fbpx

مصر في مواجهة “كورونا”: ضعف رسمي وتضامن شعبي

مذ اجتاح وباء "كورونا" العالم، اتضح عجز الدولة المصرية عن مواجهته، وهي ليست وحدها في ذلك، إلا أن الإهمال الشديد في القطاع الصحي المصري لعقود ماضية ظهر جلياً مع هذه الأزمة، وحاول النظام مقابلة هذا الواقع بالكثير من الإنكار ومحاولات التغطية.

 وسط هذا العجز والإنكار ظهرت مبادرات شعبية للمساعدة في التصدي للكارثة.

نص الدستور المصري في مادته 18 على أن “لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل، وتلتزم الدولة تخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3 في المئة من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية”، إلا أن النظام الحاكم ثابر على مخالفة هذه المادة طوال سنوات حكمه.

فخلال العام المالي الجاري 2019/ 2020 ووفق البيان التحليلي للموازنة العامة، خصصت الدولة 73 مليار جنيه لقطاع الصحة، وهو ما يمثل قرابة 1.1 في المئة من الناتج المحلي البالغ 6.2 ترليون جنيه، على رغم استحقاق القطاع دستورياً 186 مليار جنيه، فيما تنفق الدول ما بين 11.5 و7.5 في المئة على القطاع ذاته، وبينما احتلت مصر المرتبة 18 بين الدول العشرين الأسوأ أداء في مجال الصحة، والمرتبة الثالثة عالمياً في شراء السلاح.

التعامل مع الأزمة 

وعلى رغم الحالة المتردية في قطاع الصحة في مصر، فقد تجاهل النظام هذا الواقع في مواجهة الوباء الذي أودى بحياة أكثر من 100 ألف شخص حول العالم مع إصابات قاربت المليونين. فعلى رغم توسع الدول في إجراء تحاليل كشف الفايروس، ضيّقت مصر من مجال الكشف والتحليل حتى على الكوادر الطبية، كما حدث مع أطباء مستشفى حميات العباسية، الذين رفض المستشفى إجراء التحاليل لهم، على رغم من مخالطتهم طبيباً ثبتت إصابته وفق ما كشفت د. منى مينا الأمينة العامة السابقة لنقابة الأطباء، وبلغ عدد التحاليل التي أجرتها مصر نحو 25 ألف كشف، بمعدل 244 كشفاً لكل مليون نسمة فقط. 

وعلى رغم هذا الأداء المتواضع، تظاهرت مصر بالسيطرة على الموقف، ففيما تحارب دول العالم للحصول على مستلزمات طبية وقائية ضد الفايروس، قامت مصر بالتبرع لكل من الصين وإيطاليا بمستلزمات وقاية، على رغم عدم توافرها في المستشفيات، كما أوضحت مصادر طبية ونقابية لـ”درج”. كما صرح رئيس اللجنة العلمية لمكافحة فايروس “كورونا” في مصر، د. حسام حسني، بأن لدى مصر ما يكفي من أجهزة تنفس اصطناعي، على رغم الحاجة الشديدة إليها، التي دفعت جهات شعبية لبدء مشاريع تصنيع هذه الأجهزة. 

وقد أدت هذه السياسات إلى انتشار كبير للفايروس في صفوف الطواقم الطبية المصرية، وعلى رغم غياب إحصاء رسمي حتى الآن لهذه الإصابات، إلا أن عشرات المستشفيات أعلنت إصابة عدد كبير من طواقمها بعد إنكار طويل، منها معهد الأورام في القاهرة، أكبر مستشفى لعلاج السرطان والأورام في مصر، والذي ظهرت فيه 17 إصابة بين صفوف طاقمه بعد إنكار مدير المعهد وتعنت في إجراء التحاليل، وكذلك مستشفى الزيتون حيث ثبتت إصابة 22 شخصاً من الطاقم الطبي. 

على رغم توسع الدول في إجراء تحاليل كشف الفايروس، ضيّقت مصر من مجال الكشف والتحليل حتى على الكوادر الطبية، كما حدث مع أطباء مستشفى حميات العباسية.

الغريب أن الحديث عن النقص في هذه المستلزمات أصبح جريمة تطارد الطواقم الطبية، فقد علم “درج” من مصادر نقابية أنه قُبض على عدد من الأطباء لكشفهم العجز في مستلزمات الحماية والوقاية من الفايروس، كان منهم الطبيب محمد حماد، من مستشفى جمال عبد الناصر في محافظة الإسكندرية، وأطباء آخرون.

ويقول خالد أمين، الأمين العام لنقابة أطباء الجيزة، لـ”درج” إن “الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة هو أقل بكثير مما نحتاجه في مصر في الأوقات العادية، فما بالنا مع انتشار وباء، وهو الملف الذي لطالما ناشدنا به الدولة من دون أن يسمعنا أحد؟”.

ويقول أمين: “نحن في أشد الحاجة إلى المبادرات الأهلية والشعبية، منذ أسابيع مضت وإلى الآن، فنحن كنا بحاجة إلى تجهيز أماكن للعزل بعيدة تماماً من المستشفيات والمصحات حتى لا تتحول الأخيرة إلى بؤر للعدوى ونقع في كارثة أخرى، فعلى سبيل المثال إصابة عدد من أفراد الطاقم الطبي في معهد الأورام تعتبر فاجعة لأن مرضاه والمترددين إليه من المصابين بمرض السرطان الذين يمكن اعتبارهم من دون مناعة تقريباً، وستكون الإصابة بينهم فاجعة ومؤلمة، لذا نحن في أشد الحاجة إلى المبادرات كلها والدعم الحكومي والأهلي”.

المبادرات الشعبية 

وسط هذا العجز والإنكار الرسمي، خرجت مبادرات شعبية للمساعدة في مواجهة الوباء، كان منها مبادرة تصنيع 5 آلاف جهاز تنفس اصطناعي، “تنفس“، لسد العجز والاستعداد لاشتداد الأزمة. وأوضح هشام عوف المنسق الرسمي للمبادرة لـ”درج”، أن الدافع الرئيسي لهذا التحرّك هو النقص الشديد لأجهزة التنفس في مواجهة الزيادة المتوقعة من الحاجة إليها بحكم أن كوفيد 19، يصيب الرئتين بشكل أساسي، وهذه المبادرة جمعت الكثير من نشطاء المجتمع المدني ورجال الأعمال والشخصيات العامة.

وأشار عوف إلى أن الجامعة البريطانية في مصر هي المستشار العلمي للمبادرة، والمستشار التطبيقي تمثله نقابة المهندسين والمستشار الصناعي هو دكتور هاني السلاموني، خبير التنمية المستدامة في الأمم المتحدة، والمستشار القانوني هو دكتور جابر جاد نصار، رئيس جامعة القاهرة السابق، إضافة إلى الدكتورة نادية هنري وهي عضوة في البرلمان المصري، إضافة إلى آخرين. 

ويشرح عوف خطوات تنفيذ المبادرة، قائلاً: “يقسم الأمر إلى مرحلتين: 

الأولى: دراسة التصميمات التي أتاحتها شركة ميدترونيك العالمية وحصر مكوناتها وإيجاد بدائل لبعض المكونات التي انتهت صلاحيتها ومن ثم إعادة برمجة نظام التشغيل للجهاز، وتنتهي هذه المرحلة بإنتاج نموذج تجريبي (Prototype). 

المرحلة الثانية: وتأتي بعد اختبار النموذج التجريبي والتأكد من نجاحه، فيتم إنتاج ما يعرف باللوط الصفري وهو عبارة عن 10 أجهزة مخصصة للاختبار في وزارة الصحة، وبعدها يبدأ الإنتاج على نطاق واسع بعد شراء المكونات سواء من السوق العالمي أو المحلي”.

فيما تحارب دول العالم للحصول على مستلزمات طبية وقائية ضد الفايروس، قامت مصر بالتبرع لكل من الصين وإيطاليا بمستلزمات وقاية، على رغم عدم توافرها في المستشفيات.

ويلفت المنسق العام للمبادرة إلى أن سعر الجهاز الواحد في السوق قرابة 170 ألف جنيه (الدولار= 15.5 جنيه تقريباً) في حال توفره، بينما تُقدر المبادرة تكلفة إنتاجه بين 30 ألفاً و50 ألف جنيه فقط، وتُقدر كلفة مرحلة البحث والتطوير بين 800 ألف ومليون جنيه، وهناك خيارات للتمويل تتم دراستها قبل البدء، وقامت جهات حكومية بالاتصال بهم فور الإعلان عن المبادرة، ولكنهم لا يزالون في مرحلة التباحث والاتفاق على صيغة التعاون.

ويوضح عوف أن المبادرة لم تفتح باب التبرع ولا تفضل تبرع الأفراد، قائلاً: “الموضوع مربح لأي جهة تتبناه إذ ستكون لها حقوق ملكية فكرية جديدة، وستجني أرباحاً مادية، ولكن إذا امتلكت الدولة التصميم الجديد، فستجني ربحاً استراتيجياً، لذلك نحن نركز حالياً على التفاوض مع الدولة لأن هذه هي مسؤوليتها، وإذا فشلنا سنرى خيار التعامل مع شركة أو إنفاق بعض الجمعيات الخيرية على المرحلة الأولى من المشروع”.

أما مستشفى 25 يناير، الذي ذاع صيته في مصر لأنه بنيَ بالكامل عبر تبرعات من مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أعلن عن وضع مبانيه تحت تصرف الدولة لاستخدامها كمستشفى عزل أو كما ترى وزارة الصحة، والمساهمة في إجراءات التعقيم من الفايروس، وكان المستشفى أعلن عن تخصيصه مبلغ 5 ملايين جنيه لشراء أجهزة تنفس اصطناعي تكون تحت تصرف الدولة حتى انتهاء الأزمة، إلا أنها تراجعت عن هذه الخطوة بعد إعلان الدولة عدم حاجتها إلى أجهزة. 

مبادرات أخرى أطلقتها جمعيات ومؤسسات مدنية وأهلية، منها مبادرة المهندس ممدوح حمزة، الاستشاري العالمي، لإنشاء مستشفيات ميدانية، ومثله المهندس أكرم إسماعيل، العضو المؤسس في “حزب العيش والحرية”، لكنها قوبلت بتجاهل رسمي من الدولة. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني