقات العادية 20 ألف سرير للإنعاش والرعاية المركزة، ورفعت العدد الآن خلال الأزمة إلى 40 ألفا، منها 30 ألفاً مع أجهزة التنفس، في حين أن فرنسا تمتلك 5 آلاف سرير فقط، رفعتها بشكل عاجل إلى 14 ألفاً، وفي بريطانيا 4 آلاف سرير فقط. هذا يعني أن النظام الصحي الألماني يوفر 6 أسرة لكل ألف شخص، ما يجعلها في المرتبة الثالثة عالمياً بعد اليابان وكوريا الجنوبية، فيما تمتلك إيطاليا 2. 75 سريراً لكل ألف شخص وإسبانيا 9.2، وفرنسا ثلاثة فقط. 

على رغم أن ألمانيا تحتل المركز الرابع عالمياً من حيث عدد الإصابات بحسب تصنيف “منظمة الصحة العالمية”، إلا أن عدد الوفيات مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى لا يزال منخفضاً.

يعتقد في ألمانيا وفقاً للميديا المحلية أن موظفاً صينياً يتنقل بين مصنع لقطع غيار السيارات في بافاريا ومصنعين في ووهان (بؤرة الوباء الأولى) هو مصدر سلسلة العدوى الأولى في ألمانيا، ولقد تم الإبلاغ عن إصابته في 28 كانون الثاني/ يناير. وبعد يومين على ذلك تم تحديد جميع من التقوا بالمريض صفر، وكانت الحصيلة 16 إصابة، حينها تنفس المسؤولون الصعداء بعد نجاح ألمانيا في احتواء سلسلة الوباء الأولى. ويقول الطبيب كليمينز فينتنر الذي عالج مرضى ميونيخ: “تعلمنا أنه من الضروري أن نتعقب بكل دقة سلسلة العدوى لكسرها. وتعاون فينتنز مع بعض من أكبر علماء ألمانيا في ما أصبح يعرف لاحقاً باسم سلسلة ميونيخ، وقدموا النصح لحكومة بافاريا حول كيفية التحرك”. وقال كريستيان دروستن وهو أحد أكبر علماء الفايروسات في برلين إن “من العوامل التي أفادت ألمانيا وجود سلسلة واضحة مبكرة من الإصابات”. وكان دروستن، واحداً من أكثر من 40 عالماً شاركوا في فحص مجموعة ميونيخ، وتم توثيق عملهم في وثيقة نشرت على موقع “إ. دي . آر”، ولكنها لم تحظ حتى الآن بمراجعة من أقرانهم من العلماء وفقاً للميديا الألمانية. 

كيف نضع كوفيد 19 تحت السيطرة؟

تشير حسابات العلماء الألمان في دراسة أعدوها تحمل عنوان “كيف نضع كوفيد 19 تحت السيطرة؟”، إلى أن حوالى مليون شخص في ألمانيا سيصابون بالمرض، لكن 12 ألفاً فقط سيموتون بسببه، وهذا عكس توقعات سابقة بأن الفايروس سيصيب 60 إلى 70 في المئة من السكان، وبالتالي فإن المستشفيات لن تتمكن من استقبال 80 في المئة من المرضى المحتاجين لوحدات العناية المركزة. وكانت مجلة “دير شبيغل” نشرت تقريراً سابقاً ذكر أن الطاقة القصوى للمختبرات الألمانية القادرة على تحليل الفايروس واكتشافه والبالغ عددها 47، بإمكانها إجراء 160 ألف تحليل في الأسبوع، فيما استطاعت كوريا الجنوبية إجراء أكثر من ضعف ذلك، على رغم أن الاصابات لديها لم تكن تتجاوز حاجز العشرة آلاف إصابة. وقال وزير الصحة ينس شبان: “إن قدرات ألمانيا في اجراء الفحوص للكشف عن الإصابة بالفايروس لا تزال تفوق دولاً أخرى”. وأضاف، “يجب استخدام الفحوص بشكل انتقائي”، متابعاً: “ما زلنا الآن في مرحلة الهدوء الذي يسبق العاصفة” في إشارة إلى المعدل المنخفض لعدد الوفيات. 

يرفض الألمان خطط تخفيف القيود المفروضة على الحياة العامة في البلاد الرامية إلى تقليص انتشار الفايروس في 20 نيسان 2020. وكشف استطلاع للرأي اجراه معهد “سيفي” لمصلحة مجلة “بيزنس انسايدر”، أن “56 في المائة من الألمان يعتبرون أن رفع القيود ما زال أمراً سابقاً لأوانه”، مقابل 30 في المئة يرون ذلك أمراً مناسباً، فيما قال 9. 4 في المئة أن تخفيف القيود في هذا التاريخ سيكون قد فات أوانه”. 

سيناريوات علمية عن امتداد الوباء

وقدم علماء من جامعتي “ماينز” و”هامبورغ” الألمانيتين بقيادة عالم الفايروسات بودو بلاختر نموذجاً علمياً يتوقع مسار الوباء في ألمانيا في الفترة المقبلة. ووفقاً لشبكة SWR الألمانية فإن الدراسة تضمنت سيناريوين، الأول أن مسار الفايروس في ظل الإجراءات الوقائية للعزل الاجتماعي حتى أواخر نيسان، سيؤدي إلى “انفجار العدوى لتبلغ ذروتها في حزيران/ يونيو بعدد إصابات تبلغ حوالى مليون و300 ألف شخص، السيناريو الثاني ينص على أنه “إذا تم تمديد الإجراءات وإغلاق المدارس لشهرين إضافيين فإن عدد الحالات سيقل بـ100 ألف عن مؤشرات السيناريو الأول، وبالتالي فإن ذروة المرض ستكون في تموز/ يوليو”. ودعا رئيس معهد روبرت كوخ لوتار فيلر الألمان إلى أن “يأخذوا الفايروس على محمل الجد”، وذلك في تعليق له على بيانات أظهرها استطلاع للرأي يشير إلى “أن 41 في المئة فقط من الألمان يرون كورونا خطراً عليهم”. 

شعبية ميركل ترتفع

ارتفعت شعبية المستشارة ميركل في استطلاعات الرأي بمعدل غير مسبوق بسبب طريقة تعاملها مع أزمة عدوى فايروس “كورونا”، وذلك على رغم تسجيل حوالى 4 آلاف إصابة يومياً، ويعود ذلك إلى أن ألمانيا تبقى اقل تأثراً من بعض جيرانها، لا سيما من حيث عدد الوفيات. وقالت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية إن المستشارة (الرصينة) هي “الزعيمة التي تحتاجها أوروبا في خضم أسوأ أزماتها وقت السلم”. وعاد “الحزب الديموقراطي المسيحي” الذي تقوده ميركل إلى صدارة المشهد مرة أخرى، بعدما كان فقد الكثير من شعبيته، وحقق ارتفاعاً بسبع نقاط في أحدث استطلاع أجرته قناة “زي دي اف”، ما يعد تقدماً غير مسبوق، إذ وصلت النسبة إلى 35 في المئة. وظهر أن حزب البديل اليميني المتطرف والشعبوي هو أبرز الخاسرين، إذ تراجعت شعبيته إلى ما دون 10 في المئة. وقالت صحيفة “دير شبيغل”، إن “ثمة عودة داخل حزب البديل كانت غريبة عنه إلى فترة قريبة مثل التضامن والعقلانية والثقة في قرارات السلطة للتعامل مع الجائحة”. واستدركت التحذير من إمكان رجوع هذا الحزب إلى الواجهة في حال نشوب أزمة اقتصادية واجتماعية بعد القضاء على الوباء لمهاجمة السلطة وتحميلها المسؤولية لكسب الناخبين مجدداً. وأظهر استطلاع أجراه معهد “يوغوف” بتكليف من وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) نشرت نتائجه في 11 نيسان، أن “ثلثي الألمان يشعرون بالرضا عن إجراءات إدارة الأزمة التي اتخذتها الحكومة الاتحادية لمكافحة فايروس كورونا، وجاء رأي 66 في المئة ممن شاركوا في الاستطلاع إيجابياً بشأن استجابة الحكومة الألمانية بقيادة ميركل. وشكل هذا زيادة في نسبة التأييد منذ آخر استطلاع أجري قبل أسبوعين، والذي أعطى خلاله 54 في المئة من المستطلعة آراؤهم رأياً إيجابياً. وتراجعت نسبة الذين أعربوا عن عدم رضاهم من 38 في المئة إلى 27 في المئة في الفترة الزمنية ذاتها. وشمل الاستطلاع 2045 شخصاً، خلال الفترة بين 7 و9 نيسان. 

ستبقى ميركل الأكثر شعبية في نظر الناخبين الألمان، مقارنة بجميع السياسيين من مختلف الأحزاب، وهذا يحدث ليس بسبب تعاطيها الناجح مع الجائحة فقط، ولكن بخروجها منتصرة من جميع الأزمات التي واجهتها ألمانيا وأوروبا والعالم خلال السنوات الـ14 من قيادتها للفيدرالية. 

اشتهر المستشارون الألمان كل حدة خلال فترة حكمه بتحقيقه انجازات مستحيلة في اوقات عصيبة. فلقد عرف لودفيغ إيرهارت الذي تولى منصب المستشارية في ألمانيا الغربية في 16 تشرين أول/ أوكتوبر 1993 إلى الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1996 بإصلاحاته الاقتصادية أيام عمله وزيراً للاقتصاد في حكومة سلفه أديناور. وهو صاحب نظرية “اقتصاد السوق الاجتماعي” التي أنجزت المعجزة الاقتصادية الألمانية بعد خروج ألمانيا مدمرة تماماً من الحرب العالمية الثانية، وهو مؤلف كتاب “الرفاهية للجميع”. ويلي برانت الذي شغل لفترات طويلة منصب زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، فلقد ترك بصماته على تأريخ البلاد، وكان تقلد منصب المستشارية من 1969- 1974، وحصل على نوبل للسلام لجهوده في تحقيق المصالحة بين ألمانيا وبلدان أوروبا الشرقية الشيوعية، إضافة إلى تعزيزه التكامل الأوروبي. ومن ثم هولمت كول الذي أصبح مستشاراً في الفترة 1982 حتى 1990 حيث السنوات الستة عشر التي أمضاها في الحكم هي الأطول بعد أوتو فون بسمارك, وشهد كول نهاية الحرب الباردة وهو يعتبر على نطاق واسع العقل المدبر لإعادة توحيد ألمانيا، ومهندس معاهدة ماستريخت التي وضعت أسس الاتحاد الأوروبي وعملة اليورو. وذاع صيت غيرهارد شريودر الذي شغل منصبه في الفترة 1988-2005 بأنه مستشار الإصلاحات. وصفت وكالة الانباء الألمانية “د. ب. أ”، ميركل بأنها مستشارة الأزمات، وقالت إن “الأزمات لطالما رسخت من مواقع ميركل السياسية” في ولايتها الاربع حيث واجهت أزمة الديون التي هددت بتهديم أعمدة منطقة اليورو في 2008، ولكنها واجهت تداعياتها بنجاح غير مسبوق بشكل رفع من أسهم حزبها في انتخابات عام 2013. وعام 2011 أدت الأزمة التي أحدثها زلزال اليابان الكبير في آذار/ مارس في مفاعل يوكوشيما النووي إلى اتخاذ قرار لا تحيد عنه وأصرت على أن تغير سياساتها بشكل دراماتيكي بتخليها عن دعمها مشاريع الطاقة النووية، وإصرارها على برامج بديلة من الطاقة النظيفة. وعام 2015، واجهت كارثة إنسانية محدقة في هنغاريا مع تسونامي موجات اللجوء من سوريا وقرارها الذي كاد ينهي حياتها السياسية بفتح الحدود أمام اكثر من مليون لاجئ. ومن ثم واجهن وبعزم ثابت آثار الزلزلال التي أحدثه في أوروبا الموحدة قرار بريطانيا عام 2016 بالخروج من الاتحاد الأوروبي والنتائج الصادمة للاستفتاء على الانسحاب من المشروع الأوروبي، والآن تجد ميركل نفسها بمواجهة أسرش أزمة في حياتها السياسية الشائكة مع تصاعد عدوى فايروس “كورونا” في ألمانيا وأوروبا والعالم وابتلاعه مع مرور الأيام آلاف الضحايا من المصابين بالعدوى الذين يتسارع عددهم ليصل الى حوالى مليوني نسمة”. فهل سيكون الانتصار في هذه الحرب المستعرة ثمرة سنواتها الطويلة في الحكم والتي جعلتها المرأة الرقم الصعب في السياسة الدولية قبل أن تعود لممارسة هواياتها المفضلة بعيداً من صخب ما يسمى لعبة الأمم وقذارتها، وبعيداً من المؤامرات الصغيرة والكبيرة في عالم السياسة؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني