fbpx

لن يتغير العالم بسبب “كورونا”!

على رغم تطور عالمنا وحكوماتنا، مقارنة بالتي كانت موجود في القرن الرابع عشر، فإن رد الفعل يشبه أيام الطاعون الأسود.

من المحتمل أنك قد سمعت أو قرأت الكثير من الآراء الواثقة من نفسها في مختلف دوائر المثقفين التي تتنبأ بتغير شكل العالم على شتى الصعد بعد كورونا. “العالم بعد كورونا”، “ما بعد كورونا ليس كما قبله”، “كيف سيغير كورونا العالم كما نعرفه؟”… 

فنحن نعتقد أن هذا الوباء سيفعل ما سيفعل ثم يساهم في تبدّل أنماط العيش والحكم والتفكير. ولكن ما الذي يميز هذا الوباء عن غيره؟ وما صحة هذا الاعتقاد؟ كيف يمكننا أن نكون واثقين لهذه الدرجة ولا يزال “كورونا” يسرح ويمرح بيننا، ولا نزال في وسط الأزمة عالمياً؟

أعتقد أنه على رغم تفاؤل هذا النوع من التفكير (أو تشاؤمه)، فإنه سطحي ولا يأخذ التاريخ مرجعاً. إنه شبيه بما يخبرنا الماضي عن محاولات لفهم هوية الوباء وإعطائه مسببّاً وروحاً وهدفاً وقضيةً في الحياة. فلدينا نزعة لوسم هكذا ظواهر بعلامات وتفاصيل تساعد إما على تخطي المنحة، أو لمجرد ضخ فهمٍ ما ورائي في الأمور. 

يكفي أن ننظر إلى الموت الأسود (الطاعون) الذي فتك بالعالم أجمع وانتقل بسرعة هائلة وحصد ملايين الأرواح. فالناس في القرن الرابع عشر عندما أصيبوا بهذا البلاء وما جاء معه من موت وفقر وتشوهات في الخلق وما لاحظوه من اختلال في التوازن الطبيعي وفساد للبشر، قد أعزوا ذلك لسبب واضح وبسيط: عقاب الله لمعاصي البشر على مر السنين.

قد نضحك عندما نقرأ تفسير هؤلاء الناس، فما هو إلا بساطة عصر ما قبل العلوم وسذاجته. ولكن ألم نتعامل مع “كورونا” بمثل هذا النوع من التفكير؟ افتح “السوشيال ميديا”، وسترى نظريات التفسير التي تربط حرائق الغابات وتغير المناخ والسفر عبر الجو والتجارة وعادات الشعوب المطبخية ببعضها بعضاً، وتجعل من الأسباب والاحتجاجات على تصرفاتنا شيئاً واحداً، ألا وهو انعدام التوازن الذي وضع الوباء الحالي في سياقه المفهوم والمعلوم. لقد خلقنا لـ”كورونا” تفسيراً يريح فضولنا وخوفنا.

وكما فعلوا في القرن الرابع عشر، وربطوا العلامات بالأسباب، فنرى في يومنا هذا تفسيرات عدة لسبب مجيء هذا المرض. فمنا من يقول أن غطرسة الرأسمالية العالمية أوصلتنا إلى هذا المكان (وهذا ليس دفاعاً عنها)، أو أن الطبيعة الأم ترد على تعدياتنا، أو بكل بساطة “الصين”.  وعلى رغم تطور فكرنا وحداثة عصرنا، لا نزال نحاول أن نفهم كورونا، ونعطيه صفة إصلاحية، أي أنه سيصلح حالنا، ويثنينا عن الشرور التي نرتكبها يومياً وطريقة الحياة التي اتبعناها في الفترة الأخيرة. فكم من الجهات التي دعت إلى التأمل وملاحظة الأشياء الصغيرة وأهمية العائلة خلال الحجر؟

لدينا نزعة لوسم هكذا ظواهر بعلامات وتفاصيل تساعد إما على تخطي المنحة، أو لمجرد ضخ فهمٍ ما ورائي في الأمور.

ماذا عن انخفاض مستوى التلوث في المناطق الملوثة سابقاً الذي جعل كثيرين متحمسين لهذا النوع من العالم غير الملوث بآثار البشرية الصناعية؟ ثم هناك كثيرون يعتقدون أن “كورونا” نقلة نوعية وضربة صادمة لإيقاظنا وإنقاذ العالم. 

على رغم تطور عالمنا وحكوماتنا، مقارنة بالتي كانت موجود في القرن الرابع عشر، فإن رد الفعل يشبه أيام الطاعون الأسود. فالمدن والبلدان أغلقت حدودها وأبوابها، وتوقف الاقتصاد قليلاً، ولزم العمال والفلاحون بيوتهم، وماتت المحاصيل الزراعية، وقلة من الناس تمكنوا من العمل. 

كما أصدر الملك ادوارد في ذلك الوقت قراراً بتحديد ساعات العمل وملاحقة كل مخالف وتم تحديد أسعار السلع ومراقبة التجار.

لا شك في أن جميع هذه التدابير باختلافها عن تدابير اليوم، لديها قاسم مشترك واحد وهو: الحفاظ على نوع من الحكومة والاقتصاد في ظل انتشار الوباء القاتل. 

أما بعد الطاعون فقد تغيرت بعض الأمور. تبدلت علاقات الدول ببعضها. تحسنت علاقة الحكام بالرعية. انخفضت الأسعار ثم ارتفعت. ولكن كل شيء عاد إلى حاله السابق (أي ما قبل الطاعون) بعد انقضاء فترة زمنية. فهذه التغيرات هي ردود فعل على المدى القصير للأمور. نعم لقد صدموا بالطاعون وفتكه. لاحظوا أن بعض الأمور مرتبطة بانتشاره أو قد تكون مسببة له. تبين لهم أنه ربما هناك خلل في الحكم. فبدلوها لبرهة من الزمن ثم عادوا إليها مسرعين. تخبرنا كتب التاريخ عن تبدل أوضاع الفلاحين والعمال بعد الطاعون للأفضل، ولكنها ما لبثت أن عادت لما كانت عليه أو أسوأ بعد فترة. 

يعتقد الناس أن الطاعون الأسود كان المخلص المصلح. فقضى على الإقطاعية، وخلق الطبقة الوسطى، وحسّن أوضاع النساء، وجهز البشرية لعصر الإصلاح. بيد أن هذه الإصلاحات والتغيرات حصلت، إلا أنها كانت نتاج جهد وعمل يعود إلى ما قبل الطاعون. وما كان للطاعون إلا دور صغير في تسريع قدوم الثورة التي كانت بدأت قبله.  

مرت البشرية بهذا من قبل، ولا تزال نزعتنا لفهم أنفسنا والطبيعة حولنا موجودة. ولكن علينا تقبل حقيقة أن “كورونا” لن يدمر شيئاً ولن يخلق شيئاً. فعندما ينظر المؤرخون إلينا بعد سبعة قرون، آمل بألا ينظروا إلى “كورونا” على أنه عامل التغير، بل إلى جهود الشعوب والثورات والنضالات والمبدعين من البشر التي أشعلت فتيل التطور والعدالة، وحاربت نفسها وشرورها للقيام بما يجب لتحسين حياة البشر أجمعين. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني